Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المخاوف الكردية على وقع قرار انسحاب ترمب من شمال سوريا وشرقها

قرار الانسحاب سيؤدّي بشكلٍ مباشر إلى ضرب مساعي القضاء النهائي على تنظيم "داعش" الإرهابي

أعلام وحدات حماية الشعب الكردي ترفرف في المدخل الغربي لمدينة القامشلي (إندبندنت عربية)

بعدد قليل من الكلمات، غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، عبر حسابه على تويتر معلناً انتهاء تنظيم "داعش" في سوريا، والبدء بسحب قواته من أرض العمليات في شمال وشرق سوريا. ما ترك آثاراً كبيرة على الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية المعنية بالصراع في سوريا. جاءت تغريدة الرئيس الأميركي بعد أيام قليلة من إعلان تركيا نيتها شنّ عملية عسكرية واسعة شرق الفرات، بحجة أن وحدات حماية الشعب المعروفة اختصاراً بالـ"ي ب ك" والمكون الرئيس لقوات سوريا الديمقراطية " قسد" جزء من تنظيم إرهابي يهدد الأمن القومي التركي، ليأتي الردّ سريعاً من القيادة العامّة لقوّات سوريّا الدّيمقراطيّة مؤكدة أن "معركة مكافحة الإرهاب لم تنتهِ بعد، ولم يتمّ بعد إلحاق الهزيمة النهائيّة به، ومضيفة أن "قرار الانسحاب سيؤدّي بشكلٍ مباشر إلى ضرب مساعي القضاء النهائيّ على التنظيم الإرهابيّ"، كذلك "سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار وزعزعة الأمن، وخلق فراغ سياسيّ وعسكريّ في المنطقة وترك شعوبها بين مخالب القوى والجهات المعادية"، وفق ما جاء في بيان "قسد" في 20 ديسمبر الماضي.  

 

تقهقر "داعش" في جيبه الأخير

منذ ذلك التاريخ، لم تتوقف العمليات العسكرية المشتركة بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، بل تقهقر تنظيم "داعش" في جيبه الأخير في منطقة الباغوز والمناطق المحيطة به في ريف دير الزور الشرقي. هذا ما أكدّه مصطفى بالي المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية من أرض العمليات في ريف دير الزور لـ"إندبندنت عربية"، قائلاً إن "العمل مستمر وهناك تنسيق، والأمور تسير بشكل اعتيادي مع التحالف". أضاف أن "قرار الانسحاب لم يؤثر على العمل الميداني وأن قواته استمرت في تنفيذ مهماتها مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، لكن قرار الانسحاب لم يكن متعلقاً بمرحلة زمنية معينة بقدر ما هو متعلق بضرورة أن تستكمل الولايات المتحدة مهماتها، ليس على المستوى العسكري فحسب بل على مستوى حماية ما أُنجز من تحرير. وتالياً، نرى من هذه الزاوية أن قرار الرئيس الأميركي سابق لأوانه ومتعجل ومرتجل، ومن المفروض بعد أربع سنوات من العمل المشترك بين "قسد" والتحالف أن تنجز المهمات التالية التي تمنع عودة التنظيم من إنتاج نفسه، وكذلك البحث عن حلّ سياسي يهيئ الأجواء لسوريا ديمقراطية لكل أبنائها ويمنع ظهور التنظيمات الإرهابية".

من جهته، وصف حكم خلو الرئيس المشترك للمجلس التشريعي لإقليم الجزيرة التابع لإدارة شمال سوريا وشرقها، الذي يتخذ من مدينة عمودا مقرّاً له، قرار الرئيس الأميركي بالمفاجئ، مضيفاً أن "لديهم مخاوف كثيرة من تداعيات هذا القرار، لا سيما أن تركيا والنظام أرادا أن يملآ هذا الفراغ. ما يشكل كارثة كما جرى ويجري في عفرين المحتلة من قبل تركيا والفصائل التابعة لها حيث تم تهجير الناس ونُهبت الممتلكات وانتُهكت الحقوق".

و دعا خلو التحالف الدولي إلى حماية الشركاء على الأرض، مشيراً إلى قوات سوريا الديمقراطية وذراعها السياسية المتمثلة بالإدارات الذاتية في شمال سوريا وشرقها. وشدد على أن الواجب الأخلاقي والوجداني يفرض على التحالف الدولي حماية الشركاء، وأن لا يتركوا الإنجازات التي تحققت لمن يأتي سواء أكان الأتراك أو النظام. وعبّر الرئيس المشترك للمجلس التشريعي لإقليم الجزيرة عن أمله أن تلقى الإدارة الذاتية الدعم السياسي لضمان أمن المناطق التي حُررت من داعش وعدم عودة الإرهاب الذي يهدد كل دول العالم.

 

الأطراف الفاعلة في سوريا... تراجع حساباتها

المحلل السياسي والأستاذ الجامعي د. فريد سعدون، المقيم في مدينة القامشلي في أقصى شمال شرق سوريا، رأى أن قرار الرئيس الأميركي القاضي بسحب قواته من سوريا مراوغة سياسية ليست وليدة اللحظة، وخلقت إرباكاً في السياسة الدولية، وفراغاً تتنافس عليه الأطراف الفاعلة في الساحة السورية. ما دفع  تلك الأطراف إلى مراجعة اتفاقياتها السابقة في ما بينها خصوصا تركيا وروسيا وإيران فضلاً عن الفصائل المسلحة.

و قال سعدون "قرار سحب القوات سيساعد داعش على لملمة أجزائه لا سيما أن التنظيم قام في الفترة الماضية بعمليتين استهدفتا العناصر الأميركية في منبج وحاجز السبع والأربعين في الشدادي ليثبت التنظيم أنه ما زال موجوداً وقادراً على إلحاق الضرر بالأميركيين"، مضيفاً أن "القرار الاميركي سيضغط على قسد لسحب قواتها من مواجهة داعش بهدف حماية الحدود لمواجهة التهديدات التركية باجتياح المنطقة، كما أن الحشد الشعبي في الجانب العراقي سيدفع بقواته إلى الحدود العراقية السورية. بالتالي، فإن القرار الأميركي سيؤدي إلى خلط الأوراق في المنطقة".

وانتقد الأستاذ الجامعي الحالة السياسية للإدارة الذاتية، مشيراً إلى أن الانتصارات العسكرية التي حققتها "قسد" لم تكن توازيها الحالة السياسية، فـ"قسد" لم تفعّل الجانب السياسي والديبلوماسي كما هو مطلوب، بل ركزت على الجانب العسكري، وحتى الإدارة الذاتية المجتمعية لم تكن بالمستوى المطلوب من تقديم الخدمات والحاجات الضرورية للشعب لخلق ظرف مناسب لالتفاف المجتمع حولها في الداخل، كما أن الإدارة الذاتية استفردت بالقرار السياسي في المنطقة وأبعدت القوى السياسية الأخرى عن المشاركة في الإدارة، واعتمدت على أتباعها فقط، وعلى عناصر غير مؤهلة، وابعدت التكنوقراط والشخصيات الوطنية خوفاً من أن تشكّل قوى معارضة للإدارة على حدّ قوله.

في هذا الوقت، وبعد ازدياد تداول قرار الانسحاب الأميركي وردود الأفعال الدولية والإقليمية والمحلية، لم يستسغ كثيرون الترقب والخوف ممّا ستؤول إليه الأمور في شمال سوريا وشرقها، خصوصاً في المدن والبلدات المتاخمة للحدود مع تركيا. فالعديد من أهالي مدينة سري كانيه (رأس العين) المتاخمة للحدود التركية في محافظة الحسكة، ازداد قلقهم، لا سيما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كان ذكر أكثر من مرة في خطاباته إسم المدينة إلى جانب منبج وتل أبيض، كأهداف محتملة لعمليات قواته في شرق الفرات. ما اضطُّر كثيرين من هؤلاء الناس إلى ترك منازلهم واستئجار أخرى في مدينة الحسكة ومناطق أخرى بعيدة عن الحدود، معتقدين أن الحسكة التي يسيطر النظام على مربع أمني فيها يمكن أن يشكل ملاذاً آمناً لهم ولأطفالهم.

و قد ارتفعت أسعار إيجار المنازل في مدينة الحسكة لتبلغ أربعة أو خمسة أضعاف قيمته الحقيقية. وتقول منال وهي أم  لثلاثة أطفال: "منزلنا يقع في الحي الشمالي لمدينة سري كانيه، والجدار الحدودي لا يبعد سوى أمتار عنّا، كنّا خائفين جداً في تلك الفترة من دخول الأتراك إلى منازلنا ومهاجمتنا مع الفصائل المسلحة المعارضة، لم يبقَ أمامنا حلّ سوى أن نستأجر منزلاً في الحسكة بـ "60 ألف ليرة سورية" للشهر الواحد".

 

ذعر وإرباك

خلقت المآلات المتوقعة من الانسحاب الأميركي اضطراباً في الأسواق المحلية، ومشهد عفرين ماثل أمام أعين التجار في المنطقة، حيث نهبت الفصائل المسلحة التي دخلت عفرين بمساعدة عسكرية تركية في الجو وعلى الأرض. ممتلكات الناس أمام أعين الكاميرات، ورصدتها وكالات أنباء عالمية. وهذا المشهد، دفع التجار في المناطق الحدودية إلى نقل بضائعهم المخزّنة في المحال والمستودعات إلى مناطق بعيدة عن الحدود، واستؤجرت من أجل تخزين تلك البضائع، مستودعات، يقول عبدالعزيز محمد، وهو صاحب محل للأدوات المنزلية في محافظة الحسكة، "منذ ظهور التهديدات التركية الأخيرة تأثرت السوق في عموم منطقة الجزيرة وليس عملي فحسب، فعزف الناس عن شراء الأدوات المنزلية خوفاً من دخول الفصائل ونهب ممتلكاتهم. لذلك، تضرر عملنا بشكل كبير".

في محل لبيع الهدايا في سوق مدينة سري كانيه، يقف علاء مجيد صاحب المحل متأملاً في بضاعته المصنوعة غالبيتها في الصين وتنتظر الزبائن، قائلاً "القرار الأميركي أوقف السوق. فأي منطقة تتعرض للتهديد ينهار فيها الاقتصاد، والمنطقة عندما تكون آمنة تنتعش فيها الأعمال وتزداد حركة البيع والشراء، فالوضع العسكري يؤثر بشكل كبير على اقتصادنا. ونحن كنا نشتري ونبيع أضعاف ما نحن عليه الآن".

 

إن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب سحب قواته من شمال سوريا وشرقها، أربك الأجواء في المنطقة على مختلف الصعد، وخلق حالة من الخوف والذعر والشعور لدى الناس والإدارة الذاتية.

المزيد من الشرق الأوسط