المأزق التركي بين إنعاش "إتفاق أضنة" وإقامة المنطقة الآمنة

يحاول الموقف الرسمي التركي كسب أكبر ما يمكن من دعم سياسي لتبرير وجوده وتوغله في الشمال السوري، وإظهار نيته إقامة منطقة آمنة حتى لو تفرّد بهذه الخطوة وحيداً

عربات مدرعة أميركية تقوم بدوريات في ريف محافظة دير الزور شرق سوريا (أ.ف.ب.)

يطفو "اتفاق أضنة" مجدداً بعدما كان حبراً على ورق طوال فترة الحرب السورية، كحبل نجاة لأنقرة التي أنعشت ذاكرتها، وعادت إلى عام 1998 لتفسّره على مقاس صراعها الأزلي مع الأكراد وحساباته، مترجمةً اهتمام موسكو بالاتفاق، بأنه ضوء أخضر لعملية عسكرية على حدودها ضد وحدات حماية الشعب الكردية، التي تصنفها فرعاً لحزب العمال الكردستاني، على إثر الاجتماع الأخير في 23 يناير (كانون الثاني) بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان.

الاتفاق، بكل ما يحمله من بنود، يحمي حدود تركيا من تهديد حزب العمال الكردستاني، وإن بدا أنه يصبُّ لصالح أنقرة كبوصلة لشن هجمات عسكرية على من تصفهم بالإرهابيين. إلا أن تركيا أمام خيار التنصل منه واعتباره غير موجود، بعد إثارته انتقادات سورية ودولية في شأن إخلال تركيا به ودعمها مسلحين بهدف إسقاط السلطة السورية.

تطور جدي في الاقتراح الأميركي

يأتي هذا بالتزامن مع تطور جديد في الاقتراح الأميركي في شأن إنشاء المنطقة الآمنة على الحدود السورية، والتي تبلغ مساحتها 32 كيلومتراً في العمق السوري، من نهر الفرات إلى الحدود مع العراق، إذ طلبت الولايات المتحدة من حلفائها الأوروبيين المساعدة في إنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري، بهدف كبح جماح صدام تركي كردي، مع ضمان منع عودة تنظيم "داعش". ووفق ما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، عن مسؤولين أميركيين لم تذكر أسماءهم، فإنّ واشنطن تجري مباحثات نشطة مع الحلفاء الأوروبيين، في مقدّمهم بريطانيا وأستراليا وفرنسا، في شأن هذا المقترح، لكنها لم تتلقَّ بعدُ أي رد رسمي. في المقابل، كشف مجلس سوريا الديموقراطية، التابع لقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، على لسان رئيسة الهيئة التنفيذية إلهام أحمد، عن استعداده التفاوض مع تركيا عقب لقاء الوفد مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

يحاول الموقف الرسمي التركي كسب أكبر ما يمكن من دعم سياسي لتبرير وجوده وتوغله في الشمال السوري، وإظهار نيته إقامة منطقة آمنة حتى ولو تفرّد بهذه الخطوة وحيداً. ولم يتخلَّ وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، منذ مقابلته التلفزيونية في 24 يناير (كانون الثاني) الماضي عن هذا الموقف، معتبراً أن الاتفاق يُلزم سوريا محاربة الإرهاب كون قوات سوريا الديموقراطية تشكّل تهديداً لبلاده. أضاف أوغلو "يمكن التدخل في سوريا وفق هذه الاتفاقية، وهذا أمر إيجابي بالنسبة إلينا". وتعزز تركيا منذ فترة طويلة قواتها على طول حدودها مع جارتها في الجنوب. وعلى الرغم من أن بروتوكول أضنة لا يزال سارياً من الناحية القانونية، فإنه لم يعد نشطاً مع انهيار العلاقات بين البلدين منذ بداية الحرب السورية، في عام 2011.

أنقرة ليست بحاجة إلى بروتوكول

على الضفة الثانية، تجد دمشق أن أنقرة ليست في حاجة إلى بروتوكول كي تبرر توغلها في دول الجوار، ولا سيما سوريا والعراق. واعتبر نضال قبلان، السفير السوري لدى تركيا، المقيم حالياً في دمشق، أن تركيا تحاول الاستفادة من أي تطور، سواء كان انتصاراً للجيش السوري، أو تقدماً لجماعات إرهابية، مشيراً إلى أن أي وجود عسكري تركي في سوريا يسقط تلقائياً إذا استطاعت روسيا وإيران وسوريا ضمان أمن الحدود، وفق ما صرح إلى وكالة "سبوتنيك" الروسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موسكو الساعية إلى تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، تحاول دفع أنقرة إلى طاولة المفاوضات مع دمشق، وإقناعها بأن المفاوضات هي الحل المناسب لضمان أمن حدودها. ووفق ما قال دبلوماسي أوروبي لوكالة الأنباء "شينخوا" الصينية، فإنّ ما تريده موسكو هو أن تستعيد سوريا سيطرتها على المناطق التي تهيمن عليها وحدات حماية الشعب، عقب خروج الولايات المتحدة، لمواجهة الفكرة الأميركية عن منطقة آمنة خاضعة للسيطرة التركية.

لكن مع تسارع الحديث عن السيناريو الأميركي ظهرت اعتراضات عربية، أبرزها ما أعلنته الإمارات رسمياً عبر موقف يدعم الأكراد، لكنه يرفض إقامة المنطقة الآمنة، وتشريع وجود غير عربي في أي دولة عربية، خصوصاً أن تركيا تتوقع من الولايات المتحدة جمع كل الأسلحة التي قدمتها إلى وحدات حماية الشعب، وترك المنشآت العسكرية التي كانت تستخدمها في سوريا إلى تركيا.

بات واضحاً أن تركيا أمام واحد من خيارين. إما تفعيل اتفاق أضنة برعاية روسية، وهذا ما سيزعج الأميركيين، الذين سيتسببون بمشكلات اقتصادية في الداخل التركي، أو الذهاب إلى إنشاء المنطقة الآمنة بدعم أميركي، ما سيؤدي إلى علاقات متوترة مع الروس، أو ستتجه منفردة إلى إقامة منطقة عازلة على الحدود في الشمال السوري. ومنذ الآن إلى منتصف فبراير (شباط) الحالي، وهو موعد انعقاد المفاوضات في أستانة، على أنقرة اختيار وجهتها.

"إتفاق أضنة"

يذكر أن "اتفاق أضنة"، الذي يحمل اسم المدينة التي وُقّع فيها جنوب تركيا في أكتوبر (تشرين الأول) 1998، هو اتفاق أمني بين تركيا وسوريا، يهدف إلى حل القضايا الأمنية بين البلدين، عبر أربعة ملاحق تضمنت المطالب التركية والتعهدات. ونصّ الاتفاق على احتفاظ تركيا بممارسة حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس، وفي المطالبة بـ "تعويض عادل" عن خسائرها في الأرواح والممتلكات، إذا لم توقف سوريا دعمها حزب العمال الكردستاني فوراً.

المزيد من العالم العربي