العائدون إلى الجامعة بعد عشرات السنين

في معمعة العمل التطبيقي يفوتنا معنى البحث العلمي وأهميته

لينا غالي أثناء مناقشة اطروحتها (اندبندنت عربية)

لم يكن يخطر ببالي وأنا أرمي قبعة التخرج منذ حوالى عشرين عاماً أنني قد أجلس مجدداً على مقاعد الدراسة. فأنا منذ الصغر لم تستهوني فكرة المدرسة ولا الجامعة، كنت أقوم بجهد كبير جداً لأقنع نفسي بالاستيقاظ الباكر وتحمّل عبء سنوات الدراسة.

قد يعود السبب بشكل رئيسي إلى المنهج التلقيني بدل التفاعلي المعتمد إن في المدرسة أو في الكلية. ولم يعجبني التفوق يوماً، وأشعر أن المتفوقين دراسياً ليسوا بالضرورة أذكياء، بل أشخاص يجيدون الحفظ كلمة كلمة.

وكنت إذا ما سئلت ماذا أذكر من المواد يصيبني فقدان مؤقت للذاكرة، وتلمع فقط حصص أحد الأساتذة في الجامعة الذي لم يحمل يوماً كراساً، جلّ ما كان يفعله أن يعلمنا مادته مناقشة وقصصاً.

 

أخدتني الحياة قبل الجامعة وخلالها إلى القيام بوظائف عديدة بعضها لا يمت إلى الإعلام بصلة إلى أن تخرجت وعملت في أنواع الوسائل الإعلامية كافة من المقروء إلى المسموع والمرئي إلى الرقمي. وكان العمل يأخذ معظم وقتي لدرجة أنني لا أعرف كيف خطر لي بعد عشر سنوات وأكثر أن أعود لنيل الماجستير وبعدها رسالة الدكتوراه التي لازلت أعمل عليها. قد يكون السبب الأول العودة إلى لقاء بعض الزملاء القدامى، كوني لا يهمني حقاً أن يكون لدي لقب باحثة أو دكتورة، ولكن ما حصل أنني وجدت أنه فاتني الكثير من معنى البحث العلمي والأكاديمي في معمعة العمل التطبيقي، وإلى أن عرفت أي نوع من الرصانة في العمل كان ينقصني. فما إن غرقت في إعداد رسالة الماجستير حتى بدأ عملي في التلفزيون حينها وفي الموقع الإلكتروني لاحقاً يأخذ منحى أكثر رصانة وعمقاً ونضجاً وانتباهاً لأدق التفاصيل ومزج الأكاديمي الجاف في العملي الأكثر مرونة.

لينا غالي: العودة بعد بناء العائلة إلى الدراسة لتحقيق الذات

سألت عدداً من الذين نالوا الدكتوراه أو ما زالوا يعملون على إنجازها بعد الانخراط في العمل لسنوات عدة عن هذه التجربة، فأخبرت الدكتورة لينا غالي موقع "اندبندنت عربية" أنها نالت شهادة الليسانس عام 99 من كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية، اختصاص "علاقات عامة"، وكانت قد بدأت العمل في سنة 93 أثناء الدراسة الجامعية وعملت طوال 12عاماً كمضيفة طيران، حتى العام 2004 من ثم قررت التوقف عن العمل للاهتمام بالعائلة بعد ولادة ابنها الأول بخاصة أن زوجها يعمل كابتن طائرة، ما يحتم عليه السفر باستمرار. لذا اتخذت قرار الاهتمام بالعائلة.

ثم عادت عام 2009 للعمل كوجه إعلاني حر. وقررت العودة إلى الدراسة واستكمال الماستر في العلاقات العامة، لأنها شعرت بأن معلومات الجامعة أصبحت بحاجة إلى تحديث بخاصة مع دخول الإنترنت إلى الساحة العملية والعلمية، وتوسع استخداماته، في تلك المرحلة.

تقول لينا إنها شعرت بالملل أثناء توقفها عن العمل والحاجة إلى الانتاج على الصعيد النفسي بخاصة بعد دخول أولادها المدرسة، فكان خيار العودة إلى الدراسة مرجحاً.

أثناء العودة إلى الدراسة ظلت لينا تعمل كوجه إعلاني إضافة إلى اهتمامها بالبيت والأولاد بخاصة كونها وزوجها لم يريدا الاستعانة بمدبرة منزلية بل يفضلان الاهتمام بنفسيهما بالأولاد والإشراف على تربيتهم وصحتهم النفسية والجسدية، كما هو الحال في الدول الأوروبية والأميركية وكندا (حيث أقامت العائلة فترة).

عن العودة إلى الدراسة تقول لينا إنها كانت متعبة وممتعة في آن، "إذ كان عليّ مواكبة التكنولوجيات الجديدة، والجيل الجديد من زملائي الطلاب الذين كان معظمهم من أعمار صغيرة، ولديهم اهتمامات مختلفة، وطريقة تفكير مختلفة، كما يختلفون عني بطريقة إجراء الأبحاث. إضافة إلى التمرّن على استخدام التكنولوجيات الجديدة والتي لم تكن موجودة في السابق. ولكن على الرغم من ذلك أحسست بمتعة كبيرة خلال إجراء مشاريع الأبحاث المختلفة التي ملأت أوقات فراغي بطريقة مثمرة، ومنتجة، وسمحت لي بمواكبة دراسة أولادي لاحقاً".

نالت لينا شهادة الدكتوراه في علوم الإعلام والاتصال، في العام الماضي. وكان عنوان الأطروحة "إستراتيجيات الاتصال المؤسساتي وبناء الصورة، الجامعة اللبنانية نموذجاً 2011- 2016". وتقول إن العمل على أطروحة الدكتوراه كان ممتعاً "لأنني اعتدت على العمل البحثي من ناحية أولى، وثانياً لأنني شعرت باهتمام كبير بالموضوع أي موضوع الجامعة اللبنانية. والعمل على أطروحة الدكتوراه يحمل حماسة لأن الطالب يشعر بأنه أصبح قريباً جداً من تحقيق الأهداف. وَمِمَّا لا شك فيه أن الأطروحة شكلت لي إضافة معنوية ومعرفية، سيما أنها نالت درجة مشرف من قبل لجنة التحكيم، وتمت قبولها للنشر من قبل دار الفارابي".

نديم محسن: التعلم والتعليم في آن

الدكتور نديم محسن كان قد تخرّج عام 85 ولم يعمل في اختصاصه في علوم الاجتماع، بل عمل بشركة نفط ثم شركة بيع سيارات ثم مديراً لشركة ترجمة قبل انتقاله إلى تعليم الفلسفة والحضارات في الجامعة.

يخبر نديم موقع "اندبندنت عربية" أنه شعر بأن السوق أصبح تنافسياً والشهادة الجامعية الليسانس لم تعد كافية لتثبيت موقعه وتقويته، ففكر في الدراسات العليا كونه يحب القراءة، فبدل أن تكون قراءاته للإشباع الذاتي فقط فكّر أن يوجهها ويستفيد من الوقت الذي يقضيه بالقراءة في يومياته لوضعها في مكان مناسب ويحبه. وصار للقراءة بعد جديد، وبعد أول خطوة توالت الخطوات. ولكن انشغاله بالتعليم لم يجعله قادراً على التفرغ اللازم للعمل على أطروحة الدكتوراه ما جعله يأخذ سنوات عديدة لينتقل من درجة إلى أخرى.

كان عمل نديم مرافقاً دوماً للدراسة، ويخبر أن الجامعة اللبنانية كانت تعطي مجالات في شأن ضرورة حضور الصفوف، "كان التعليم سائراً بموازاة التعلم، وكانت فترة جميلة، أشعر تماماً بما يشعر به طلاب الجامعة، إضافة إلى توظيف المعرفة الجديدة التي اكتسبها في التعليم، والعكس صحيح، فالمناقشات في الصفوف كلها تغذي عملية التفكير والنقد".

ويعتبر أن العودة إلى الدراسة كانت بمثابة تحدّ للذات "بخاصة أنني قمت بالأمر متأخراً، ربما لو كان منذ 30 سنة كان سيفيدني أكثر في مجال عملي." ومن أهداف البحث لدى نديم كان نشر ما يريد بطريقة منهجية مضبوطة وطابع دراسي وفكري.

نال نديم درجة جيد جداً في مناقشة الدكتوراه هذا الشهر، وكان عنوان الأطروحة "بين المعرفة العلمية والمعرفة الدينية، في تأثير العلوم في العقلية الدينية خلال التجربة الجامعية في لبنان"

يقول نديم إن فترة إعداد الدراسة كانت ممتعة بخاصة في العمل الميداني في المقابلات المعمقة مع الطلاب المتخرجين الذين بسبب الأسئلة المطروحة كانوا "يفكرون نقدياً ويقومون بمراجعة أفكارهم وتوضيحها لمعرفة جذورها، قد تكون المرة الأولى التي يفكرون فعلاً فيها، فكنا نتعرف إلى أنفسنا وإلى أسئلة كنا نظنها ستأخذنا في اتجاه عكس الاتجاه الأعمق الذي أخذتنا إليه، وفهم التناقضات، وكم شعرت بأننا بحاجة لقلب أرضنا الاجتماعية وفلاحتها".

استفاد نديم كما يقول من البحث الميداني جداً ويعتبر أن بلادنا بحاجة إلى دراسات علمية توثق وتدعم التفكير النظري لتصلحه أو تزيد عليه، ويتمنى أن يكون لديه الوقت للقيام بدراسات أخرى.

ماري تريز كريدي: الدراسات العليا جاءت تطويراً للخبرة العملية وتوثيقها

الباحثة ماري تريز كريدي تخرجت عام 99 من كلية الإعلام وبدأت العمل في محطة تيلي لوميير في السنة الثانية في كل أقسام التلفزيون، وعادت إلى الدراسة عام 2010 عندما فتحت الجامعة اللبنانية صفوفاً للدراسات العليا في الإعلام، وكان الهاجس الأساسي التمرس في الاختصاص والمهنة، وكانت تعمل حينها والمسؤوليات كبيرة بخاصة أنها تشغل منصب مديرة البرامج إضافة إلى ما يتطلب العمل من سفر متواصل كما توضح.

تقول ماري تريز أن فترة العودة إلى مقاعد الدراسة لم تكن متعبة بل ممتعة، بخاصة في اللقاء مع الأصدقاء والمعلومات الجديدة، "وكان معظم الطلاب من دفعتي وأعمارهم قريبة والأبحاث سهلة كون معظم معلوماتها طبقت عملياً في عملي".

 تعمل ماري تريز على رسالة الدكتوراه بعنوان "الإعلام المسيحي في عصر الإعلام الرقمي" وتقول إن إعدادها يحتاج إلى الكثير من العمل والتركيز، بخاصة في ظل الانشغالات الإضافية إلى العمل من زواج وأمومة.

تعتبر ماري تريز أنه عادة يوجد فرق بين الحياة الأكاديمية والعملية، فالتطبيق يختلف عن النظريات "لكنني استفدت كثيراً من الأبحاث بخاصة مع الماستر والدكتوراه لأن الدراسات التي اخترتها تتعلق بعملي بشكل مباشر، وجاءت تطبيقاً للخبرة وتوثيقها في دراسة".