الإدارة الأهلية في السودان... صوت يعلو في المحن وينخفض في السلم

يهدف إلى تنظيم سبل التعايش السلمي ومراقبة الخدمات وحل النزاعات

لا يمكن انكار الدور الايجابي الذي تلعبه الادارة الاهلية في تماسك الجبهة الداخلية (أ.ف.ب)

تعرف الإدارة الأهلية في السودان، بأنها نظام أهلي مجتمعي يهدف إلى تنظيم سبل التعايش السلمي، ومراقبة الخدمات وحلحلة النزاعات وسيادة القانون وفق الأعراف ورعاية العلاقات الودية بين مناطق التماس القبلي.

ولا يختلف اثنان في ما تقوم به من أدوار تسهم في حفظ الأمن والاستقرار، فضلاً عن كونها تمثل الضامن الحقيقي لتنفيذ بنود الاتفاقيات الأهلية بين القبائل والأفراد، لكن كغيرها من الأنظمة المجتمعية، تباينت الآراء حول مواقفها وأدوارها تجاه الوطن وقضاياه الملحة طيلة العهود السابقة، فهناك من ينظر إليها كمجرد بوق للأنظمة الشمولية التي تستخدمها لتحقيق أجندتها السياسية مقابل مصالح شخصية، فيما يعتبرها آخرون بأنها تمثل إحدى الأدوات المهمة لتماسك الوحدة الوطنية وأن مكانتها لا يستهان بها.

ترسيخ القبلية

يقول الخبير في الشؤون الاجتماعية إبراهيم عويس، "تقوم الإدارات الأهلية في عموم مناطق السودان بدور كبير لا يمكن الاستهانة به بخاصة في مجال السلام والتعايش السلمي بين مكونات المجتمع، فمن لا يعرف السودان يجب أن يستوعب أنه دولة تتداخل فيها العلاقات العشائرية مع السلطة كما يعرف باللاشعور السياسي".

ويضيف "صحيح أنه خلال العهود السابقة خصوصاً الشمولية تعرضت هذه الإدارات إلى عمليات تحجيم وتسييس، ما حدّ من فاعليتها ودورها المنوط به في المجتمع، فمثلاً في عهد الرئيس السابق جعفر نميري (1969-1985) جرى تصفية نظام الإدارة الأهلية واستعيض عنه بقانون الحكم الشعبي المحلي، أما في فترة نظام الرئيس السابق عمر البشير (1989-2019) فسُيّست الإدارة الأهلية وبات هناك إدارة أهلية انتهازية لأن نظام البشير خلق معها تحالفات مصالح اقتصادية وأمنية عميقة، فضلاً عن استخدامها في ترسيخ القبلية".

ولفت عويس إلى محاولات استعانة المجلس العسكري الانتقالي ممثلاً في نائب رئيس المجلس محمد حمدان دقلو الملقب بحميدتي بالإدارات الأهلية خلال أزمته الأخيرة مع قوى الحرية والتغيير لاستخدامها لتأدية مهمة محددة، هي إضفاء الشرعية الشعبية والسياسية على القوى العسكرية ومن ثم السيطرة على الحكم وإقصاء المدنيين الذين يطالبون بسلطة مدنية.

ونوّه بأن المرحلة المقبلة تتطلب تفعيل دور الإدارة الأهلية واستعادة مكانتها على أسس ديمقراطية وهو ما يتطلب فصل السلطة القضائية عن الإدارة بحيث حتى ولو استمرت الحاجة إلى محاكم أهلية لا يجمع بين السلطتين، وأن يخضعا للمحاسبة والتعيين لجهتين مختلفتين، في الإدارة للجماهير، وفي القضاء للسلطة القضائية والتي تراجع الأحكام وتشرف عليها.

مستنقع الصراعات

في المقابل، يشير المحلل السياسي بدوي موسى إلى أن الإدارة الأهلية في السودان، تعد بمثابة مجالس قبلية وتتمتع بمكانة كبيرة وسط المجتمع السوداني، فهي تقوم بمهام محلية تعجز الدولة في المركز عن القيام بها ما جعلها سلطة نافذة بين السكان بخاصة في الأقاليم، موضحاً أنه على الرغم من سهام النقد التي وجهت إلى الإدارة الأهلية والتشكيك في دورها في عهد النظام السابق إلا أنه يحفظ لها عدد من المواقف المشرفة في حفظ النسيج الاجتماعي والحيلولة دون الانزلاق في مستنقع الصراعات القبلية في الكثير من أنحاء البلاد.

ويضيف "لقد سجل عدد من النظار والعمد مواقف مشرقة برفضهم الانصياع إلى رغبات نظام البشير السابق وجاهروا بشجاعة عن مواقفهم وفي سبيل ذلك تعرضوا لحرب شرسة أفقدت عدداً منهم مناصبهم"، مؤكداً أهمية العمل على إعادة دور الإدارة الأهلية مجدداً كما في سابق عهدها باعتبارها لاعباً رئيساً في تسيير دفة الحياة اليومية وسط المجتمع وبالتالي تسترد ثقة المواطن، حيث كانت قبل حكومة البشير تقف على خط الحياد ويعمل نظارها وعمدها في خدمة المواطن بتجرد تام بعيداً من خدمة أجندة سياسية وشخصية، لكن للأسف أن بعض ضعاف النفوس من الإدارات الأهلية انصاع وراء المصالح الشخصية وتماهى مع من بيده السلطة والمال، لذلك تجد عامة الناس يطلقون على بعضهم "شعب كل حكومة".

الإصلاح الحقيقي

في سياق متصل، يوضح أستاذ الاتصال الجماهيري الدكتور النور عبدالله أن لا أحد يستطيع انكار دور الإدارة الأهلية في تماسك الجبهة الداخلية وتحقيق الأمن والسلام في ربوع السودان المختلفة، وهو جهد لا يقاس بثمن إذا نظرنا إلى مخاطره وسلبياته على المجتمع خاصة وأن السودان بلاد شاسعة لا تتوفر فيها في كثير من أنحائها أجهزة الدولة القضائية والنيابية.

 لكن في الوقت ذاته هناك مآخذ كبيرة على رجالات هذه الإدارات، أبرزها تقلب ولاءات بعضهم من نظام إلى آخر مما يفقدهم دورهم الحقيقي واحترام المجتمع لهم، وبالتأكيد هذا لا يقلل من شأن بعض منهم فهناك أيضاً نظار وعمد وقفوا على مر الأنظمة على مسافة واحدة من المكونات السياسية والحكومة وعدم انحيازهم إلى أحد من الأطراف حفاظاً على مكانتهم بوصفهم رجال إدارة أهلية.

ويوضح عبد الله أن الإدارة الأهلية بحاجة ماسة إلى الإصلاح الحقيقي لتمارس دورها المطلوب الذي فقد عن قصد في عهد النظام السابق بخاصة، أن السودان مقبل على عهد جديد قائم على الديمقراطية والشفافية وهو ما يتيح لرجال الإدارات الأهلية القيام بأدوار إيجابية عدة خصوصاً من ناحية تحقيق السلام الذي يشكل الملف الأهم للحكومة الانتقالية المقبلة التي حددت له الأشهر الستة الأولى لحسمه وعودة حاملي السلاح إلى وطنهم والمشاركة في الحياة السياسية، وإنهاء حالة الصراعات والتفرغ لبناء السودان اقتصادياً واجتماعياً.

محاكم أهلية

أنشئت الإدارات الأهلية ما بين عامي 1937 و1942 خلال فترة الحكم الثنائي المصري البريطاني للسودان، وتتمتع بسلطات لتوفير الخدمات الاجتماعية في المناطق داخل نطاق الإدارة المحلية لمعاضدة مجالس المحافظات المشرفة على أنشطة خارج نطاق الدارة المحلية.

ومنذ تلك الفترة اعتمد السودان نظام الإدارة الأهلية التقليدية المكون من شيوخ العشائر ووجهاء المجتمع أصحاب النفوذ والمكانة القبلية، والذي تدرج من المستوى الأدنى (المشايخ، فالعمد، ثم النظار)، فيما تختلف مسميات قيادات الإدارة الأهلية من منطقة لأخرى ففي غرب السودان تستخدم القبائل العربية المسميات ذاتها، بينما تستخدم قبائل الفور ألقاب (الشرتاي، والدمنقاوي، والفرشة)، أما قبائل المساليت فتطلق على زعمائها لقب (السلطان).

وبموجب هذا النظام منح زعماء القبائل المحليون سلطات قضائية وإدارية ومالية، وعليه انتشرت المحاكم الأهلية التي تعرف بمحاكم النظار والعمد، وقد دعمت الأنظمة المتعاقبة على البلاد هذه الهياكل التي تهدف إلى تنظيم سبل التعايش السلمي ومراقبة الخدمات وحل النزاعات ورعاية العلاقات الودية بين مناطق الالتماس القبلي.

المزيد من العالم العربي