ما الفرق بين إسلاميي الجزائر وإسلاميي تونس؟

في عز الحراك الشعبي لم يتخلص الإسلاميون الجزائريون من مواصلة زرع ثقافة "التكفير"

إسلاميّو الجزائر على عكس إسلاميّي تونس لم يعمدوا إلى مراجعات صريحة (ويكيبيديا)

مع ما يجري من "حراك" شعبي ومخاض سياسي في الجزائر، يستمر هذا منذ عشرة أشهر، ومع ظهور صوت الإسلاميين الراديكاليين فيه، ورفع بعض الشعارات التي تذكّرنا بأيام "الفيس" (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) الدموية، تضعنا هذه الحال أمام سؤال جوهري: هل يحلم إسلاميو الجزائر حلماً تونسياً؟ هل سينجح إسلاميو الجزائر يوماً في قراءة غزوة إسلاميي تونس لقصر قرطاج؟

هذا التساؤل يقودنا إلى طرح سؤال مفصلي آخر: ما الفرق يا ترى ما بين إسلامي تونسي وآخر جزائري على المستوى السياسي، على مستوى الخطاب وعلى مستوى الجاهزية السيكولوجية؟

الفرق بين تونس والجزائر

ما حدث في تونس منذ 2011 يمكن اعتباره درساً سياسياً إسلامياً مهماً وخطيراً في الوقت ذاته، مهم في مسيرة الإسلاميين نحو غزو القصر الرئاسي والاستيلاء على السلطة، وخطير بالنسبة إلى القوى الديمقراطية والنخب التنويرية لأن الإسلاميين بدأوا يغيرون في خططهم ويراجعون خطة "أبيهم" الأكبر "حزب الإخوان المسلمين" في مصر. لقد قرأ الإسلاميون التونسيون ممثلون في حزب النهضة أساساً، جيداً لعبة الأنظمة الديكتاتورية المُستَثمِرة في الشعبوية الوطنية، فاستبدلوها بالشعبوية الدينية، وفقهوا إلى حد كبير لعبة كيفية الوصول إلى سدة السلطة، فقد زحفوا إلى قصر قرطاج في هدوء سياسي مريع، من دون ضجيج يُسمع، فاستولوا على مجلس الشعب البرلمان (السلطة التشريعية) بمهارة غير مسبوقة واستولوا على السلطة التنفيذية (رئاسة الحكومة) بإحكام. إنهم الفصيل السياسي الإسلامي الوحيد في العالم العربي والذي ينحدر بشكل من الأشكال من تنظيم الإخوان المسلمين، شأنه شأن غالبية تنظيمات الإسلام السياسي، الذي يمتلك خاصية قوة "الصبر" السياسي والذي تمثل بشكل واضح في فرملة الرغبة السياسية في أوساط مناضليه وقادته على مدى فترة الحماس التي تَلتْ سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي. فعلى الرغم من أن الإسلاميين كانوا يمثلون التنظيم الأكثر "شعبية" وصاحب الخطاب الديماغوجي الأكثر تغلغلاً وتأثيراً في أوساط الجماهير المفَقَّرة والمقهورة والمهمشة، إلاّ أنّهم تحلّوا بالهدوء و"الخبث السياسي" في خطة زحفهم  للاستيلاء على قرطاج، لم يكونوا في عجلة من أمرهم.

يتميز الإسلامي التونسي بشكل عام، مقارنة بغيره من الطبعات الأخرى للإسلام السياسي في العالم العربي، بالهدوء وضبط النفس والروية، وتأجيل العارض الجزئي من أجل الحصول على الغنيمة الكبرى.

يتمتع زعيمهم راشد الغنوشي بكثير من الصبر والدهاء وعدم السقوط في الجدل الذي قد يفتح عليه معركة هامشية، قد تعطل وصول حزبه أو قد تشوش عليه مساره للوصول إلى سدة الحكم.

في المقابل نجد إسلاميي الجزائر، ممثلين في تنظيم الفيس، الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي خرجت منها جميع التنظيمات الإسلامية في الجزائر اليوم، نجدهم ومنذ التسعينيات بالخطاب المليء بالغضب ومعاداة الجميع ذاته، في الداخل والخارج، وعلى الرغم من مرور أزيد من ربع قرن، لم يستطع الإسلاميون الجزائريون التحرر من خطاب الشكوى والأنين والبكاء على أطلال انتخابات التسعينيات، لم يتطهروا من ثقافة "النوسطالجيا" السياسية، ولم يتحرروا من إحساس "الضحية".

التجربة الجزائرية

ووجود الإسلاميين الجزائريين في الحراك اليوم وبالأوصاف عينها، مدججين  بالغضب وحس الانتقام من الجميع، واستعجال الأمور والتلهف على السلطة ومعاداة شركائهم في الشارع ورفع الشعارات الحادة التي تفرق أكثر ما تجمع، وعدم فهمهم للأولوي والثانوي وخلط الأوراق السياسية، كل هذا جعل النظام قادراً على إعادة إنتاج ذاته، أي "رسكلة مؤسساته"، فالإسلاميون الجزائريون بما هم عليه من سلوكيات فردية وجماعية، هم أداة في يد النظام وليسوا آلة لإسقاطه، إنهم يخدمون النظام في الوقت الذي يعتقدون بأنهم يهاجمونه أو يهددون وجوده، إنهم لا يشكّلون أي خطر على النظام، بل يشكلون خطراً على الجزائر.

إن إسلاميي الجزائر لا يريدون تقاسم السلطة مع غيرهم، لو مرحلياً وتكتيكياً، كما في تونس، هم يريدون السلطة لهم ولهم وحدهم وكاملة، إما هم وحدهم أو الطوفان، الإسلاميون الجزائريون يحلمون برعية لا بمواطنين، يفكرون في مجتمع من دون معارضة، فالسلطة بالنسبة إليهم ليست مسألة سياسية، إنها قضية دينية، أساسها  الـ"طاعة" للشيخ الزعيم.

ومن أجل التشويش على الحراك الذي هو قوة سوسيولوجية عارمة وإيجابية وحالة تاريخية فريدة، يعمل الإسلاميون على خلق "التفرقة" في أوساطه برفع شعارات بعينها. وأمام هذا، تعمل السلطة الجزائرية أو بقايا النظام البوتفليقي، على الاستثمار في شبكات التواصل الاجتماعي، إذ يصار إلى ترويج تصريحات بعض "القادة" الإسلاميين، وكذا بعض مناضليهم والمتعاطفين معهم والتي تصب في خانة إذكاء "الفتنة"، ما يزعزع وحدة الحراك.

وفي عز الحراك الشعبي، لم يتخلص الإسلاميون الجزائريون من مواصلة زرع ثقافة "التكفير" ومعاداة المثقفين التنويريين وتخوين قيادات بعض الأحزاب الوطنية أو العلمانية، وتعج شبكات التواصل الاجتماعي بخطابات بعض مناضليهم وأتباعهم التي تروج لذلك بشكل واضح، ما يجعلهم قوة تفتيت وتشكيك.

إن إسلاميّي الجزائر على عكس إسلاميّي تونس لم يعمدوا إلى مراجعات صريحة وواضحة ولم يقرؤوا التاريخ جيداً، لا تاريخ الثورة التحريرية ولا تاريخ تجربتهم السياسية منذ التسعينيات، بل إنهم لا يحسنون قراءة التاريخ أصلاً، فبكثير من الحماس والغضب ورفع الشعارات، يمارسون العمل السياسي على طريقة سبعينيات القرن الماضي. 

العلمانية في تونس

لقد استطاع إسلاميّو تونس الوصول إلى السلطة بالتزامهم سياسة الهدوء و"منطق" التريث وعدم معاداة الأطراف السياسية الأخرى على اختلاف مشاربها، من اليسار والعلماني والاشتراكي والليبرالي والوطني، ولو مرحلياً، واعتبروهم شركاء لهم في بناء تونس ما بعد الثورة بكثير من التوافق، ويعود تحلي الإسلاميين التونسيين بهذه الثقافة الهادئة إلى طبيعة تاريخ تونس السياسي المعاصر الذي أسس له الحبيب بورقيبة، وهو المثقف الليبرالي العلماني الجريء، فاستطاعت العلمانية التي أسس لها ودافع عنها الرئيس بورقيبة أن تصنع مواطناً تونسياً يختلف عن أي مواطن في البلدان العربية أو المغاربية، فالشارع التونسي يتميز بثقافة التسامح بشكل عام، والمواطن التونسي يحمل قليلاً أو كثيراً من مبادئ ثقافة "العيش المشترك". وفي ظل ذلك، تمكنت المرأة التونسية من القفز إلى مرتبة "المواطن" والتحرر من "الأَمَة"، وهو ما لم يتحقق في البلدان العربية والمغاربية الأخرى. أما هذا، ظلت تركيبة الإسلامي الجزائري قائمة على الرفض الكلي والعداء الكلي والإقصاء الكلي لكل من يختلف معه، والتخويف الاجتماعي والترهيب الجنسي وهو ما يظهر في تراجع عطاء المرأة الجزائرية سياسياً، مقارنة بحضورها أيام ثورة التحرير وفترة الستينيات والسبعينيات، مع أن التعليم ارتفع كمياً أي عددياً، إلا أنّ ذلك رافقه تراجع واضح في "ثقافة المواطنة" لدى النساء، كما أن خطاب ولغة إسلاميّي الجزائر يتميزان بشكل عام بالعنف الدموي الشامل والموجه ضد الجميع، وهو خطاب أسس له يوسف القرضاوي والغزالي في مرحلة وجودهما بالجزائر في ثمانينيات القرن الماضي، سنوات حكم الشاذلي بن جديد. بناء على ذلك، فقد فتح إسلاميّو الجزائر جميع الجبهات وفي الوقت ذاته، وبالتالي، أقصوا الشراكة التاريخية والسياسية ولم يتركوا صديقاً لهم، وهم يعتبرون أن الجميع على "خطأ" إلاّ هم، وبالتالي، يجب شن حرب ضد الجميع، ضد الوطني، ضد العلماني، ضد الاشتراكي، ضد الليبرالي... شن حرب ضد "الآخر" الغرب جملة وتفصيلاً وبكثير من الكراهية البادية، وأن الغرب في منظورهم يُختصر في "فرنسا" وأن صورة فرنسا هي "فرنسا الاستعمار" وفقط...

اختلاف التكتيك

وما دام الإسلاميون الجزائريون لم يقرؤوا جيداً التاريخ السياسي لأحزاب غربية التي لها علاقة بـ"الثقافة والتقاليد الدينية المسيحية"، كالأحزاب الديمقراطية المسيحية والأحزاب المسيحية الليبرالية وفهم ميكانيزمات العلاقة ما بين الدين كثقافة وكممارسة فردية من جهة والسياسة كمشروع اجتماعي من جهة أخرى، فإنهم لن يشكلوا أبداً قيمة مضافة في المشهد السياسي، بل سيظلون عقبة في وجه التغيير الإيجابي وفي وجه القوى السياسية الأخرى، الباحثة عن التطور والتقدم من ديمقراطيين وطنيين وعلمانيين وليبراليين واشتراكيين الذين كبروا جميعهم في ظل "ثقافة إسلامية" متسامحة وبنكهة محلية تختلف عن الإسلام السياسي المستورد الذي تستند إليه أطروحات الإسلام السياسي الجزائري.

وإذا كان إسلاميّو تونس يختلفون عن إسلاميّي الجزائر في التكتيك إلاّ أنهما، من حيث الفلسفة المعتمدة والمرجعية الإخوانية، هما توأمان، يشتركان في المصير وفي المستقبل البعيد.       

إن تركيبة الإسلاميين الداخلية وتصوراتهم الإقصائية، مهما كان البلد الذي قد يصلون فيه إلى السلطة، تتميز  بغياب رؤية مستقبلية في مفهومهم للمجتمع الذي يتوجهون إليه، وتتميز رؤيتهم باستدعاء "الحنين" إلى الماضي واتكاء خطابهم على زمن سياسي ولّى، هو "زمن الخلفاء الراشدين" الذين يقيسون أنفسهم عليه. كل هذا "الاغتراب" التاريخي والاجتماعي لن يبقيهم في السلطة طويلاً متى وصلوا إليها. وهنا، لا أستثني إسلاميّي تونس الذين وبمجرد غزو السلطة والاستيلاء على قرطاج، سيشرعون لاحقاً، وبمجرد أن تستب لهم الأمور قليلاً،  في معاداة صناع الثورة التي أطاحت ببن علي، من خلال التكفير والتخوين وضرب واغتيال بعض رموز العلمانية التي أسس لها بورقيبة والتي كانت سبب حداثة تونس، ثم سينتقلون في مرحلة تالية إلى أكل بعضهم البعض. بالتالي، ستظهر الاختلافات التي ظلت مغيّبة خلال رحلة غزوة قرطاج، وستبدأ الدولة التونسية القائمة على الإسلام السياسي بالتفكك خلال السنتين المقبلتين، إذا لم يحصل طارئ يعيد ترتيب الأوراق من جديد، وهذا هو مصير كل إسلام سياسي في المشرق كان أو في شمال أفريقيا.   

المزيد من آراء