مدينة لبنانية من رهينة التطرف إلى قبلة التظاهرات

كانت طرابلس في ما مضى مثالاً على التناحر الطائفي الذي ينخر البلاد وأصبحت الآن تتنافس مع غيرها من المدن على لقب عاصمة التظاهرات، برأي ريتشادر هول

تتداخل أصوات الطبول والألعاب النارية والهتافات في سماء ساحة طرابلس الرئيسية ويطغى عليها صوت الموسيقى. ثمّ تخفت الموسيقى ويدوّي صوت الحشد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تكرر هذا المشهد هنا كل ليلة من هذا الأسبوع. توافد عشرات الآلاف من الأشخاص إلى شوارع ثاني أكبر المدن اللبنانية مطالبين بإسقاط الحكومة، وأعداد المتظاهرين إلى ارتفاع.

وفيما عمّت التظاهرات كافة أرجاء البلاد، تنافس طرابلس باقي المدن على لقب عاصمة التظاهرات.

وبالنسبة لهذه المدينة التي طالما عانت من الإهمال والإنتقاد، شكّلت هذه الانتفاضة مناسبة لتظهر وجهها الحقيقي بقدر ما كانت مناسبة للتظاهر. فطوال سنوات، إلتصق بطرابلس صيت العنف والتطرّف وغالباً ما استعملت المدينة كمثال على الطائفية التي ألمّت بالبلاد.

ربما يبدو من الخارج أنّ المدينة عرفت تغيّراً جذرياً لكن بالنسبة لقاطنيها لا تروي هذه التظاهرات قصة تغيير بل هي قصة مدينة تظهر وجهها الحقيقي للعالم.

ويقول بدر الصفدي، مصوّر البورتريه البالغ من العمر 53 عاماً "لطالما أثارت أقلية من الناس كل المشاكل. فيما حاول معظم الناس أن يعيشوا حياتهم ببساطة. أنا متفائل بطبعي، ولطالما اعتقدت أن الناس سيتحدون. كانوا بحاجة لسبب فقط".

ففي طرابلس، هذه المدينة الساحلية من شمال لبنان التي تضم 700 ألف نسمة، تتوفر الكثير من هذه الأسباب. إندلعت احتجاجات حاشدة على امتداد البلاد الأسبوع الماضي بعد إعلان الحكومة عن فرضها ضريبة على خدمة المراسلة الشعبية "واتس آب"، قبل أن تسارع إلى إلغاء هذا الاقتراح. لكن الأسباب الأعمق للتظاهرات تتراكم منذ سنوات.

فبعد عقود من انتشار الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية من جانب الزعماء اللبنانيين، وصل البلد إلى حافة الإنهيار المالي. وهو من أكثر البلدان مديونية والوظائف فيه شحيحة والأسعار في ارتفاع والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء لا تتوفر سوى بشكل متقطّع.

وتزيد حدّة هذه الأسباب الضمنية للتظاهرات في طرابلس عما هي عليها في غيرها من المناطق. فالمدينة تقع في أفقر مناطق لبنان- ويعاني نحو 57 في المئة من سكانها من الفقر. وفي أكثر ضواحيها حرماناً، تطال البطالة ثلثي السكان تقريباً.

وتقول رين شركس، الصحافية الرياضية التي تشارك كل يوم في التظاهرات "اختفت الطبقة الوسطى في طرابلس كلياً. والأجور هنا متدنية جداً مقارنة بباقي البلد. كما ندفع فاتورتيّ كهرباء ومياه وليس لدينا خدمات اجتماعية. ومعظم العائلات عاجزة عن تأمين القوت والتعليم والرعاية الصحية لأفرادها". والناس هنا مرهقون".  

ويخاف الشبان الذين يشبّون في المدينة ويشكّلون القسم الأكبر من المتظاهرين في الساحة، من عدم عثورهم على وظيفة بعد انتهاء المدرسة.

ويقول كريم شليلات، طالب تكنولوجيا المعلومات فيما يراقب التظاهرات من مبنى مهجور يطل على الساحة "الجميع هنا فقير. ويبحث الناس عن عمل كل يوم بلا جدوى. ويبدو لنا أنّ السياسيين يساعدون بعضهم بعضاً لكنهم لا يساعدون الفقراء. أريد أن يرحل السياسيون وأن يكون لدينا مسؤولون جدد نستطيع الثقة بهم".

وتفاقمت متاعب المدينة بسبب سنوات من العنف الطائفي. فحتى العام 2014، شهدت المدينة اشتباكات مسلّحة متكررة بين سكان منطقة باب التبانة من السنّة وسكان جبل محسن المجاور من العلويين.

 وجاء اندلاع الحرب الأهلية السورية وراء الحدود القريبة ليضاعف هذه التوترات ويزيد نسبة الانخراط في القتال الإسلامي. وتوافد المسلحون في السابق إلى الساحة نفسها التي تجمع اليوم عشرات الآلاف من الأشخاص.

واكتسبت طرابلس بسبب أعمال العنف هذه سمعة جهدت لكي تتخلص منها.

برأي مريم القطب، مصممة الغرافيك البالغة من العمر 26 عاماً "أعتقد أن الناس كوّنوا فكرة خاطئة عن طرابلس بسبب وسائل الإعلام. لأنها لا تظهر سوى الحرب". 

وتضيف "كثيرون لا يجرأون على القدوم إلى هنا لكي يروا الوضع بأمّ أعينهم".  

وكل هذا يفسّر لماذا لفتت التظاهرات الموسيقية الصاخبة والحاشدة في المدينة انتباه الكثير من اللبنانيين. كما انتشر فيديو عن "تظاهرة احتفالية" في وسط طرابلس عبر العالم في وقت سابق من هذا الأسبوع. ونُقل عن أحد المتظاهرين في احتجاج خارج بيروت قوله "إذا أردتم التظاهر بحقّ عليكم الذهاب إلى طرابلس".

وعلّقت لينا الخطيب، وهي مواطنة لبنانية ومديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مركز تشاتام هاوس للأبحاث بقولها "أثارت مشاهد طرابلس الكثير من العواطف لأنّ كثيرين اعتبروا المدينة معقلاً للتطرف السنّي".

"وتفاجأ الكثيرون باحتشاد سكان طرابلس السلمي والفرِح وهتافاتهم المتضامنة مع مواطنيهم اللبنانيين في الضواحي الجنوبية لبيروت التي ذاع صيتها جوراً وظلماً بأنها معقل التطرف الشيعي، لكن هذا المشهد هو من أقوى التعابير عن موقف المجتمع اللبناني ضدّ الانقسامات الطائفية".

وكان الجيش اللبناني شن حملة عسكرية ضد مسلّحي المدينة في 2014 فوضع حداً للاقتتال لكن مشاكل المدينة لم تنتهِ عندها. وعلى الرغم من حاجتها الماسّة إلى إعادة الإعمار والاستثمار، عانت طرابلس من الإهمال من جانب الحكومة في بيروت وحتى من جانب زعمائها. وتكرر غير مرة فشل المشاريع الإنمائية الكبيرة في الانطلاق بعد أن أُعلن عنها في احتفالات رنّانة.

ويتابع المصوّر، الصفدي فيقول "أنظر إلى كل الوعود التي قطعوها حول طرابلس ولم يتحقق منها شيء. لا يعطينا السياسيون سوى الكلام. لا يستطيعون أن يقدّموا لنا أي شيء آخر. لا تختلف مدينتنا عن بعلبك أو صور أو أية مدينة لبنانية أخرى".

وخرجت الأزمة المالية في لبنان عن السيطرة خلال الأشهر القليلة الماضية. وأثارت المخاوف جرّاء النقص في احتياطي الدولار الذعر في قلوب التجار في كافة أرجاء البلاد. كما أقفلت محطات الوقود احتجاجاً على ارتفاع معدل صرف الليرة مقابل الدولار وحذّرت المخابز من عدم قدرتها على الصمود والاستمرار.

أما في طرابلس التي يعيش سكانها على الحافة بالفعل، فكان وقع الأزمة مدمّراً. وبعد الإعلان عن الضريبة على تطبيق "واتس آب"، خرج الناس إلى الشوارع داخل المدينة وفي عموم البلاد. وحتى بعد التراجع عن الضريبة تعاظم حجم التظاهرات وكبر.

وكانت الاضطرابات السابقة في لبنان وثيقة الصلة بمصالح الاحزاب السياسية. لكن المتظاهرين يطالبون هذه المرة بتغيير كامل للنظام السياسي في البلاد وبوضع حد للنظام الطائفي والأحزاب السياسية التي تعود إلى الحرب الأهلية والمتشبثة بالسلطة من خلال الزبائنية والغش الانتخابي.

وفي كافة المناطق اللبنانية، يعبّر المحتجون عن غضبهم إزاء فشل زعماء الأحزاب. ويسود على الطرقات هتاف واحد هو "كلّن يعني كلّن". لكن طرابلس عانت من خذلان أكبر على يد سياسييها من المدن الأخرى بسبب نسيجها السياسي الفريد.

وترى رندا سليم، كبيرة الباحثين ومديرة قسم حلّ النزاعات في معهد الشرق الأوسط  أن " رؤساء الوزراء المتلاحقين، وبعضهم من الطرابلسيين، والنواب، اعتبروا المدينة من المسلّمات. فخلافاً لغير مناطق في لبنان، تشتد المنافسة السياسية في طرابلس: ولا يستطيع أي حزب أو زعيم بعينه الإدعاء بالسيطرة على الساحة السياسية في المدينة. ولأنّهم يستطيعون تحميل أطرافٍ أخرى مسؤولية فشلهم، لا يمكن تركيز اللوم على طرف واحد فقط".

ونجحت هذه الاستراتيجية عندما كانت الأطراف السياسية تتجاذب المدينة لكن الأمور في طرابلس اتجهت ببطء نحو التغيير على امتداد السنوات الأخيرة، كما تغيرت في باقي البلد أيضاً. وعندما بدأت الأزمة الحالية وعجز زعماء المدينة عن المساعدة، وقع الشقاق.

وتؤكد القطب، مصممة الغرافيك "لم أتفاجأ عندما رأيت الناس في الشوارع لأنني انتظرت هذا الحدث. فكل الأوضاع كانت سيئة لذا انفجرت نوعاً ما".

"حاولت الكثير من الأحزاب السياسية أن تبقي طرابلس على حالها المتردية لأنهم درجوا على استغلال سكان هذه المدينة في الانتخابات".

"ما يحصل الآن درسٌ لهم. عندما يجوع الناس، يصبحون جاهزين للنضال".

© The Independent

المزيد من الشرق الأوسط