ميناء "أم قصر" يشهد أعنف التظاهرات في البصرة

بومبيو يدعو الحكومة للاستماع الى "مطالب الشعب"... والسيستاني يرفض التدخلات الخارجية

استمرّت التظاهرات اليوم السبت في عدد من المناطق العراقية، لاسيما في محافظة البصرة حيث احتشد المحتجون أمام بوابة ميناء أم قصر النفطي وأغلقوا كل الطرق المؤدية إليه، بعدما واجهتهم قوى مكافحة الشغب الليلة الماضية بالذخيرة الحية وقنابل الغاز المسيل للدموع، ما أدّى إلى سقوط 120 جريحاً وفق مفوضية حقوق الإنسان العراقية. وأحرق المحتجون الإطارات وأقاموا حواجز خرسانية لغضبهم من سعي قوات مكافحة الشغب لتفريقهم بالقوة.

وتوقّفت عمليات الميناء الرئيسي المطلّ على الخليج تماماً منذ يوم الأربعاء الماضي، بعدما أغلق المحتجون مدخله للمرة الأولى يوم الثلاثاء. ويستقبل "أم قصر" واردات الحبوب والزيوت النباتية وشحنات السكر، التي تغذي البلد الذي يعتمد إلى حد كبير على الأغذية المستوردة. ومُنعت شاحنات تحمل بضائع من الدخول أو الخروج من الميناء، وقال مسؤولون فيه إن بعض خطوط الشحن العالمية أوقفت عملياتها بسبب الإغلاق.

وجاءت تحرّكات السبت غداة موجة عنف جديدة بين القوات الأمنية والمتظاهرين شهدتها العاصمة العراقية ليل الجمعة السبت، إذ أصيب العشرات بجروح خلال مواجهات على جسر الجمهورية الذي يصل ساحة التحرير بالمنطقة الخضراء، وجسر السنك الموازي له، وفق ما ذكرت مصادر طبية لوكالة الصحافة الفرنسية.

وفي موقف لعله الأبرز دولياً حتى الآن من التظاهرات الشعبية المطالِبة بالقضاء على الفساد في العراق، رأى وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في تغريدة على حسابه في "تويتر" أنه "يجب على الحكومة العراقية أن تستمع إلى المطالب المحقة للشعب العراقي الذي نزل إلى الشوارع لإسماع صوته". وعبّر بومبيو عن دعم الولايات المتحدة لمطالب الشعب العراقي "بتطبيق صادق لمبادئ المحاسبة والعدالة".

وكان وزير الخارجية الأميركي دعا في بيان صدر الجمعة، الحكومة العراقية إلى "الإصغاء للمطالب المشروعة" للمتظاهرين وإلى تخفيف القيود التي فُرضت في الآونة الأخيرة على الإعلام وحرية التعبير، قائلاً إن الولايات المتحدة ترحّب بأي جهود جادة من العراق للتصدي للمشكلات التي يعاني منها المجتمع. وانتقد بومبيو كذلك التحقيق الذي أجرته السلطات في بغداد حول أعمال العنف الدامية التي تخلّلت التظاهرات، معتبراً أنها "تفتقر إلى الصدقية الضرورية"، ومؤكداً أن "العراقيين يستحقون العدالة وأن تتم محاسبة المسؤولين فعلياً".

تظاهرات الجمعة

وكان عشرات آلاف المتظاهرين احتشدوا في وسط بغداد، الجمعة 1 نوفمبر (تشرين الثاني) في إحدى أكبر تظاهرات الاحتجاج المناهضة للحكومة العراقية منذ سقوط صدام حسين، والتي راح ضحيتها نحو 250 شخصاً على مدار شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، للمطالبة باستئصال النخبة السياسية الحاكمة منذ عام 2003، فيما رفض المرجع الشيعي الأعلى في البلاد علي السيستاني أن يفرض "أي طرف إقليمي أو دولي" رأيه على العراقيين.  

وفي خطبته الأسبوعية في كربلاء، حذّر ممثل السيستاني السيد أحمد الصافي من "الاقتتال الداخلي والفوضى والخراب" إذا شنّت قوات الأمن أو الفصائل شبه العسكرية حملة على الاحتجاجات. وأيّد في ما يبدو المحتجين الذين يقولون إن الحكومة يتم التلاعب بها من الخارج، لا سيما من إيران. 

وقال الصافي إن التغيير "موكول إلى اختيار الشعب العراقي... وليس لأي شخص أو مجموعة أو جهة بتوجّه معين، أو أي طرف إقليمي أو دولي أن يصادر إرادة العراقيين في ذلك ويفرض رأيه عليهم".

 

 

التدخّل الإيراني

ويبدو أن السيستاني أشار في كلامه إلى المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي، الذي تحدّث الأربعاء عن وجود "مخططات من الأعداء لإثارة الفوضى وتقويض الأمن في بعض دول المنطقة". ولفت انتباه "الحريصين على مصلحة العراق ولبنان... إلى أن الأولوية الرئيسية هي معالجة اضطراب الأمن".

ولمّح السيستاني إلى مساعي رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر الذي يتهمه البعض بمحاولة "ركوب" موجة التظاهرات، وإلى القيادي في الحشد الشعبي المدعوم من إيران هادي العامري، الذي أشارت مصادر لوكالة "رويترز" هذا الأسبوع إلى أنه تراجع عن مطلبه باستقالة عبد المهدي بعد اجتماع سري الأربعاء حضره قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، وفق ما أكّد مسؤول أمني إيراني قائلاً إنه كان هناك "لتقديم المشورة".

عشرات المصابين خلال ساعات الليل والصباح

وتسارعت أخيراً وتيرة الاحتجاجات التي اجتذبت حشوداً ضخمة من مختلف الطوائف والأعراق في العراق، على الرغم من الإجراءات الأمنية المشدّدة. ونصب الآلاف خياماً في ساحة التحرير في وسط بغداد وانضم إليهم آلاف آخرون منذ الصباح، وسط توقّعات بأن تشهد البلاد أكبر حشد من المتظاهرين حتى الآن مع خروج الكثيرين إلى الشوارع بعد صلاة الجمعة.

وقالت مصادر في الشرطة والمستشفيات إن أكثر من 103 أشخاص على الأقل أصيبوا خلال الليل وصباح الجمعة بعدما استخدمت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ضدّ متظاهرين، توفي من بينهم خمسة أشخاص. وبحلول الظهيرة، كان المئات يتحركون في مسيرة إلى الساحة من الشوارع الجانبية، مندّدين بالنخب التي يرونها فاسدة تأتمر من القوى الأجنبية ويحمّلونها المسؤولية عن تردّي أوضاع المعيشة.

واتّصفت الاحتجاجات في الأيام الأخيرة بالسلمية نسبياً خلال النهار، مع انضمام كبار السن والأسر الشابة إليها، قبل أن تتّخذ طابعاً أكثر عنفاً بعد حلول الظلام حين تستخدم الشرطة الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية للتصدي للشبان الذين يسمّون أنفسهم بالـ"ثوريين".

"العفو": لإيقاف استخدام القنابل غير المسبوقة

وفي وقت سابق الخميس، قالت منظمة العفو الدولية إن خمسة متظاهرين قُتِلوا في بغداد بقنابل مسيلة للدّموع "اخترقت جماجمهم"، داعيةً العراق إلى إيقاف استخدام هذا النوع "غير المسبوق" من القنابل التي يبلغ وزنها 10 أضعاف وزن عبوات الغاز المسيل للدموع التي تُستخدم بالعادة. وأضافت المنظمة أن هذه القنابل المصنوعة ببلغاريا وصربيا "تهدف إلى قتل وليس إلى تفريق" المتظاهرين.

وتُظهر مقاطع فيديو صوّرها ناشطون، رجالاً ممدّدين أرضاً وقد اخترقت قنابل جماجمهم، في وقت كان دخان ينبعث من أنوفهم وعيونهم ورؤوسهم. كما تُظهر صوَر أشعّة طبّية قالت منظمة العفو إنها تأكّدت منها، قنابل اخترقت بالكامل جماجم أولئك المتظاهرين القتلى.

الساحة "نموذجاً"

وفيما ينضمّ وافدون جدد إلى المعتصمين الذين خيموا خلال الليل في العاصمة ليقدموا لهم المساعدة، أقام متظاهرون نقاط تفتيش في الشوارع المؤدية إلى ساحة التحرير ومحيطها لإعادة توجيه حركة المرور، وتحرّكت مجموعة من الشباب في الشوارع "لجعل الأمور مريحة" لغيرها من المحتجين.

وفي هذا الصدد، قال المهندس محمد نجم العاطل من العمل إن الساحة أصبحت نموذجاً للبلد الذي يأمل هو ورفاقه في بنائه، مضيفاً "نقوم بتنظيف الشوارع، والبعض الآخر يجلب لنا المياه ويمدّنا بالكهرباء... الساحة دولة صغيرة. الخدمات الصحية بالمجان والنقل مجاناً بواسطة التوكتوك... هذه الدولة كانت موجودة منذ 16 عاماً وما فشلت في القيام به أنجزناه في سبعة أيام في التحرير. إذا لم يكن باستطاعتهم القيام بذلك فعليهم أن يرحلوا".

ويغني كثيرون عن الاعتصام في الوقت الذي أصبحت الخوذ والأقنعة الواقية من الغاز مشهداً عادياً. وجلست مجموعة من النساء في منتصف العمر يصنعن شطائر الفلافل. وقالت أم إدريس، وهي أم لثلاثة خريجين جامعيين فشلوا جميعاً في العثور على وظائف، "نعد الطعام للمتظاهرين. إنهم أبناؤنا وإخواننا... نحن هنا كل يوم حتى يسقط النظام".

 

الحكومة تقمع وتفشل

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من الثروة النفطية الهائلة للعراق العضو في منظّمة "أوبك"، يعيش كثير من العراقيين في فقر أو يفتقرون لسبل الحصول على المياه النظيفة والكهرباء والرعاية الصحية الأساسية والتعليم، ويقود الاحتجاجات شبان يريدون وظائف قبل كل شيء.

وفشلت حكومة عبد المهدي، التي تولت السلطة منذ عام، في الاستجابة للاحتجاجات. ولم تسهم حملة الشرطة لقمع الاحتجاجات عبر إطلاق النار على الحشود من فوق أسطح المنازل، سوى في تأجيج غضب المحتجين. 

ويرى كثيرون أن الطبقة السياسية في البلاد تخضع إمّا للولايات المتحدة أو لإيران أو لكليهما. ورأى أمير، الحلاق البالغ من العمر 26 سنة، أن "القيادة تحت سيطرة إيران. عندما نتقدّم بمطالب يجب ألا نتحدث مع الحكومة بل يجب أن نتحدث مع إيران. ليست لدينا حكومة".

الإطاحة بالـ"فاسدين"

وليل الخميس، بعد وقت قصير من كلمة ألقاها رئيس الجمهورية برهم صالح واقترح خلالها إجراء انتخابات مبكرة قائلاً، إن عبد المهدي مستعدّ للاستقالة إذا اتفقت الكتل الرئيسية في البرلمان على بديل، نظّم الحشد الشعبي تظاهرة سيارة في شوارع بغداد حُملت خلالها أعلام بيضاء، ما جعل المحتجين يخشون بداية حركة تعارضهم.

إلى ذلك، يعتبر المحتجون أن استقالة عبد المهدي غير كافية، لأنهم يريدون إلغاء النظام السياسي الذي ساد بعد صدام بأكمله والذي يوزّع السلطة بين أحزاب طائفية، الأمر الذي لا يعطيهم حافزاً كافياً للإصلاح.

وفي هذا السياق، قال أمير "لا نريد الإطاحة بعادل عبد المهدي فحسب بل وكل الفاسدين. فماذا لو استقال؟ ماذا سيحدث؟ سيأتون بشخص أسوأ... هذا ليس كافياً. ماذا عن الباقين؟ لا نريد الأحزاب".

وشهدت محافظات أخرى في البلاد احتجاجات مع امتداد الاضطرابات في معظم مناطق الجنوب الشيعية. فقد حاول بعض المتظاهرين في البصرة الغنية بالنفط إغلاق الطريق المؤدي إلى حقل مجنون النفطي، ونصبوا خيمة اليوم الجمعة دعماً للاحتجاجات في بغداد، لكن مصادر نفطية أكّدت أن العمليات لم تتأثر.

المزيد من العالم العربي