ستكون مسيرة "القول الفصل" ضخمة  تليق ببريكست... قضيتنا السياسية الأكبر

سيجعل مشروع البريكسيت الذي أمامنا "أميركا دولة عظيمة مرة أخرى" مع كل ما ينطوي عليه ذلك  من  تدني معايير السلامة والتغذية والحماية البيئية وتسريع خصخصة الخدمات العامة وأمركة القوى العاملة

متظاهرون بريطانيون شباب رافضون للخروج من أوروبا في مقدمة مسيرة القول الفصل (أ.ف.ب)

من المتوقع أن تكون مسيرة "القول الفصل" في لندن هذا السبت ضخمة.

فحزب العمال هو الطرف الوحيد في بريطانيا الملتزم تنظيم استفتاء ثاني بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهو التزام لن يتبناه أي من حزبي المحافظين أو الديموقراطيين الأحرار، لو كان في الحكومة.

والواقع أن بريكست هو الموضوع الأكبر بعينه الذي يحرك السياسة البريطانية حاليا، إذ أطاح برئيسي وزراء من المحافظين ومن المحتمل أن يتسبب في استقالة رئيس وزراء ثالث.

يثير احتمال اجراء استفتاء ثان في حد ذاته جدلاً لا مبرر له في السياق الحالي بالنظر إلى أن السياسة هي قبل كل شيء تعبير عما يؤيده الشعب وليس عما يعارضه. إن أي سياسة مبنية أساسا على ما يعارضه الشعب محكومة بالانهيار السريع، وهذا يسري على استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي نظمه بشكل سيء ديفيد كاميرون في 2016.

والحق أن حزب العمال يحترم نتيجة ذلك الاستفتاء الذي أظهر سنة 2016 أن الأغلبية تعارض بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. فلتخرج المملكة المتحدة من الاتحاد إذن. لكن لم يكن هناك اتفاق حول ما يريده الشعب بدلاً من عضوية الاتحاد الأوروبي.  وانصبّ النقاش خلال السنوات الثلاثة التي تلت الاستفتاء على محاولة إيجاد بديل.

ويشكل الادعاء الأحمق بإمكانية تحقيق "طلاق نهائي نظيف" مع الاتحاد الأوروبي ضربا من التبجح، إذ أن الأمر الوحيد الذي سنطلّقه نهائياً هو الاقتصاد المستقر والمعايير المعيشية الجيدة في حين سيستمر الشد والجذب مع الاتحاد الأوروبي لسنوات قادمة.

دعا حزب العمال باستمرار إلى الدفاع عن معايير المعيشة  للشعب البريطاني وتحسينها.  قد يقول قائل إن استفتاء البريكست يعطي الحكومة تفويضا بالخروج بغض النظر عن  مدى تردي أحوال الناس في المستقبل بسبب هذا الخروج، لكن لا علاقة للسياسة بالتخاطر الجماهيري. لا يمكن التكهن بما قصده الشعب "حقيقة " في الاستفتاء الأول، إذ لم تطلب ورقة الاستفتاء من المشارك سوى القول إنه يؤيد البقاء أو الخروج.  ولايوجد دليل يؤكد أن غالبية أبناء الشعب البريطاني يقبلون أن  تسوء أوضاعهم وذلك كثمن لمغادرة الاتحاد الأوروبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي وقت تبددت فيه أوهام أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبي شأنها شأن وعود بوريس جونسون، تبدو مقترحات المحافظين ماضية بوضوح في نفس المنحى، فالأمر يتعلق ببريكست من صنع ترمب.  وحالما وضع الرئيس الأميركي سياسته لدعم البريكست من خلال تأييد نايجل فاراج، والتوضيح أن دعمه  لبوريس جونسون مشروط بتنفيذ خروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، ومن ثم التهديد بوضع نظام الرعاية الصحية على أجندة النقاش، فقد أدى هذا كله  إلى انصياع الغالبية الساحقة من حزب المحافظين والتحاقها بالركب.

فالبريكسيت الذي أمامنا  "سيجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، نزولاً عند رغبة ترمب، عن طريق بريطانيا، مع كل ما ينطوي عليه ذلك من تدني معايير السلامة والتغذية والحماية البيئية وتسريع خصخصة الخدمات العامة وأمركة القوى العاملة.

وتنص آخر مقترحات بوريس جونسون على إخراج بريطانيا من الاتحاد الجمركي من دون ضمان الانسجام مع السوق الأوروبية المشتركة. وعلى العكس من ذلك، فهو في الواقع  يتعمد البحث عن فرصة للهبوط السريع إلى الدرك الأسفل.  وهذا ما قد يترتب على خروج من دون اتفاق. في ظل هذه الظروف هناك خيار ملموس بين "صفقة ترامب" من اجل بريطانيا مقابل  صفقة تحمي حقوقنا ومعاييرنا المعيشية.

إن سياسة حزب العمال واضحة، فنحن  سنعرقل الخروج من دون صفقة، ثم سندعو بعد ذلك إلى انتخابات عامة.  سنفاوض على خيار معقول للخروج من شأنه أن يبقينا في الاتحاد الجمركي وفي انسجام جيد مع السوق الحرة المشتركة، وذلك  بهدف الحفاظ على فرص العمل ومستويات المعيشة وحماية البيئة. وأخيرا سنطرح الأمر على الشعب كي يختار بين خروج معقول على النحو المذكور آنفاً من جهة، وبين خيار البقاء في الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.

ستكون مسيرة السبت  ضخمة لأن الموضوع جد هام، إلى حدّ يجعله يؤثر بكل القوى السياسية.  أعرف أن حزب العمال قد ركّز اهتمامه من جديد على رفض البريكست، كما أعتقد أن حملة أنصار الاستفتاء الشعبي قد فعلت ذلك أيضاً.

ولى عهد الانقسام من زمن طويل. ويجب علينا نحن الذين نعارض البريكست الذي صممه ترمب وفاراج وجونسون، أن نوحّد الصفوف لتمثيل المصالح العليا للأغلبية.

© The Independent

المزيد من آراء