Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التكنولوجيا "الخيّرة"... ابتكار شبابي وريادة للأعمال

مشروعات ناشئة من أجل مجتمعات عربية ضلت طريق التغيير.. والقادة الجدد يأملون الأفضل لبلادهم

مشاركون بمؤتمر الحمامات السنوي الذي ينظمه المجلس الثقافي البريطاني منذ عام 2012 في تونس (اندبندنت عربية)

بينما دول عدة في المنطقة العربية غارقة إما في نوم عميق تجاه ما يعرف بمستقبل العمل والتعليم والوظائف، وأخرى منجرفة تماماً في صراعات قبلية أو أهلية أو أممية، غير عابئة بمستقبل ملايين من أبنائها وبناتها الذين لن يعانوا فقط ضياع وظائف بسبب الرقمنة والأتمتة، بل سيعانوا ضياع مستقبل لا وظائف فيه من الأصل، هناك من خرج من عنق زجاجة الأبواب المغلقة والأفكار الجامدة والأنماط الثابتة ليقدم نماذج عمل بالغة الابتكار ومشروعات مجتمعية وربحية رقمية. المثير في الأمر أن هذا الخروج المشرف يعيش بيننا، لكن دون صخب أو طلبات تنوء بحملها الأوطان والحكومات.

مشروعات ناشئة

وعلى الرغم من ضلوع الحكومات بأشكال مختلفة في مجتمع ناشئ حيوي إيجابي اسمه "مجتمع المشروعات الناشئة وريادة الأعمال القائمة على الذكاء الصناعي وتقنية المعلومات"، فإن محتوى وحصيلة مؤتمر الحمامات السنوي الذي ينظمه المجلس الثقافي البريطاني سنوياً منذ عام 2012 في تونس يصبان مباشرة في مصلحة الأعمال وريادتها وروادها ومجتمعاتهم.

خير المجتمع

"التكنولوجيا من أجل خير المجتمع"، عنوان الفعاليات التي جمعت أبطالاً مجهولين من خمس دول عربية هي: مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، بالإضافة إلى بريطانيا وأيرلندا الشمالية. مهدي علوي من المغرب حاصل على رسالة الماجستير في حوسبة القرارات. له سلسلة من مشروعات ريادة الأعمال في مجال تطبيقات المحمول والابتكار. أسس عدداً كبيراً من الشركات الناشئة. عبد الله التركي من ليبيا طالب في جامعة طرابلس وشارك في تأسيس ساحات فنية افتراضية تقدم الدعم المعلوماتي والتقني في المجالات الفنية. رانيا أيمن من مصر أسست "إنتربرينل" التي تعمل على سد الفجوة الاقتصادية بين الجنسين عبر تقديم الدعم التدريبي والتعليمي والمجتمعي لنساء ليبدأن مشروعاتهن الصغيرة. ليلى بن جاسم من تونس أسست فندق "دار بن جاسم" الصغير المحافظ على تراث المبنى بالإضافة لاعتمادها في العمالة على شباب وشابات لم يكملوا دراستهم المدرسية، لكن يحملون قدراً كبيراً من الأفكار الإبداعية. عمار خضراوي من الجزائر أسس شركة للاستشارات العاملة في ثلاثة مجالات: وضع استراتيجيات الأعمال وعمليات التحول، والتغيير لا سيما لتهيئة أجواء العمل المشروعات الناشئة وجعلها أكثر مواءمة لطبيعة البيئة. مارك مان من بريطانيا يرأس قسم جامعة أوكسفورد للابتكار حيث يساعد الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة ورواد الأعمال لتتمكن من التحول نحو نماذج أعمال مدرة للربح.

التغيير السياسي والربيع العربي

هؤلاء وغيرهم العشرات من الشباب والشابات وقلة من الأكبر سناً ألقوا أضواءً على مجال غير معروف لكثيرين. مدير المجلس الثقافي البريطاني في تونس السيد روبرت نس يقول إن الحديث في عام 2011 كان منصباً على التغيير السياسي، وذلك في أعقاب ما يعرف بـ"الربيع العربي". "لكننا الآن بصدد الحديث عن سبل لتفعيل التغيير التنموي وتحقيق الأهداف التنموية. المؤثرون والمؤثرات ورواد الأعمال المجتمعية والمبتكرون وغيرهم في القلب من التغيير التنموي الهادف إلى إحداث تطور حقيقي في المجتمعات".

ويبدو أن الجميع، في الغرب والشرق، أيقن أن التغيير المنشود في المجتمعات العربية لا يمكن إلقاؤه بالكامل على عاتق قلب أنظمة الحكم وإدخال الملايين على خط التعبير السياسي فقط.

بالأمس القريب ابتهج العالم بتلك الملايين التي باتت قادرة بدقة زر على التعبير السياسي على منصات التواصل الاجتماعي. لكن مع تحول هذه الدقات إلى غاية في حد ذاتها، أيقن البعض أن التعبير وحده لا يكفي، وأن المعارضة الافتراضية وحدها لا تفي بغرض الارتقاء بالمجتمعات وتوفير ما يمّكِن شبابها وشاباتها من تحقيق الطموحات.

الحديث في قاعات المؤتمر الرئيسة والفرعية وأروقته طغت عليه نبرة تحقيق الطموحات. الحاضرون والحاضرات تمكنوا من تحقيق جوانب عدة من طموحاتهم لا بدقة زر للتعبير السياسي والاعتراض فقط، ولكن بدقات متتالية على تطبيقات رقمية ومشروعات مجتمعية ومبادرات أعمال قادرة على تحقيق الشمول والاجتماعي والاقتصادي عبر تسخير التكنولوجيا.

الموت والضرائب والتغيير

حتى تسخير التكنولوجيا خضع لتحليل مثير للقلق من قبل وزير المالية التونسي السابق والضالع في مجال التكنولوجيا الرقمية السيد جلول عياد. فهو يرى أن الأشياء الثابتة التي لا ريب فيها في الحياة ليست فقط اثنتين كما يقال: الموت والضرائب، لكن يجب أن يضاف إليها التغيير. تحدث عياد عن القفزات الكبرى التي تنجزها التقنيات الرقمية، ومنها فوز الذكاء الصناعي للمرة الأولى ممثلاً في برنامج ابتكرته "غوغل" اسمه "ألفا غو" على بطل العالم في لعبة "غو" الصينية القديمة بالغة التعقيد التي تحتاج قدراً هائلاً من الذكاء. وأشار عياد كذلك إلى ما يجري رصده حالياً من نجاحات يشهدها الذكاء الصناعي، حيث بدأت الآلات في التعلم من بعضها البعض، "وهو ما سيؤدي حتماً إلى تغيرات كبرى في الإنسانية شئنا أو أبينا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مظاهر التطور المذهل للآلات، كما يشير عياد، ستؤدي إما إلى تفوق الذكاء الصناعي على البشري، ومن ثم هيمنة الآلات، أو سيؤدي ذلك إلى وضع حلول للجانب الأكبر من مشكلاتنا من إيجاد علاجات للأمراض القاتلة وابتداع وظائف وصقل أصحابها بالمهارات اللازمة والقضاء على الفقر وغيرها.

ويشير عياد منبهاً ومحذراً، "عموماً لدينا من المعضلات ما يستوجب تنبهنا السريع حيث بدأت شركات ومصانع كبرى المؤسسة خارج الحدود بغرض الاستفادة من الأيدي العاملة الكثيرة والرخيصة للعودة إلى بلدانها الأمن حيث الذكاء الصناعي بات قادراً على التصنيع بكميات أكثر وأرخص بفضل الذكاء الصناعي. وهذا يعني المزيد من ضياع الوظائف الآن وليس غداً".

خدمات مالية محمولة

وبينما الحضور غارق في القلق والرعب مما يحمله الغد، يذكر عياد ما قد يدعو إلى بعض من تفاؤل. كيينا التي نجحت نجاحاً مبهراً في تقديم الخدمات المالية عبر الهواتف المحمولة تقول للعالم العربي إن اللجوء إلى التقنيات الرقمية الجديدة لتقديم الخدمات المالية يحمل آمالاً عريضة لا سيما أن الدول العربية عامرة بشباب يتمتع بخبرات ومواهب جمة في مجال الحلول الإلكترونية، ناهيك عن وجود سوق ضخمة متمثلة في ملايين المستخدمين المتعطشين لهذه الخدمات التي توفر عليهم قطع مسافات طويلة ودفع أموال كثيرة للحصول على هذه الخدمات. حالياً يحصل الكينيون، بمن فيهم النساء في الأماكن الريفية البعيدة على الخدمات المالية من قروض وسداد أقساط وغيرها عبر الهواتف المحمولة.

لم يعد هناك مجال للشك بأن التكنولوجيا الرقمية باتت قادرة على الوصول إلى كل من لم يكن في متناول الاتصال من قبل. ريفيات في أماكن ريفية، متحدو إعاقة، مالكون لأفكار مبتكرة غير قادرين على تحويلها إلى أعمال حقيقية، أطفال في مناطق نائية غير قادرين على الالتحاق بمدرسة، تأهيل مراهقين اقترفوا جرائم صغرى وأقبلوا على المخدرات، تقديم الدعم الصحي والتشخيص لأشخاص غير قادرين على الحركة. كل هؤلاء وغيرهم باتوا في مرمى فوائد التطبيقات الذكية، لا سيما تلك التي تأخذ التأثير الاجتماعي المرجو بعين الاعتبار.

الثورة الصناعية الرابعة

عين اعتبار أخرى يجب الأخذ بها حين يتعلق الأمر بالتكنولوجيا الرقمية الحديثة وما بات يعرف بـ"الثورة الصناعية الرابعة". فالبعض يعتقد أن الرقمنة والأتمتة ستتربعان معا على عرض العالم لتسطرا كلمة النهاية أمام كل ما هو تقليدي. وهذا اعتقاد مخيف. تقول المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الثقافي البريطاني لشؤون المجتمع ميراندا ويليامسون أنها لا تتصور القيام بعملها دون أن تكون المعلومات متاحة بدقة زر أمامها، لكنها في الوقت نفسه تؤمن تماماً بأن الإفراط في الشيء ينقلب إلى الضد. فالتكنولوجيا قادرة على مد يد العون لكثيرين، وتيسير حياتهم، لكنها الإفراط فيها أيضاً يلحق الضرر بهم. "ليس من المعقول أن نتجاهل كم الوظائف التي ستختفي في السنوات القليلة المقبلة بسبب الإفراط في الأتمتة والرقمنة. والأكثر تعرضاً للمعاناة هم الأقل تعليماً. كما لا يعقل أن نتجاهل ما يتعرض له المراهقون والشباب من مشكلات عقلية ونفسية لفرط الإغراق في مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي، ناهيك عن تنامي حديث الكراهية والعنف على هذه المنصات". تضيف، "علينا أن نمد يد العون للمراهقين والشباب لتيسير حياتهم عبر التكنولوجيا وليس جعلها حياة أكثر صعوبة ومعاناة".

مراجعات تكنولوجية

ويمكن اعتبار "التكنولوجيا من أجل خير المجتمع" ضمن مراجعات عديدة ظهرت حديثاً لآثار الثورة الصناعية الرابعة أو الثورة الرقمية. الاستماع لخبرات عشرات الشباب الذين خاضوا مضمار ريادة الأعمال من بوابة التكنولوجيا الموجهة لمساعدة المجتمعات التي يعملون فيها من أفضل السبل لسد الفجوة بين المجتمعات التي تنعم بوجود مثل هذه المبادرات وتلك التي تفتقد لها. كما أن التشبيك بين مختلف هذه الأعمال الذي لا يلتزم بحدود جغرافية يتعداها عبر المنصات الإلكترونية يسهم في تبادل الخبرات وإيجاد الحلول المرتكزة على تجارب وليس نظريات.

نظرية المدرسة حيث يخضع الصغير للحفظ والتلقين ويدخل الامتحان ليسكب ما حفظه عن ظهر قلب على ورقة الإجابة ويخرج بعدها "يا مولاي كما خلقتني" حيث لا تعلم حقيقي أو مهارة حياتية باتت في مهب الريح.

رئيس مجلس إدارة "دايناميك ويب سولوشنز" الجزائري هشام مباركي يتحدث عن المدرسة المهنية والتعليم المهني في الجزائر وصورته المرتبطة بالفشل في التعليم العام، وهو ما يحاول تغييره عبر تعديل الصورة الذهنية المرتبطة به، بالإضافة إلى ابتكار تطبيقات على الهاتف تتيح للأهل متابعة أداء الأبناء والبنات في المدارس بأنواعها وسط انشغالات الحياة.

المدرسة وأسوارها

الحياة خارج أسوار المدرسة تختلف تماماً عن داخلها، ومن ثم فإن المطور الرقمي الليبي أحمد حسين، الذي يقود فريقين من الشباب صغير السن أحدهما لتطوير برامج الشبكة العنكبوتية، والآخر لتطوير تطبيقات المحمول يشير إلى أهمية مثل هذه البرامج لسد الفجوة بين مستوى خريجي الجامعات في ليبيا حيث لا تحظى بترتيب جيد بين جامعات العالم، وبين احتياجات سوق العمل. من جهة أخرى تتيح هذه التدريبات عبر الإنترنت الفرصة لأولئك الذين تقطعت بهم السبل بسبب الأوضاع الأمنية في ليبيا الوصول لأماكن التدريب فعلياً، أو الحصول على أوراق هوية للتقدم لشغل أعمال بصفة رسمية. وينبه بأن العديد من العائلات في جنوب ليبيا باتوا حالياً على قناعة بأن التعليم لا جدوى له، وهو ما يدق ناقوس خطر ويشير إلى حتمية تغيير طرق التعليم التقليدية.

اللغة العربية

وبعيداً عن طرق التعليم التقليدية التي ضربت تعلم اللغة العربية التي هي اللغة الأم في مقتل في العديد من الدول العربية، تتحدث اختصاصية الابتكار التعليمي ومستشار التعلم عبر العمل المصرية جيلان جمال الدين عن استخدام وسائل ومنصات تحفز على الابتكار لرفع مستوى تعلم طلاب المدارس للغة العربية، عبر برنامج "عقول صغيرة مفكرة". وتعتمد برامجها على إدماج سبل التعلم النشطة جنباً إلى جنب مع التتعليم التقليدي لتعظيم الفائدة واكتشاف المهارات المتفردة.

وفي السياق ذاته، يشير مدير وحدة الابتكار الرقمي في مؤسسة "التجارة الدولية والابتكار الاستشارية" في بريطانيا كوش بوباري إلى أن الأطفال لا يحتاجون إلى الجلوس في قاعات الدرس لساعات طويلة ليتم حشو أدمغتهم بمعلومات بغرض حفظها، بقدر ما يحتاجون تعلم كيفية تطبيق ما يتعلمونه في المدرسة في الحياة العملية. "هم يحتاجون دمج مهاراتهم بعد صقلها في العملية التعليمية وبعدها في الحياة العملية".

ويقول بوباري المتخصص في تحفيز المشروعات التكنولوجية الصغيرة لتتمكن من التوسع والنمو أن ابتكار برامج التعليم النابعة من سد احيتاجات معينة في الحياة العملية يثبت يوماً بعد يوم أنه الأنجح في التعليم. ويطرح مثالاً حياً عن برامج في بريطانيا لمحو أمية الكبار التقنية. يقول، "ليس المطلوب من كبار السن الاكتفاء بمعرفة استخدام الريموت كونترول، ولكن استخدام التقنيات المتاحة في مجال الخدمات المصرفية والصحية وأيضاً تحقيق دخل مادي لمن يرغب".

عنف ومخدرات

ولمن يرغب من المراهقين في أيرلندا الشمالية الذين انخرطوا في حلقة العنف والمخدرات، يتحدث المدير التنفيذي لجمعية "بايتس" الخيرية روجر وارنوك. يقول: "بايتس تلهم الصغار القادرين على إحداث التغيير للقيام لاختراق عالمهم طيلة حياتهم". وما يقصده وارنوك هو أن أولئك الصغار الذين توقفوا عن الذهاب للمدرسة أو لم يذهبوا لها من الأصل بسبب تردي الأوضاع في مناطق عدة في أيرلند الشمالية، وانخراطهم في عالم المخدرات الذين نشط كمجال عمل بديل للميليشيات المسلحة التي كانت منخرطة في أحداث العنف هناك يحتاجون طرقاً غير تقليدية لإعادة تأهيلهم للاندماج في الحياة.

تقوم "بايتس" باكتشاف مهارات ومواهب الصغار، وتحفزهم بطرق غير تقليدية لتنمية ما يملكون، عبر تطبيقات محمول وبرامج عنكبوتية بسيطة، بالإضافة إلى تدريبات عملية غير تقليدية. يقول: "نعلمهم أن يتحولوا إلى مؤثرين، ليس عبر مؤهلاتهم التعليمية والحياتية، ولكن من خلال مدهم بمنصات تساعدم على الابتكار والإبداع واستعادة الثقة في أنفسهم وتأمين دخول مادية، لا سيما أن نسبة البطالة في أيرلندا الشمالية تبلغ نحو 25%.

تشبيك من أجل المجتمع

مديرة المجلس الثقافي البريطاني في مصر السيدة إليزابيث هوايت وصاحبة الخبرة الطويلة في العمليات التعليمية في دول عدة تقول، إن الغرض من مؤتمر الحمامات ليس أن يكون فرصة لتوفيق أصحاب الأعمال والمصالح من أجل توليد المزيد من الأرباح المادية، لكنه فرصة لتبادل الخبرات وفرص التعليم غير التقليدية لتنمو المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال والشركات الناشئة لا سيما تلك التي تعمل في مجالات وبطرق تسهم في تحسين المجتمعات التي تعمل فيها. كما تشير إلى تبادل الخبرات في مجالات مهمة مثل سبل تجسير الفجوات التقنية بين الدول وفي داخل الدولة الواحدة، وكل ذلك بهدف تفعيل الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمجال الأعمال الصغيرة والناشئة في ظل الثورة التقنية والرقمية التي باتت حقيقة واقعة لا جدال فيها.