مزيد من الفوضى السياسية في بريطانيا في الأيام المقبلة

صدام الحكومة والبرلمان مرشح للتصعيد وجونسون لن يستسلم بسهولة

مني رئيس الوزراء بوريس جونسون بأكثر من هزيمة في البرلمان في اليومين الأولين لانعقاده (أ.ف.ب)

بعد موافقة مجلس العموم في البرلمان البريطاني على مشروع قانون يمنع الحكومة من الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، لم يعد أمام حكومة حزب المحافظين برئاسة بوريس جونسون سوى محاولة تأخير موافقة مجلس اللوردات عليه.

وإذا لم يوافق اللوردات على المشروع خلال يومين، لن يذهب إلى الملكة للمصادقة عليه قبل نهاية يوم العمل الاثنين المقبل في التاسع من سبتمبر (أيلول)، وهي مصادقة مضمونة لكنها ضرورية ليصبح ساري المفعول. وحسب القرار الذي استصدره جونسون، فسيجري تعليق عمل البرلمان بعد يوم التاسع من سبتمبر وحتى منتصف أكتوبر (تشرين الأول). ومع أن حزب المحافظين أقلية في مجلس اللوردات، إلاّ أنّ آلية عمل المجلس تختلف عن عمل مجلس النواب، وبالتالي يمكن لعدد قليل من اللوردات المحافظين إطالة الجدل حتى لا يتم التصويت الخميس أو الجمعة.

وعلى الرغم من أن هذا احتمال ضئيل، لكنه قائم ولن يستبعده بوريس جونسون في محاولته تنفيذ استراتيجيته بالخروج من أوروبا في الموعد المحدد نهاية أكتوبر، وبما أنه من الواضح أن إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد مع أوروبا في غضون الأسابيع المتبقية ليس كبيراً، فالأرجح أن تطلب بريطانيا تمديد فترة المفاوضات على تنفيذ المادة 50 من ميثاق الاتحاد الأوروبي التي فعلتها للبريكست، حتى نهاية يناير (كانون الثاني) العام المقبل على الأقل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عناد جونسون

مني رئيس الوزراء جونسون بأكثر من هزيمة في البرلمان في اليومين الأولين لانعقاده، فقد صوّت النواب لصالح سيطرتهم على أجندة عمل المجلس، ثم صوّتوا بالموافقة على مشروع قانون منع البريكست من دون اتفاق.

كما خسر جونسون أكثر من 27 نائباً من حزبه الحاكم، صوّتوا مع المعارضة، وقبلها خسر غالبية حزبه في البرلمان، التي كانت بفارق نائب واحد، بانشقاق وزير العدل السابق وانضمامه إلى حزب الليبراليين الديمقراطيين.

كان الصدام بين الحكومة والبرلمان متوقعاً، لكن جونسون ومستشاريه لم يحسبوا على ما يبدو تبعات الخسائر المتتالية في ذلك الصدام، والأرجح أن مستشار رئيس الوزراء المثير للجدل دومينيك كمينغز والوزير جاكوب ريس موغ هما أكثر من يشجع جونسون على الاستمرار في نهجه كي يستطيع الخروج بالبلاد من الاتحاد الأوروبي في موعده ومن دون اتفاق. لكن جونسون نفسه، الذي جاء إلى السلطة من دون انتخابات عامة وإنما خلفاً لرئيسة الوزراء من حزبه تيريزا ماي التي حكمت بتفويض شعبي في انتخابات 2017، ليس من النوع الذي يترك صراعاً من دون معركة للنهاية.

وسيقود ذلك رئيس الحكومة إلى الاصرار على إجراء انتخابات عامة مبكرة منتصف الشهر المقبل، وبما أن ذلك يحتاج إلى موافقة ثلثي نواب البرلمان، الأمر الذي لا يستطيع تأمينه الآن في ظلّ رفض حزب العمال المعارض وحزب الليبراليين الديمقراطيين التصويت على انتخابات مبكرة الآن، لن يكون أمامه سوى تجاهل القانون الجديد الذي يمنع بريكست من دون اتفاق.

فهناك قناعة بأن جونسون يغافل الكل، وكل همه هو حل البرلمان الحالي بمجرد الدعوة إلى انتخابات وحتى تشكيل الحكومة. وفي تلك الفترة، يمكنه كرئيس حكومة تصريف أعمال أن ينفذ البريكست بلا اتفاق ومن دون حاجة إلى موافقة البرلمان، لأنه منحل.

خيار نووي

يبقى أمام بوريس جونسون "خيار نووي"، كما توصف الإجراءات بالغة الاستثنائية، أي أن يدعو إلى تصويت بالثقة على حكومته ويطلب من نواب حزبه التخلف عن التصويت، وبالتالي تكون النتيجة سحب الثقة.

وبعد ذلك بأسبوعين، تجري الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة، إذا فشل هو أو غيره في تشكيل حكومة تنال ثقة البرلمان، مع العلم أن عمل البرلمان في تلك الفترة معلق. وحتى من دون قرار تعليق عمل البرلمان، فهناك أسبوعان يتغيب خلالهما البرلمان لانعقاد المؤتمرات السنوية للأحزاب، وهكذا يتمكن جونسون من تنفيذ بريكست من دون اتفاق بنهاية أكتوبر.

ومن دون ذلك الخيار النووي، سيصبح تأجيل موعد البريكست أقرب إلى الأمر الواقع، لأنه في كل الأحوال لن يستطيع جونسون وحكومته التصرف من دون قيود برلمانية. وإذا كان البعض توقع أن يستقيل بوريس جونسون في ظل هذا الاعتراض البرلماني الواسع، حتى من نواب من حزبه بعضهم من قدامى قيادات المحافظين، فإن ذلك يبدو أمراً مستبعداً. ومن المهم الإشارة إلى أن هناك قطاعاً واسعاً من نواب الحزب الحاكم يرى أن جونسون هو الأكثر قدرة على قيادة الحزب للفوز بانتخابات عامة، وربما بغالبية مريحة.

وتؤكد استطلاعات الرأي ذلك، فحسب أحدث استطلاع لمؤسسة "يوغوف"، يتقدم المحافظون على العمال بأكثر من 10 نقاط. لكن آخر استطلاع لشركة "إيبسوس" سجل استياءً واسعاً حيال أداء الحكومة في الشهر الأخير بنسبة تصل ألى 75 في المئة، هي الأعلى منذ بدأت تلك الاستطلاعات.

انتخابات وتأجيلات

معظم التوقعات أن الأسابيع المقبلة ستشهد مزيداً من الفوضى السياسية في بريطانيا في ظل حكومة عاجزة مقيّدة برلمانياً، وحزب حاكم يشهد انقساماً ومعارضة لا يتفقان سوى على رفض البريكست من دون اتفاق لمخاطره الاقتصادية على البلاد.

وبغض النظر عن التفاصيل، يبدو أكيداً أن انتخابات مبكرة ستجرى قبل نهاية العام، إن لم يكن الشهر المقبل، ففي نوفمبر (تشرين الثاني). وفي ظل توجهات التصويت التي تشير إليها استطلاعات الرأي الأخيرة، لن يستطيع حزب من الأحزاب الرئيسة الفوز بغالبية برلمانية تمكّنه من تشكيل حكومة بشكل مريح، تكون قادرة على التوصل إلى اتفاق مع أوروبا قبل موعد التجديد المحتمل، نهاية يناير.

ومع احتمال أن تسفر تلك الانتخابات المتوقعة عن "برلمان معلق"، أي من دون غالبية لأي حزب، سيحتاج تشكيل ائتلاف إلى وقت، ربّما يتطلب تأجيل موعد البريكست، مجدداً. وفي ظل الفوضى وعدم اليقين حالياً، ووجود رئيس وزراء عنيد مستعد للذهاب إلى أبعد مدى لتنفيذ خططه، يصعب استبعاد المفاجآت، لكن أياً كانت المفاجآت، فلن يكون ذلك مفيداً للقضية الرئيسة التي أدت إلى الأزمة السياسية الحالية وهي البريكست.

 

المزيد من تحلیل