Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معجب العدواني يحلل مفهوم "العامّة" قديما وحديثا

مساءلة الفكر العربي الذي حرص على نقد المثقف النخبوي والدور السلبي للجمهور

نظرة إلى المجتمع للرسام الفرنسي إليار (صفحة الراسم - فيسبوك)

يسعى الناقد السعودي معجب العدواني في كتابه "مفهوم العامة: الجلي والخفي" (سلسلة "أفق" – مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية – القاهرة 2023) تتبع ذلك المفهوم المشار إليه في العنوان، تاريخياً، واستقراءه ودراسة تحولاته، منذ العصر الجاهلي إلى حقبة العصور الوسيطة في الحضارة العربية الإسلامية وغيرها، وعلاقته بمفاهيم مشابهة مثل: الغوغاء والرعاع والسّفلة والسّوقة، وأخرى مضادة مثل: الخاصة والصفوة وغيرهما، ومفاهيم موازية ما سبق، مثل: الجماهير والنخبة وغيرهما. ويستهدف الكتاب، بحسب ما ورد في مقدمته، قراءة مفهوم العامة وسياقاته وتحليله بإبراز أنساقه المضمرة، عبر التتبع النقدي للمفهوم ذاته ومرادفاته، منذ إرهاصاته الأولى حتى استكمال نموه في الحضارة العربية وانعكاساته فيها، ويلي ذلك تحليل ثقافي مقارن. ويخلص العدواني إلى أنه أراد أن يكون كتابه بمثابة محاولة نقدية قد تفتح سبيلاً لفتح آفاق درس تحليل ثقافي مقارني يتصل بالعصر الحديث. وذلك بدرس تمثيلات مفهوم (العامّة) في المنجز الكتابي العربي المعاصر، في حقول السرد والشعر والفكر وغير ذلك. ويرجع العدواني أهمية ذلك إلى أن القرن الحادي والعشرين حمل صيغته المختلفة والمؤثرة لمفهوم "العامّة"، "وكان لهذه الصيغة الدور الأكبر في جوانب التغيير المتنوعة التي حدثت في العالم، ولا تزال نتائجها تترى في الوعي العربي" صـ 130.

ثقافة الجماهير

يلاحظ صاحب كتاب "الحداثة في الأدب السعودي: أسئلة ومفارقات"، حرص الفكر العربي الحديث على تناول المثقف النخبوي بالنقد، خصوصاً في ما يتعلق بخطابه الذي يحمل جذوراً تراثية تقلل من شأن الجماهير. ونقد المثقفين، كما يؤكد العدواني، ليس بدعاً في التجربة الإنسانية فقد استهل بنقد الفرنسي جوليان باندا الذي ميّز بين كتّاب حقيقيين وكتبة السلطة. وانطلقت من ذلك دراسات ريجيس دوبريه وبيار بورديو وآخرين. ومن العرب عبد الله العروي وكتابه "أزمة المثقفين العرب: تقليدية أم تاريخانية"، وعلي حرب وكتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف". أما نقد ثقافة الجماهير ومكوناتها فقد لعب دوره في ترسيخ بعض المفاهيم التي تحرص على كشف الأعباء المتراكمة عبر العصور. ومن ذلك ظهر مثلاً مفهوم الأغلبية الصامتة Silent Majority؛ إذ كان الإيمان بوجود هذه الشريحة عاملاً مهماً للكشف عن دور الجمهور السلبي. لكن يظل رأي الجماهير محل اهتمام وموقع تأثير سياسي وتجاري وثقافي. وإذا لم يستعمل نشاط الجماهير في اللحظة المطلوبة، أو جرى استعماله على نحو خاطئ، فإنه يؤدي إلى نتيجة عكسية، وينتهي بمرحلة انحدار لن تنهض منها الجماهير إلا بسرعة أو بطء متفاوتين، بحسب نصوص تروتسكي حول تجذر الجماهير، والذي يؤكد أنه بعد ذلك يصبح الأمر متعلقاً بلحظة انتظار سرمدية "إن عجز الجماهير عن تحقيق التغيير في كل مرة تخوض فيها حرباً كطبقية صريحة يجعلها تنتظر مخلصاً". ويتوافق هذا الرأي مع ما أشار إليه فرويد قبل ذلك، إذ يقول: "إن الإنسان ليس حيواناً قطيعياً بقدر ما هو حيوان عشيري، أي عنصر تكويني في عشيرة يقودها زعيم".

بين قديم وجديد 

وينطوي الكتاب على "دراسة عميقة واسعة تستلهم الأدوات النقدية الحديثة"، بتعبير المؤلف الذي يرى أنه مع ذلك تنبغي الإشارة إلى بعض الكتب في هذا السياق، منها: "الثقافة الشعبية وأوهام النخبة" لصلاح الراوي، و"العامة في بغداد في القرنين الثالث والرابع" لفهمي عبد الرزاق سعد، و"أوراق في الثقافة الشعبية" لعبد الحميد حوّاس. وتتناول هذه الكتب قضايا الثقافة الشعبية بتفصيل يحسب لها دون تناول مفهوم "العامة" مباشرة، فضلاً عن تحليله ثقافياً. ويرى العدواني أنه إلى جانب ذلك فإن تلك الكتب لم تدرس المفهوم بصورة مقارنة، ولا ترتهن إلى الاستناد إلى موقعه في الحضارات الأخرى. ومع أهمية الجهد المبذول في تلك المؤلفات، فإنها كانت تركز على طبيعة الثقافة الشعبية وسماتها، وغاب عنها التحليل الثقافي، الذي يهدف إلى استكناه ظاهرة محدَّدة، وكشف أنساقها.

ويرى صاحب كتابي "إعادة كتابة المدينة العربية" و"القراءة التناصية الثقافية"، أن مفهوم "العامة" لم يرد بصورة عشوائية في التراث العربي، كما يعتقد كثير من الدارسين، بل كان وروده وفق تدرج تاريخي، وأنساق ثقافية بدت متماسكة إلى حد كبير. لقد كان هذا التدرج التاريخي مبنياً على أنساق مضمرة خضعت بدورها لاتجاهات ترسخ للسلطات النخبوية في الحضارة العربية الإسلامية. ولهذا كان تقسيم الكتاب إلى أربعة مستويات رئيسة: أولها ذلك المستوى المتصل بتأسيس المفهوم وبواكيره، وثانيها يتناول الانحياز السلبي ضد العامة: دلالات وإيحاءات، ثم جاء المستوى الثالث عن مفهوم "العامة"، من خلال توليد الحكايات وتأويلها. أما المستوى الرابع فهو متصل بتلاشي المفهوم وانحساره. وتميّز المستوى الأول – كما يقول العدواني – في كونه كَشفَ عن التمثيلات الإيجابية، التي وُجدت في النصوص المؤسسة في الثقافة العربية، وعقدَ تحليلاً ثقافياً مقارناً من منظور معاصر لتناول تلك الحقب في الحضارة العربية، مع أنظمة حضارية موازية، وكان ذلك من خلال مقارنة مفهوم "العامّة" بمفهوم "الجماهير".   

هُم للغرق أقرب

ويلاحظ المؤلف أن كتب التراث العربي تتداول مفهوم "العامّة" في حقول شتى؛ إذ يمكن وصف هذا التداول بالكثيف الذي لا يمكن حصره، لكنه تداول يظل حاملاً إشكالاته التاريخية والتأويلية، التي ينبغي التوقف عندها، والتعمق في تحليلها، ومن ثم محاولات الكشف عن مضمراتها. ويضيف في هذا الصدد: "من الطريف أن نشير إلى ما يفصح عن مضمرات ثقافية متوارثة من مصادر متنوعة؛ وذلك بأن نستهل أولاً بما يرد في معاجم اللغة في تعريف مفردة العامة؛ إذ هي في صيغتها الأولى "عيدان مشدودة تُركَب في البحر ويُعبر عليها". ويتواتر ذلك الوسم في المعاجم اللغوية العربية، فنرى ما يتجلى في الاقتباس منها، وذلك لكونهم يعبرون من خلالها وربما عليها، لذا فلا يتحقق وجودها إلا بوجود أولئك الآخرين: "وحكى الأزهري عن أبي عمرو: العامّة: المعبر الصغير يكون في الأنهار، وجمعه عامات. قال ابن سيده: والعامة هنَّة تتخذ من أغصان الشجر ونحوه، يُعْبر عليها النهر، وهي تموج فوق الماء، والجمع عَامٌ وعُومُ. وقال الجوهري: العامة الطَّوْف الذي يُركب في الماء".

وقد يعد هذا التعريف – بحسب المؤلف - تفسيراً أولياً، يتلاءم مع الموقع الثقافي لطبقة العامة، على أساس كونها لا يمكن الاستغناء عنها في بناء المجتمعات، لكنها تعاني من كونها تشبه تلك العيدان المكونة للطريق التي يُعبر عليها للوصول إلى أهداف تحددها النخب، تدويناً وسلطة، إنها تمثل الجسر الذي تمتطيه شرائح أخرى في سبيل الوصول إلى غاياتها فهم مثل العيدان المشدودة إلى بعضها للعبور عليها، إنهم مرحلة من مراحل تجاوز الخطر لغيرهم، وهم يمثلون القرب من الخطر نفسه بكل اقتدار، هم للغرق أقرب منهم للنجاة، مقابل تلك الشرائح التي تمتطيهم، وتجتاز الخطر بهم وعليهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولاحظ العدواني أن ورود مفهوم "العامّة" كان في حقبة صدر الإسلام وما تلاها نادراً جداً، فجاء في بداياته في تمثيلات إيجابية غير منحازة. وكان التركيز على المساواة والحقوق لكل أفراد البيت الإسلامي الجديد، كفيلاً باستبعاد التمثيل السلبي للمفهوم في تلك الحقبة. وكان لتواصل الثقافة العربية مع غيرها من الأمم دوره الأكبر في تحميل المفهوم بإيحاءاته السلبية. وأكثر الأمم تواصلاً مع الثقافة الإسلامية آنذاك كانت الثقافة الفارسية التي لم تتعاط الديمقراطية كالحضارة اليونانية، ولذا استعير المفهوم محملاً بتمثيلاته السلبية التي طغت على السلوك القصصي والمصنفات الأخرى في الحضارة العربية.

وتمثل كتب التاريخ من خلال القص أكثر البؤر انتشاراً لشيوع التمثيلات السلبية لمفهوم العامة، لاعتمادها على الوصف والسرد. ولاحظ العدواني أنه كلما تباعدت سلطة الدولة عن الديمقراطية في حضارة ما، زادت نسب تجاهل العامة ووسمها بأقذع الصفات وأسوأ السمات وانعكس ذلك في صور سلبية للمفهوم، ولعل ذلك عائد إلى احتكار النخب للكتابة في تلك العصور، وأدوارها في الانتصار للسلطة. ولاحظ العدواني أن الشِعر، وهو الجنس الأدبي الأشهر عند العرب، أهمل التفاعل مع العامّة. وبدا ذلك خاضعاً للمنظور النخبوي الذي رسّخ له الشعر، وأحادية التعبير التي يرتهن إليها. ومع أن القص العربي قد استحضر هذا المفهوم إنتاجاً وتلقياً، إلا أن حضور العامة في ذلك القص المدون في الحقب السابقة كان حضوراً تابعاً للشعر؛ إذ طغت عليه التمثيلات السلبية منذ زمن.

واضح ومستتر

ويتوافق ذلك - كما يرى العدواني - مع الزمان والمكان المستهدفيْن في القص. فلم يتباعد القص عمّا ورد في كتب الفقه والتفسير في العصور المتأخرة، بل جاء مرسخاً لما أثير فيها من خلال تحديده لأبرز تلك السمات الواضحة المعلنة والخفيّة المستترة. ومع ذلك - يضيف المؤلف - فإنه يمكن القول: يحمد للقص احتفاظه بذلك الموروث، وتفاعله مع بعض التمثيلات الإيجابية أو السلبية للعامة. رسخ القص العربي من خلال تحديده هذا المفهوم شخصية "العامّة" بصورة متكاملة ودقيقة، من خلال محاور أبرزها: تكرار ذكرهم بكثافة في الأحداث غير المنتظمة؛ إذ لا يظهرون إلا في حال عدم الاستقرار، ولا رئيس لهم، ولهم علاقاتهم المباشرة بالفتنة، ونجح القص في تحديد عدد من السمات السلبية للعامة التي توصف بكثرتها، والإيجابية التي يمكن أن توصف بندرتها، ومن ثم كانت التمثيلات السلبية للمفهوم بلا حدود، وقد يعود ذلك إلى كون القص قد سايرَ بامتياز ثقافة النخب في تمييزها ضد العامة.  

أما المستوى الأخير فقد تناول ملمحاً مهماً مستلهماً اتجاهات النقد الحديث تجاه النخب الثقافية، رغبة منها – كما يوضح العدواني - في كشف ما تمارسه تلك النخب في تعاملها وكيف تبني الأوهام لها، وتؤسس أبنية الدفاع عنها ولذا كان هاجس عدد من الباحثين العرب في العصر الحديث تفكيك أوهام النخبة وانحيازها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة