زواج بالتقسيط في غزة... قد يحرم المرأة حقوقها

تتعاون المحكمة الشرعية عبر تصميم نموذج لسندات دين منظّم لقيمة المهر يرفق بعقد الزواج

زفة عروس قرب الحدود الفاصلة بين غزّة وإسرائيل ضمن فعاليات مسيرة العودة (مواقع التواصل الاجتماعي)

في جلسة تحديد المهر، التي تجري عادة بين عائلتي العريس والعروس، اتفق الطرفان على أن يدفع الخاطب قيمة مهر هبة بالتقسيط، عبر دفعات متتالية، شرط أن ينتهي من تسديدها قبل إجراء مراسم الزواج.

وبما أنّ المهر حق شرعي للفتاة مكفول وفقاً للتعاليم الدينية، يجب على الخاطب أن يدفعه كاملاً وهو حوالى ستة آلاف دولار. وعند الذهاب إلى المحكمة الشرعية لعقد القران، سأل القاضي ولي أمر هبة "إذا ما استلم قيمة المهر"، فأقرّ الوالد بالاستلام، على أن يبقى الحديث عن دفع المهر بالتقسيط سرياً بين العائلتين.

تورط

التزم الخاطب خمسة أشهر تسديد الدفعات المالية للمهر بحسب الاتفاق، وبعد ذلك تعثّر مالياً نتيجة تراكم الديون المتلاحقة عليه، ما أسفر عن مشاكلٍ بين الخاطبين، وعليه قررا الانفصال.

تقول هبة "حين كنت أفكر بالانفصال، خطر ببالي إقرارنا بأنّنا استلمنا كلّ قيمة المهر، وهذا مخالف للحقيقة، وإذا عزمنا التوجّه إلى المحكمة للطلاق، فإنّه وفقاً للأوراق الثبوتية في عقد القران، استلمت ستة آلاف دولار، إضافة إلى أثاث المنزل".

وفي عادات الزواج بين سكان قطاع غزّة، إذا عزم الخاطبين على الانفصال، يجب على المخطوبة إعادة كلّ ما تقدم لها من أهل العريس، وما سُجّل في عقد القران بعد سؤال القاضي، وبناء عليه، فإنّ على هبة إعادة كلّ قيمة المهر إلى خطيبها، على الرغم من عدم استلامها إلاّ خمس دفعات منه.

المشكلة في قصة هبة أنّ الاتفاق على تقسيط المهر كان سرّاً بين العائلتين ولم يكن بحضور شهود. وتوضح هبة أنّه إذا أنكر خطيبها فكرة التقسيط، ستخسر كل شيء وبهذا يجب عليها إعادة المهر الذي لم تستلم إلاّ قليلاً منه.

هذا فعلياً ما حصل، إذ أنكر الخاطب أمام قاضي المحكمة الشرعية نظام التقسيط، قائلاً إنّه دفع المهر كاملاً، خلافاً لما اتفقت عليه العائلتين، وضاعت كلّ حقوق الزوجة المكفولة بالقانون والدين.

تزايد الحالات

تقدمت إلى مركز شؤون المرأة (أكبر مؤسسة نسوية في فلسطين)  20 حالة من قطاع غزّة خلال النصف الأوّل من عام 2019، لزوجات يطلبن المساعدة في إرغام أزواجهن على دفع ما تبقى عليهم من أقساط، قيمة المهر. وبالمقارنة مع عام 2018، فقد سُجلت 12 حالة، ما يعني أن العدد في ارتفاع.

تقول المحامية في المركز سهير البابا إنّ هذا عدد مَن تجرّأن على إيصال أصواتهن ورفضن الخنوع، ومثلهن كثيرات هُدرت حقوقهن، ويرفضن توصيل القضايا إلى المؤسسات النسوية والمحاكم الشرعية.

وحول أسباب اللجوء إلى نظام تقسيط المهور، توضح البابا أنّ غلاء المهور قد يكون السبب في ذلك، وبات نظام التقسيط  معتمداً، نظراً إلى الظروف الصعبة التي يعيشها سكان غزّة.

الأسباب

وصلت نسبة البطالة بين العمال والخريجيين الجامعيين في القطاع إلى 63 في المئة، بينما تخطت نسبة الفقر حاجز 53 في المئة، والفقر المدقع تجاوز 23 في المئة، وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي سجّل أنّ نسبة الأجور للعمال لم تتجاوز 200 دولار في الشهر، وللموظفين 570 دولاراً.

وقد تكون هذه العوامل دفعت الشباب إلى اللجوء لتقسيط المهور، وعدم تحمل أعباء الزواج، لكن هذا الوضع يحرم الزوجة  حقوقها. وتوضح البابا أنّ عدم الإيفاء بدفع أقساط المهر يجرّد الزوجة من أوّل حق شرعي لها في علاقتها مع شريك حياتها، وفي حال الانفصال، فإنّه يحرمها حتى المؤخر من المهر.

تعاون في المحاكم

ولمحاولة عدم حدوث تفلّت في دفع أقساط المهر، بدأت المحاكم الشرعية في غزّة بتسهيل إتمام إجراءات "الزواج بالتقسيط"، وصمّمت نموذجاً لسندات دين مُنظّم يرفَق بعقد الزواج، عبارة عن ورقة تكون ملزمة للعريس بدفع المهر المعجل إلى العروس بالتقسيط.

لكن الأمر لا يقف عند قيمة المهر وتقسيطه، بل يتعدى الموضوع ذلك، فحتى أثاث البيت كلّه يأتي بنظام التقسيط، من خلال جمعيات تيسير الزواج، التي يدفع العريس مبلغاً مالياً لها، ومن ثمّ تتولى هي عملية تعفيش البيت ومراسم احتفال الزواج، شرط أن يكون قد كتب على نفسه كمبيالة (ورقة نقدية مؤجلة الدفع) وعلى نظام الأقساط.

مخاطر اللجوء إلى الزواج عن طريق جمعيات التيسير كثيرة، أوّلها أنّه إذا كان العريس غير قادر على تسديد الأقساط، فإنّ الجمعية تتقدم إلى المحكمة بالكمبيالة، وتالياً يُرغم على التسديد، وإن لم يفعل، يُسجن.

وفي هذه الحالة، تقول البابا إنّ ذلك يحرم الزوجة أيضاً حقها في العيش باستقرار وكرامة، ويعرّضها لكثير من الضغوط الحياتية، التي قد ينتج منها في نهاية المطاف الانفصال، مشيرةً إلى أنّ معظم مَن يلجأ إلى خيارات التقسيط، يكون متزوجاً إحدى قريباته، علماً أن فكرة زواج الأقارب شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، أخيراً.

المزيد من منوعات وترفيه