الفارون من "داعش": رحلة مضنية وصولاً إلى مخيّمات الحسكة  

"تشعر أحياناً أنّ الواقف أمامك "داعشي"، وذلك من طريقة كلامه أو تردده في الإجابة عن سؤال، أو إذا وجدت علامات إمّا على يده، توحي باستخدام كثير للزناد، أو على كتفه، نتيجة حمل جُعب الذخائر والسلاح"

فارّون من "داعش" يجتازون الصحراء في شاحنة نحو مناطق سيطرة قوّات سوريا الديمقراطية في ريف دير الزور (أ ف ب)  

مخاوف الفارّين من آخر أراضي "داعش"، في شرق ريف دير الزور، ممّا ينتظرهم حيث يتوجّهون، لا يخمدُها سوى هوْل ما عانوه تحت قبضة التنظيم السفّاح، وأنّه لا يمكن للآتي أن يكون أسوأ مما سبق.  
بعد انحسار سيطرة "داعش" على بضعة كيلومترات شرق الفرات، تشمل بلدات الشعفة، والسوسة، والباغوز، وقرى أبو الحسن، والبوبدران، والمراشدة، والشجلة، والكشمة، والسافية، وضاحية البوخاطر في شرق هجين، لم يعد باستطاعته منع أهالي هذه القرى من الفرار إلى أحضان عدوّه، قوّات سوريا الديموقراطية "قسد" المدعومة من الولايات المتّحدة الأميركية والتحالف الدولي، هربًا من الموت وسعياً للنجدة.  
ومن ينجو من المدنيّين الفارّين من رصاص "داعش"، وينجح باجتياز التفتيش الأوّلي على حواجز قوّات سوريا الديموقراطية على خطوط التماس في مناطق الصراع، يبدأ رحلة تتعدّد فيها محطّات التحقيق وتطول دربها إلى المخيّمات الواقعة تحت سيطرة "قسد" في ريف الحسكة. 
 

تحقيق أوّل، فثانٍ، فثالث! 
فور وصول الشاحنات التي تقلّ هؤلاء إلى المواقع المخصّصة لفرزهم، في أراضٍ صحراويّة غير بعيدة عن جبهات القتال، يسارع مقاتلو ومقاتلات "قسد"، الملثّمون بغالبيتهم، إلى توجيه الرجال والنساء والأطفال إلى الأماكن المخصّصة لتجمّعهم.  
ووفق ما جاء في تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية يقف الرجال في طابورين، ويبدأون بالتقدّم الواحد تلو الآخر نحو المحقّق الذي يأخذ بصماتهم، مستخدمًا آلة رقمية صغيرة، ثمّ يلتقط لكل منهم صورةً، سائلًا عن الأسماء والجنسيّات. وإذا حصل وتلعثم أحدهم خلال الإجابة أو اشتُبِهَ فيه، يحَوّلُ إلى محقّقٍ ثانٍ وثالثٍ. 
وبعد اجتياز مرحلة التحقيق واستقصاء المعلومات، يُطلب من الرجال التوجّه إلى مكان تجمّعٍ خاصٍّ بهم، حيث يجلسون في صفوف متراصة ومنتظمة على الأرض، تبعد عن بعضها بعضاً المسافة ذاتها. 
على مقربة منهم، يتجول عسكريون من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، من دون أن يتضح الدور الذي يقومون به في عملية الفرز. 
ويوضح أحد المحقّقين لوكالة الصحافة الفرنسية أنّهم يبحثون عن المطلوبين من قبل "قسد"، بالإضافة إلى أيّ مشتبه في انتمائهم إلى "داعش" ويضيف المحقّق "تشعر أحياناً أنّ الواقف أمامك "داعشي"، وذلك من طريقة كلامه أو تردده في الإجابة عن سؤال، أو إذا وجدت علامات إمّا على يده، توحي باستخدام كثير للزناد، أو على كتفه، نتيجة حمل جُعب الذخائر والسلاح. 
فمن بين الفارّين، منتمون إلى "داعش"، منهم من يسلمّ نفسه، ومنهم من يحاول الاختباء بين المدنيّين، وهدف عمليّات الفرز هذه هو التأكّد من هويّات النازحين، وفق ما يؤكّد عضو مجلس سوريا الديموقراطي محمد سليمان عثمان لـ"أ ف ب". 
النساء لسنَ مستثنياتٍ من هذه التحقيقات، فهنّ يخضعن بدورهنّ لعمليّات تفتيش دقيقة على أيدي مقاتلات "قسد"، اللواتي يرفعن النقاب عن وجه كلّ سيّدة ويبحثن جيّداً في أغراضها. كذلك تُلتقط الصور وتُجمعُ البصمات للنساء"المهاجرات"، كما يطلق عليهنّ "داعش"، وهنّ النساء من غير الجنسيّتين السورية والعراقية. من ثمّ يتجمّعن وأطفالهنّ في المكان المخصّص لهنّ، بانتظار نقلهنّ إلى مخيّم الهول، حيث يخضع الجميع مجدّدًا لتحقيق موسّع. 
وسط درجات الحرارة المتدنيّة، يسيطر الإرهاق على المنتظرين، وتروي بضع نساءٍ أنّ طفلاً توفي ليلاً نتيجة البرد ودُفِن، فيما وضعت سيّدتان مولوديهما. وما إن تقترب الشاحنة المحمّلة بالخبز، حتّى يتهافتن وأطفالهنّ عليها.


المعركة مستمرّة 
وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، ارتفع عدد المدنيّين والمقاتلين الفارّين من التنظيم إلى 32600 شخص من جنسيّات مختلفة، منذ مطلع ديسمبر (كانون الأول) الفائت، من ضمنهم نحو 2770 عنصرًا من "داعش"، ممن قُبِضَ عليهم أو سلّموا أنفسهم. وتتواصل عمليّات نقل الفارّين إلى المخيّمات الواقعة تحت سيطرة "قسد". (نشرت صفحة المرصد السوري لحقوق الإنسان على فيسبوك فيديو يظهر وصول العائلات إلى مناطق سيطرة "قسد").

 

وتستمرّ المواجهات بين "داعش" وقوّات سوريا الديموقراطية، التي باشرت منذ 10 سبتمبر (أيلول) الماضي، وبدعم من التحالف الدولي ومن واشنطن في شكل أساس، بهجوم واسع لإنهاء التنظيم. وبلغ عدد قتلى التنظيم، منذ بدء العملية، 1273 قتيلًا، مقابل 669 قتيلاً من "قسد" و401 قتيل من المدنيّين، وفق أرقام المرصد السوري لحقوق الإنسان. وأفادت مصادر للمرصد بأنّ التنظيم يتّخذ من المدنيّين دروعاً بشريّة لحمايته. ما يمنع طائرات التحالف الدولي من استهدافه. كذلك يلجأ إلى زرع الألغام بكثافة، فيعيق تقدّم مقاتلي "قسد" في مناطق سيطرته.  


من جهة أخرى، أفاد المرصد بأنّ الجنود الأميركيين الـ700، الذين دخلوا سوريا في 23 و24 يناير (كانون الثاني)، لم يأتوا لتأمين انسحاب القوات الأميركية، الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 19 ديسمبر (كانون الأول)، بل جاؤوا لنقل عناصر التنظيم وقادته ممن سلموا أنفسهم في شكل غير معلن إلى التحالف الدولي، وسط غموض حول المكان الذي يتمّ نقلهم إليه، إن كان داخل سوريا أو خارجها، خصوصاً أن رتلاً للتحالف الدولي مؤلفاً من 15 سيارة عسكرية و4 عربات همر أميركية، قد خرج برفقة شاحنتين مغلقتين، ورجحت مصادر المرصد السوري أن يكون على متنهما العناصر والقادة الذين سلموا أنفسهم، إذ تعدّ هذه المرة الأولى التي يخرج فيها رتل للتحالف الدولي برفقة شاحنتين غير تابعتين له.

المزيد من الشرق الأوسط