أعرف لماذا يحب أبناء الريف الأميركي ترمب

عندما حاولت أخيراً الكشف عن زيف نظرية مؤامرة نشرها أحد الأصدقاء القدامى حول هيلاري كلينتون، كان جوابه "لقد نسيتَ من أين أتيت أنت"

مناصرو دونالد ترمب في أول تجمع انتخابي منذ بدء مسار المساءلة والعزل (اندنبندنت)

نشأت في بلدة صغيرة في كاليفورنيا يزيد عدد سكانها على 2000 نسمة بقليل. كانت معي في الصف الثالث تلميذة واحدة لها بشرة سوداء، وذلك في سنة انتخابية تنافس فيها جورج بوش الأب على الرئاسة مع مايكل دوكاكيس. عندما أُجري التصويت التقليدي للتلاميذ، كانت هي الوحيدة التي قالت إنها تفضّل دوكاكيس. لكن التلاميذ الآخرين ضغطوا عليها حتى غيرت رأيها وصوتّت لصالح بوش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الصعب المبالغة في وصف الضغط الاجتماعي في البلدات الصغيرة بهدف تحقيق الانسجام. عندما نشر أحد أصدقاء الطفولة قصة كاذبة عن هيلاري كلينتون على فيسبوك، وجّهته (بدون تعليق) إلى موضوع بثّه موقع "سنوبس" يفنّد قصته. وكان جوابه، "لقد نسيتَ من أين أتيت أنت،" ثم حجبني من قائمة أصدقائه. بالنسبة للكثيرين في الريف الأميركي، من المنطقي تماماً إنكار الحقيقة الموضوعية بشأن أي مسألة بعينها. فدعم مرشح ديمقراطي قد يحسّن المستوى المعيشي للفرد في بعض الجوانب، لكن سيكون مكلفاً على المستوى العلاقات الشخصية.

يقدر الناس بشكل خاص آراء أولئك الذين يعتبرون نماذج للنجاح في حياتهم اليومية. لقد أمضى دونالد ترمب سنوات وهو يمثل دور رجل أعمال ناجح في برنامج مسابقات شاهده بانتظام العديد من هؤلاء الأشخاص. بالنسبة لهم، يُعدّ ترمب من الناحية العملية قصة نجاح محلية قلّ نظيرها. بين عامي 2008 و2017، تركّز 99% من نمو الوظائف والسكان في أميركا في المناطق الحضرية، فيما يجري إهمال الأميركيين أبناء المناطق الريفية.

لذا فإنه عندما لا يجد هؤلاء الأميركيون الريفيون سبيلاً لزيادة مشاكلهم سوءاً، فإنهم يبحثون عن مجموعات خارجية لإلقاء اللوم عليها، مثل الأقليات التي تعيش في تلك المراكز الحضرية المزدهرة، وتتمتع بشكل متزايد بحصة مكافئة من السلطة في واشنطن العاصمة. وعلى سبيل المثال، فإن الناخبين الريفيين أكثر ميلا للاعتقاد بأن السود واللاتينيين يسيئون استخدام برامج المساعدة الحكومية. فالاستياء العنصري ينتشر على نطاق شاسع، ووجدت مجموعة متزايدة من الدراسات أن دعم ترمب يتغذى بالكامل تقريباً على كراهية الجماعات الخارجية: في عام 2016، كانت أقوى المؤشرات على دعم ترمب هي التعصب وانعدام التعليم.

وبطبيعة الحال فإن كل هذا مغلف بلغة سياسية، وهذا هو السبب في أن كون المرشح أنثى أو شخصاً ملوناً في حد ذاته، يكفي بالنسبة للناخبين للحكم عليه بأنه من يسار الوسط، وذلك من خلال لون بشرته أو جنسه بدلاً من مواقفه السياسية الفعلية. وبالنسبة للكثيرين، أصبحت كلمة "ليبرالي" قدحاً لأي شخص لا يشبههم.

إذا سألت الأميركيين الريفيين عن شعورهم تجاه الناس من أي فئة أقلية معينة، فإن أغلبهم سيعتزّون بتقبلهم لهم بانفتاح وتواضع. وفي أغلب الأحيان ينطبق هذا على المستوى الشخصي. ولكن، بالنسبة لهم، لا توجد العنصرية سوى في أفلام كلانسمان (نسبة إلى كوكلوكس كلان). إنها ليست بنية سلطة معاصرة أو تحيزا ضمنيا يقتل المراهقين ذوي البشرة السوداء. إنهم لا يرون ذلك، لكن من ناحية أخرى، قد يرون أنفسهم يكافحون. إنهم بصراحة لا يدركون ما يحدث. فالأقليات التي يعرفونها، تتعرض لضغوط من أجل الانسجام والبقاء صامتة، كما حصل مع تلك الفتاة الصغيرة في صفي الثالث. إن هذه الأقليات لا تتحدث كثيراً عن العنصرية.

إن ما يفاقم هذه الأوضاع كلها هو أن مراهقي المناطق الريفية، وعلى نحو عنيد، أقل اهتماماً بمتابعة دراساتهم العليا مقارنة مع أقرانهم في الحواضر، رغم أن الأعمال التي تتطلب مهارات متدنية أو متوسطة لم تعد موجودة في مناطقهم.

لذلك فإن مواقف ترمب ليست في حقيقة الأمر مختلفة كثيراً عن المشاعر الحقيقية للعديد من أبناء الأرياف في الولايات المتحدة. وبالتالي كيف يمكنهم إدانته على تلك المواقف؟ وحتى إن كانوا غير متفقين معه، يمكنهم أن يروا فيه نموذجاً لأشخاص يحبونهم، بالرغم من مواقفه تلك. فهو والدهم، وعمهم ورب عملهم، وشعار حملة إعادة انتخابه قد ينفع أيضا أن يكون "لا أرى ما العنصري في ذلك".

وبطبيعة الحال، ليس جهل ترمب هو ما يجب أن يزعج الناس فقط، بل أيضا مزاعم الفساد الموجهة ضده. وثمة مؤشرات مهمة في كون الناس الأقل اقتناعا بخطابه ضد الفساد هم أنصار رومني وكلينتون، حسبما وجدت دراسة حديثة.  لكن هؤلاء غالبا ما يسكنون في الضواحي. ولدى سكان الريف حكمة قوامها اعتقاد راسخ بأن جميع السياسيين فاسدون حتى النخاع، وأن أي شخص يعتقد غير ذلك هو ساذج بشكل مقزز. ذات مرة، عندما عبرت والدتي عن استهجانها لفساد الرئيس، تأوّه والدي قائلا "كلهم يفعلون ذلك". فوالدي ديموقراطي، لكن أتحاشى أن أسأله مباشرة لمن صوّت مخافة أن تتغير نظرتي تجاهه إذا عرفت.

لن يكون مفاجئا لمن عاش في الريف الأميركي، أو اهتم بتغريدات الرئيس على تويتر، أن يكتشف أن ناخبي ترمب هم أكثر ميلاً للإيمان بنظريات المؤامرة. فالمؤسسات العلمية والتربوية والحكومية مثلاً يديرها الليبراليون في نهاية المطاف. وسيعتبر العديد من الأميركيين قصة في الجريدة اليومية أقل صدقية من شعار أو موقع زائف جاءهم من أحد معارفهم.

ويضاف لهذه المعادلة متابعة منتظمة لإعلام هامشي لا يخضع لأي محاسبة، وسكان قرويون يؤمنون بقوة أن ترمب ليس مذنبا بجريمة الفساد أكثر من آل كلينتون، وآل أوباما، وآل بوش أو أي أحد آخر. فالفكرة السائدة هي أنه يتعرض لمعاملة قاسية لأنه وبالصدفة واحد منهم.

هل تعرفون من لا يشبه ترمب، أو أميركا الريفية؟ إنه كل سياسي وإعلامي ينتقد، أو يدقق الحقائق أو يتحدث بموضوعية حول الرئيس. هؤلاء الناس يشبهون الأشخاص المغرورين الذين كبروا وغادروا البلدة، أو المرأة العاملة في الشركة التي استغنت عن عمها العنصري الفقير. إنهم يعتقدون أنهم أفضل منهم. بالنسبة لريف أميركا، فإن هؤلاء الناس هم ليبراليون يغالون في الليبرالية. وفي هذا المقال بالضبط وجهت إهانات لأبناء الريف الأميركي. فلماذا سيثقون بي؟

يدعم الريفيون الأميركيون ترمب لأنهم يعتقدون أن النخبة الحضرية تكرهه، ويعتقدون أن النخب الحضرية تكرههم كذلك. لذلك لا أعتقد أنهم سينقلبون ضده بأعداد كبيرة ما لم يتوقفوا عن النظر إليه كواحد منهم.

© The Independent

المزيد من آراء