ماذا ربحت عَمّان وخسرت تل أبيب في الغمر والباقورة؟

تمثلان للأردن أهمية اقتصادية ودولية... والمزارعون الإسرائيليون يفقدون مصدر دخلهم الوحيد

بعد 25 من حق إسرائيل التصرف بها بموجب ملحقات اتفاقية السلام الموقعة مع الأردن في عام 1994، عادت اليوم الأحد السيادة الأردنية الكاملة على أراضي الباقورة والغمر التي استأجرتها إسرائيل على طول الحدود المشتركة.

وعلى الرغم من المحاولات الإسرائيلية لإبقاء الوضع كما هو عليه عبر إعادة التفاوض مع عمان بشأنهما، فإن تصاعد المطالبات الأردنية على المستويين السياسي والنيابي، دفعت العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني للإصرار على موقفه استعادة أراضي الباقورة الواقعة شرق نقطة التقاء نهري الأردن واليرموك في محافظة إربد (شمال)، والغمر في منطقة وادي عربة بمحافظة العقبة (جنوب) من الوصاية الإسرائيلية.

وخلال العقدين ونيف السابقين، خضعت هاتين البقعتين الجغرافيتين لنصوص ملحقات اتفاقيّة السلام الموقّعة في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1994 والمعروفة باتفاقية "وادي عربة" (صحراء أردنية محاذية لفلسطين التاريخية)، تمّ بموجبها إعطاء حقّ التصرّف لإسرائيل بها لمدة 25 عاماً، على أن يتجدّد ذلك تلقائياً في حال لم تبلغ الحكومة الأردنية الدولة العبرية برغبتها في استعادة هذه الاراضي قبل عام من انتهاء المدة، وهو ما فعلته الأردن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أهمية الغمر والباقورة للأردن

وفق مراقبين، تشكل أهمية الباقورة (مساحتها نحو 6 كيلو مترات) التي سيطرت عليها إسرائيل بعد توغل قواتها داخل أراضي الأردن عام 1950، والغمر (مساحتها نحو 4 كيلو مترات) التي سيطرت عليها بعد حرب الأيام الستة في يونيو (حزيران) 1967، أهمية استراتيجية واقتصادية للأردن، حيث تشكل الأولى نقطة التقاء نهر الأردن مع نهر اليرموك في محافظة إربد (شمال). وتقدر مساحتها الإجمالية بحوالي ستة آلاف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع)، فيما تمثل المنطقة الثانية الواقعة في محافظة العقبة جنوب البحر الميت وتبلغ مساحتها حوالي أربعة آلاف دونم، منطقة يمكن الاستفادة منها على المستوى الاقتصادي محلياً ودوليا حال توفير البيئة والخدمات المناسبة.

وأجّرت عمان المنطقتين بموجب ملحقين ضمن اتفاقية السلام التي أنهت رسميا عقودا من حالة الحرب مع إسرائيل، مع اعتراف الأخيرة بسيادة الأردن عليها. ونص الملحقان في البند السادس منهما على تأجير المنطقين لمدة 25 سنة من تاريخ دخول معاهدة السلام حيز التنفيذ. كما نصا على تجديد الإيجار تلقائيا لمدة مماثلة، ما لم يُخطر أي الطرفين الآخر بإنهاء العمل بالملحقين قبل سنة من تاريخ التجديد.

وفي معاهدة السلام تأكدت السيادة الأردنية على المنطقة بينما احتفظ الإسرائيليون بالملكية الخاصة للأرض والبنود الخاصة التي تسمح بحرية التنقل.

وقرر ملك الأردن عبد الله الثاني العام الماضي استعادة هذه الأراضي. وفي 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2018 أبلغ الأردن الحكومة الإسرائيلية أن الأردن قرر عدم تجديد عقد تأجير أراضي الباقورة والغمر.

ووفقما نقلت القناة 13 الإسرائيلية، فإنه خلال الشهور الأخيرة رفضت عمان طلبا إسرائيليا بتمديد فترة التأجير ستة أشهر إضافية عن الموعد النهائي لعودتهما للوطن الأم، مشيرة إلى أن الرفض جاء خلال لقاء جمع بين وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ومستشار الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شابات خلال اجتماع عقد بالعاصمة الأردنية.

وينظر إلى إصرار الأردن على استرداد تلك البقعتين بأنه رد على تزايد الغضب الشعبي من ارتفاع معدلات البطالة والتضخم والفقر. وجاء هذا الإعلان بعد سلسلة من التظاهرات التي نظمها نواب وأحزاب سياسية ونقابات ونشطاء للمطالبة باستعادة الغمر والباقورة.

والأردن واحد من دولتين عربيتين فقط أبرمتا اتفاق سلام مع إسرائيل وربط البلدين تاريخ طويل من العلاقات الأمنية الوثيقة. غير أن المعاهدة لا تحظى بالقبول على المستوى الشعبي في الأردن حيث ينتشر التأييد للفلسطينيين على نطاق واسع.

 

 

ماذا خسرت إسرائيل؟

تعد أبرز الخسائر الإسرائيلية بعد الغمر والباقورة إلى الأردن، هي تلك المتعلقة بمستقبل المزارعين الإسرائيليين الذين فقدوا مصدر دخلهم الرئيس القائم على الزراعة في تلك المنطقة، إذ تم اليوم إغلاق البوابة الصفراء المؤدية إلى جسر فوق النهر الفاصل بين البلدين، يسلكه المزارعون الإسرائيليون للدخول إلى الباقورة.

وقالت القناة الإسرائيلية رقم 13 إن المزارعين الإسرائيليين بالمنطقتين تلقوا رسائل من السلطات الإسرائيلية بأنه سيمنع عليهم دخول المنطقتين بدءا من الأحد. ونشرت القناة مقطع فيديو يظهر مغادرة إسرائيليين أراضي الباقورة. كما نشرت القناة الإسرائيلية مقطعا يظهر مستوطنين في "زيارة وداعية" للباقورة.

وبحسب رئيس المجلس الإقليمي الإسرائيلي لوادي الأردن إيدان جرينباوم حيث توجد أراضي الباقورة والغمر فإن "المسؤولين الأردنيين أخبروه أنه اعتبار من منتصف ليل السبت الأحد، سيمنع الدخول لهذه الأراضي". وقال جرينباوم إنه منذ إعلان الملك عبد الله في أكتوبر (تشرين الأول)، "كانت هناك فرص كافية لتغيير المرسوم ولكن للأسف لم يحدث ذلك".

وأضاف "إن التغيير سيؤثر على تجمعين زراعيين وأفرادهما كانوا يعملون في هذه الأراضي منذ سبعين عاما ويشعرون أن إسرائيل قد تخلت عنها". وقال عن الباقورة والغمر التي يطلق عليها "نهاراييم" بالعبرية "من المؤسف للغاية أن هذه هي الطريقة التي نغادر بها واحة السلام".

ونهاراييم كلمة عبرية معناها "نهران" وتقع هذه المنطقة عند ملتقى نهري اليرموك والأردن. ويقول إسرائيليون إن هناك ما يثبت حقوق ملكية خاصة في المنطقة ترجع إلى عشرينيات القرن العشرين حينما كانت المنطقة جزءا من فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

ونقل تقرير لوكالة رويترز عن أحد المزارعين الإسرائيليين في الباقورة، ويدعي إيلي أرازي، 74 عاما، الذي تتولى المزرعة الجماعية التي ينتمي لها زراعة إحدى قطعتي الأرض قوله، "كان الأمر أشبه بلكمة في الوجه". وقال أرازي "إن مزرعته الجماعية، أو الكيبوتز، واسمها اشدوت يعقوب ميوهاد تزرع محاصيل في المنطقة منذ 70 عاما من بينها الزيتون والموز والأفوكادو".

 

 

ووفقما نقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، عن إيتان غيدج المسؤول عن قرية الغمر من المسؤول منذ 13 عاما، إن "نحو 30 مزارعا إسرائيليا و150 عاملا تايلانديا كانوا يكسبون عيشهم من زراعة 1500 دونم في جيب الصحراوي خلف تلة تطل على قرية تسوفار الإسرائيلية (محازية للغمر)".

وذكر غيدج، "شعرنا وكأننا في وطننا، وفوجئنا بأنه لم يعد مرحبا بنا"، لافتا إلى أن نحو ثلث سكان القرية البالغ عددهم أقل من 100 شخص يعيشون من الزراعة، ومن دون وجود ممر إلى الغمر يصبح بقاء تسوفار (القرية الإسرائيلية المحازية) موضع شك.

وفي وقت سابق قال وزير الزراعة الإسرائيلي أوري أرييل إن انتهاء العمل بالاتفاق الخاص بالأرض جاء في وقت بلغت فيه العلاقات الإسرائيلية الأردنية نقطة متدنية. وقال لرويترز "لسنا في شهر عسل. بل في فترة من الشجار المستمر".

وقال أرييل إنه كان على الحكومة أن تتحرك في وقت سابق لمحاولة إقناع الأردن بتمديد العمل بالاتفاق والسماح للمزارعين بزراعة الأرض.

المزيد من سياسة