مهدي كريمة "دي جاي" انتفاضة طرابلس

وجد الفنان الشاب عند وصوله إلى ساحة النور تفاعلاً كبيراً من المتظاهرين

الفنان اللبناني مهدي كريمة في ساحة النور بطرابلس (اندبندنت عربية)

مهدي كريمة أو "دي جاي الثورة"، اسم يختصر النجاح وصناعة التغيير السلمي في مدينة طرابلس اللبنانية. كريمة على غرار كثيرين من الشبان الفاعلين في كواليس الانتفاضة الشعبية، تُدرَك أهميتهم عند المقارنة بين أشكال التعبير الراهنة وسابقاتها.

بدأت مغامرة Madi K في اليوم الثاني لانتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما خرج مع رفاقه إلى ساحة النور للمشاركة في التحركات الشعبية. وعلى غرار من تنضبط حياتهم على إيقاع الفن، وجد كريمة أن الموسيقى تضيف لمسة حياة، تزيح الرتابة عن الواقع المعاش. واندفع "الدي جاي" الطرابلسي بعفوية للتعبير عن مشاعر الشباب على طريقته الخاصة. ويروي أن كل شيء بدأ من بوست عبر إنستغرام، عندما نشر فيديو من إحدى حفلاته، كان مليئاً بالأضواء والألوان، داعياً من خلاله المتابعين إلى النزول إلى ساحة النور للتظاهر. 

وجد كريمة عند وصوله إلى الساحة تفاعلاً كبيراً من الناس. وعندها شعر داخلياً بأن هناك ضرورة لتغيير أساليب التعبير. وتناقش مع رفاقه حول إمكانية لعب الموسيقى في هذه الأجواء الصاخبة شعبياً. وعلى الرغم من معارضة البعض لقراره، أصر على خوض المغامرة الجنونية. وعند حلول المغيب، طلب من معاونيه إحضار لوح الدي جاي وتركيب مكبرات الصوت في إحدى جهات الساحة.

اتخذ تحدي كريمة للذات والمحيط بُعداً وطنياً. ويؤكد أن هدفه يتجاوز إدخال المتعة لقلوب الحاضرين، إلى إشعارهم بأنهم أقوياء ويمكنهم الاستمرار في نضالهم على الأرض.

انتفاضة سلمية وأكثر

ومع مرور الأسبوع الأول للانتفاضة، تربّعت طرابلس على العرش. وأسهم كريمة في تجديد القالب الذي تتم فيه التحركات الشعبية اللبنانية. ففي الماضي، اعتاد الناس على بعض الأساليب الرتيبة وأحياناً الضارة، إذ كانت تبدأ بإحراق الدواليب، وتصل إلى التحطيم والصدام مع القوى الأمنية والعسكرية، إلّا أن المفارقة الطرابلسية، كانت في دفع الانتفاضة نحو السلمية، وتكريس صورة الوحدة.

تمكّن كريمة من تقديم عروض مبهرة، تشغل الحواس الخمس وتُحاكي العقل. فهو ضبط إيقاع الأغاني الثورية على وقع مطالب المعتصمين وحناجرهم، مع تفاعل أضواء الهاتف وألوان العلم اللبناني التي ازدانت بها الساحة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وانعكست هذه التجربة على مضمون الأغاني والموسيقى التي لعبها كريمة. فهي لا تقتصر على نمط ثوري معيّن، إنما تجاوزها إلى أغان شعبية يتفاعل معها جيل الشباب، ويفهمها جيداً. ويقول كريمة إنه كان بين خيارين، إما بث متكرر لأغاني الفنانين الثوريين، التي لا تتجاوز أصابع اليدين، أو دمجها مع قوالب موسيقية حديثة. وقد قرر الانحياز إلى التجديد والإبداع، وهو أمرٌ لمس نجاحه وصداه في كل الساحات وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

أعطى كريمة أهمية كبيرة للضوء، لأنه يعكس صورة جميلة عن انتفاضة الشعب اللبناني، في قوله إن هؤلاء الشباب يمكنهم تغيير الواقع بكبسة زر واحدة. ومع مرور الأيام، وُلد تفاعل بينه والمتظاهرين، فأصبحوا يشغّلون فلاش الكاميرا بما يناسب Beat الأغنية. 

الساحات

أوصل كريمة صورة حقيقية عن طرابلس بعيداً من ماضٍ شوهته الانقسامات السياسية والطائفية. لذلك، استثمر في الموسيقى، وهي اللغة التي يفهمها جميع البشر. وبعد فيديو تظاهرة الأنوار في طرابلس، بدأت الساحات الأخرى تستنسخ هذه التجربة التي أصبحت تراند الانتفاضة، لأنها تدمج بين الموسيقى والأضواء. ويتوقع كريمة مزيداً من الانتشار لهذا الأسلوب في لبنان والخارج، لأن التعبير السلمي هو غاية في القوة والفاعلية.

لم يقتصر نجاح "دي جاي الثورة" على طرابلس، إنما حمل فنه وثقافته إلى مختلف المناطق اللبنانية، وقدّم عرضاً بديعاً مساء الأحد 10 نوفمبر (تشرين الثاني)، أضاء خلاله ساحة الشهداء، قبل أن يكمل مشواره، ونقل رسالة السلام من طرابلس إلى البقاع  والمناطق اللبنانية كافة.

مموّل الانتفاضة

 لم يندفع كريمة إلى ساحة النور سعياً وراء الشهرة أو المال، إنما جاءت الشهرة بصورة تلقائية كرد فعل وتقدير لجهده. كما أنه معروف على نطاق واسع في الشمال، وينتمي إلى عائلة ميسورة، ووالده الرسام التشكيلي عمر كريمة. لذلك، يستهجن الكلام الذي يتهم الانتفاضة بأنها تُمَوَّل من السفارات، وينطلق من تجربته الذاتية، ليجزم بأنه لم يتقاضَ أي أجر لقاء عروضه الموسيقية. كما أنه استأجر في اليومين الأولين التجهيزات الصوتية على نفقته الخاصة، ومن ثم تولّى المنظمون مهمة تأمينها.

المزيد من العالم العربي