Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تفكيك الأسلحة الكيماوية من الذريعة الأخلاقية إلى الحاجة العسكرية

هل تخلصت الولايات المتحدة من مخزونها من الذخائر الفتاكة القديمة أم استبدلت به ما هو أحدث وهل يقدم "الفقراء" على التخلي عن أسلحة التهديد والردع التي يمتلكونها؟

مع بداية شهر يوليو (تموز) الجاري جاءت الأخبار من الولايات المتحدة تفيد بقيام فرق متخصصة من الجيش الأميركي بتفكيك وتدمير آخر مخزون ترسانة أميركا من الأسلحة الكيماوية.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" فإن ذخائر مخزنة تعود لنحو سبعة عقود خلت، مليئة بغازات قاتلة، يجري تفكيكها وغسل المواد منها، ومن ثم إدخالها في فرن خاص درجة حرارته تجاوز 1500 فهرنهيت (815 درجة مئوية)، لتخرج بعدها كقطعة خردة خاملة.

وصف نائب وزير الدفاع الأميركي كينغستون ريف صوت سقوط الذخائر بعد خروجها من الفرن وكأنه صوت "احتضار السلاح الكيماوي".

عبر عقود تراكم مخزون الأسلحة الكيماوية الأميركية، وكان يضم قنابل عنقودية وألغاماً أرضية مليئة بغاز الأعصاب وقذائف مدفعية تغطي غابات بالغاز السام، وسموماً سائلة يمكن حملها ورشها عبر الجو بالطائرات.

يعود تاريخ حيازة أميركا لهذا النوع من الأسلحة إلى زمن أول حرب عالمية، وقد وصفت بأنها غير إنسانية.

ما الأسلحة الكيماوية، وهل كانت أميركا فقط من امتلك هذه النوعية القاتلة والمدمرة من الذخائر، أم أن هناك بلداناً مثيلة لها، وهل ستتخلص تلك الدول أيضاً من هذا السلاح الفتاك؟

ثم يظل هناك تساؤل لا يقل أهمية: هل هناك تداخل أو تشابك ما بين الأسلحة الكيماوية والأسلحة البيولوجية؟

وعديد من التساؤلات المثيرة للتفكير التي نتعرض لها في هذه القراءة.

عن ماهية الأسلحة الكيماوية

بحسب اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، فإن ذلك النوع من أسلحة الحرب الفتاكة يتضمن كل المواد الكيماوية السامة وأشباهها، عند استخدامها لأغراض ممنوعة.

ولعل المفهوم الشائع للأسلحة الكيماوية أنها عبارة عن مواد كيماوية سامة توضع في نظام تسليم مثل القنبلة أو القذيفة المدفعية.

هنا ربما يكون هذا صحيحاً من الناحية التقنية، لكن هذا التعريف المستند إلى هذا المفهوم لا يغطي إلا مجموعة صغيرة من الأشياء الكثيرة المتنوعة التي تمنعها اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية بوصفها "أسلحة كيماوية".

والمثير أنه في الوقت الذي يتوقف تعريف الأسلحة الكيماوية عند منع إنتاج أو تخزين الأسلحة الكيماوية، فإنه لا يقيد حق أي دولة أو طرف في إنتاج واستخدام هذه النوعية للأغراض السلمية أو حيازة الأسلحة التقليدية وأنظمة التوصيل المرتبطة بها والاحتفاظ بها.

تنقسم الأسلحة الكيماوية إلى فئتين: أسلحة كيماوية أنتجت قبل عام 1925، وأخرى أنتجت في الفترة بين عامي 1925 و1946، والتي تهالكت لدرجة أنه لم يعد من الممكن استخدامها.

يمكن إتلاف الأسلحة الكيماوية القديمة من الفئة الأولى أو التخلص منها كنفايات سامة وفقاً للقوانين الوطنية للدولة أو الأطراف ذات الصلة، بعد أن تؤكد الأمانة الفنية لمنظمة الأسلحة الكيماوية أنها قد أنتجت بالفعل قبل عام 1925.

فيما ينبغي تدمير تلك التي تندرج تحت الفئة الثانية من الأسلحة الكيماوية القديمة وفقاً للشروط نفسها التي تنطبق على الأسلحة الكيماوية الأخرى على رغم أن إمكانية تغيير القيود الزمنية وأمر الإتلاف تبقى رهناً بموافقة الجهات المعنية.

وباختصار غير مخل، بحسب التعريف العلمي للسلاح الكيماوي، فإنه أي سلاح يستخدم مادة كيماوية مصنعة لقتل الناس.

ماذا عن بداية استخدام تلك الأسلحة وما أخطر أنواعها؟

بداية المأساة من عند غاز الكلور

كان أول سلاح يستخدم بفاعلية في المعارك هو غاز الكلور، ذاك الذي يحرق ويدمر أنسجة الرئة. والمثير أن الكلور ليس مادة غريبة، فمعظم أنظمة تكرير المياه تستخدمه حتى يومنا هذا لقتل البكتيريا، ومن السهل تصنيع غاز الكلور من ملح المائدة العادي.

وتميل الأسلحة الكيماوية الحديثة إلى التركيز على عناصر تحمل قوة قتل على نطاق أكثر اتساعاً، وهذا يعني أنه يستهلك أقل قدر ممكن من المادة الكيماوية لقتل العدد نفسه من الناس.

ماذا عن أخطر أنواع الأسلحة الكيماوية؟

ـ غاز الخردل: يعد الأكثر فتكاً ووحشية في ميادين المعارك عبر التاريخ الإنساني، فهو يحرق الجلد، ويدمر أنسجة الرئة، ويؤدي للوفاة بين كثير من المصابين، وإن كان أقل فتكاً من المواد التي تهاجم الجهاز العصبي للإنسان.

ـ غاز السارين: هذا بمجرد دخوله جسم الإنسان يفتك بالخلايا العصبية، ويقطع تواصل بعضها بعضاً في الجسد الواحد، ويؤدي إلى انكماش العضلات، من دون أن يمكن السيطرة عليها، وفي نهاية المطاف يموت المرء من الاختناق لأن الحجاب الحاجز يعتبر من العضلات، ويظهر مفعول السارين في خلال خمس إلى 12 ساعة.

ولعل كارثة السارين أنه لا توجد صعوبة في تصنيعه، وإذا كان هناك شخص محاصر في مكان مغلق مساحته متر مكعب واحد مع 100 ملليغرام من السارين في الهواء، فإنه سيستنشقه ويقتله خلال 60 ثانية.

ـ في إكس: تعمل هذه المادة بطريقة غاز السارين نفسها، لكن في شكل سائل، في حين يتبخر السارين، وتصل سمية "في إكس" عشرة أضعاف السارين. إن ملامسة 10 ملليغرامات فقط لبشرة شخص ما تؤدي إلى قتله، كما توجد مادة "في إكس" في هيئة سائل لزج يلتصق بأي شيء تقع عليه. وقد أنتجته الولايات المتحدة الأميركية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

ـ نوفيتشوك: تركيبة كيماوية تهاجم الأعصاب ويتم تصنيعها من خلال خلط مادتين كيماويتين عاديتين، ومنذ عام 1990 كان هناك ثلاثة إصدارات من مادة نوفيتشوك، وإن كان غير معروف قدر توافر هذه المادة عند الدول المعاصرة.

ـ سيكلوسارين وسومان: السيكلوسارين عامل عصبي يعمل بطريقة غاز السارين نفسها، غير أن سميته أشد، ويؤدي إلى الوفاة خلال دقيقة واحدة.

أما السومان فيتفوق على السارين، إذ يظهر مفعوله القاتل بشكل أسرع، أي خلال 40 ثانية إلى 10 دقائق ويتعادل في درجة السمية مع سيكلوسارين، وقد تراكم عند الاتحاد السوفياتي مخزونات كبيرة من سومان، تم إنتاج كميات كبيرة منه إبان الستينيات من القرن الماضي.

ـ فوسيجين: يعتبر الأخطر حتى اليوم، ويعد من أشد الغازات المستخدمة في الحروب فتكاً، ويصنع من مركبات البلاستيك وكلورينات الهيدروكربونات بتعريضها لدرجات حرارة مرتفعة.

الأكثر خطورة هو أنه يمكن تصنيعه منزلياً، بتعريض غاز الكرولوفورم للأشعة فوق البنفسجية لبضعة أيام. يستهدف الفوسيجين الجهاز التنفسي فتبدأ أعراض التعرض له بالسعال الحاد والاختناق ثم ضيق التنفس والغثيان، وهي أعراض تظهر بسرعة لكنها تتفاقم لأن المصابين يستمرون باستنشاق الغاز.

الأسلحة الكيماوية بين حربين عالميتين

لا تبدو الأسلحة الكيماوية قصة جديدة في تاريخ الجنس البشري، فهناك حكايات قديمة عن شعوب استخدمت السموم في حروبها، وبشكل مكثف لتعميق خسائر الأعداء، وفي القرون الوسطى اقترح المخترع الرسام الإيطالي الشهير ليوناردو دافنشي أفكاراً تقضي باستخدام عناصر سامة لا سيما الزرنيخ بهدف إنتاج أسلحة فتاكة تستخدم في مواجهة الأعداء.

غير أن التأريخ الحديث للأسلحة الكيماوية يبدأ حكماً من عند الحرب العالمية الأولى، حين استخدمت ألمانيا غازات سامة ضمن أسلحتها في معركة بوليمو الشهيرة في يناير (كانون الثاني) من عام 1915.

لم تكن المواد الكيماوية بعيدة من بقية الجيوش المتحاربة، فقط كانت تنتظر ضربة البداية من ألمانيا، إن جاز التعبير.

بدأت الأطراف المتحاربة تالياً بدورها الدخول بقوة في هذا السياق، لا سيما الجيش الروسي، خصوصاً أن الروس هم الأكثر خبرة وشهرة بتلك الأسلحة عطفاً على السموم.

استخدمت من ثم مواد كيماوية تجارية معروفة في القنابل اليدوية والقذائف المدفعية، إضافة إلى غاز الكلور والفوسجين والخردل.

كانت نتيجة معارك الأسلحة الكيماوية في الحرب العالمية الأولى قرابة 100 ألف قتيل، ونحو مليون مصاب، وهي أعداد هائلة بحساب الأرقام الديموغرافية في ذلك الوقت.

على أنه من المثير على رغم التطورات التي أدخلت على الأسلحة الكيماوية، واستخداماتها خلال الحرب العالمية الأولى، فإنها لم تستخدم في الحرب العالمية الثانية، وهو أمر لافت.

رفض هتلر استخدام غاز السارين، على رغم امتلاك ألمانيا كميات هائلة منه، وكان لها أن تقلب مسارات الحرب العالمية الثانية دفعة واحدة.

جاء اكتشاف غاز السارين على يد عالم الكيمياء الألماني جيرهارد شريدر عام 1926، وأثناء عمله داخل مختبره على إنتاج مبيد بمحض الصدفة.

بحسب بعض المؤرخين، رفض هتلر استخدام غاز السارين في مواجهة قوات الحلفاء، وقد كان لدى ألمانيا نحو 12 ألف طن منه.

رفض هتلر كان وراءه تجربة شخصية سيئة، ذلك أنه حين كان مجنداً في الجيش الألماني تعرضت فرقته لهجوم بغاز الخردل تسبب في إصابته بأضرار في عينيه نقل من جرائها إلى المستشفى.

وهناك تفسير آخر يقول إن هتلر أحجم عن استخدام ذلك السلاح الفتاك خوفاً من ردود فعل قوات الحلفاء، والتي لم يكن ليردعها شيء عن الانتقام.

من فيتنام مروراً باليمن ثم العراق وإيران

حين يغادر المرء ساحات الحربين العالميتين الأولى والثانية يجد بضع ساحات أخرى كانت مأسوية بالفعل، حيث شهدت امتهانات لكرامة الإنسان، من جراء استخدام أسلحة كيماوية.

الساحة الأولى كانت في فيتنام، حيث ناصرت الولايات المتحدة الأميركية قوات الجيش الفيتنامي الجنوبي، فيما قوات فيتنام الشمالية دعمتها الصين والاتحاد السوفياتي.

استخدمت قوات الجيش الأميركي سلاحاً كيماوياً عرف باسم "العامل البرتقالي"، وهو عبارة عن غاز الديوكسين (مبيد أعشاب ونازع لأوراق الشجر) من أجل حرق الغابات لتسهيل العثور على الجنود الفيتناميين المختبئين بها، حيث قامت الطائرات المروحية الأميركية برش نحو ثمانين مليون ليتر من العامل البرتقالي فوق جنوب فيتنام في الفترة بين 1962 و1971.

اعتبر استخدام أميركا العامل البرتقالي في حرب فيتنام نقطة عار لن تمحى من الثوب الأميركي أبد الدهر، فقد كان من نتائجها حدوث تشوهات خلقية لدى أطفال الضحايا إضافة إلى تسميم المنطقة، وعند نهاية الحرب الفيتنامية حاولت واشنطن تدمير قاعدة "بين هوا" الجوية، والتي كانت تستخدم بمثابة مستودع رئيس للعامل البرتقالي، لكن المادة السامة تسربت إلى خارج القاعدة، ومن ثم انتشرت في المياه الجوفية والأنهار.

كان هذا العامل وبالاً على الفيتناميين، فقد تعرضت بضعة ملايين منهم لتشوهات خلقية وولدت أجيال بإصابات جسدية، كما أن التربة الفيتنامية بدورها امتلأت بالسموم أكثر من 400 ضعف المستوى المقبول.

كان نصيب العالم العربي ومن أسف واضحاً في هذه المأساة الكيماوية، فقد تم استخدام تلك الأسلحة الكيماوية خلال الحرب الأهلية في اليمن في الفترة ما بين 1963 – 1967.

وعلى رغم اختلاف التقديرات حول الوفيات والإصابات، فإنها بحال من الأحوال لا تقل عن 1500 قتيل ومثلهم مصاب.

على الطرف الأقصى من أفريقيا، وتحديداً عند منطقة الريف المغربي، قصفت إسبانيا المنطقة بغاز الخردل عام 1924، رداً على الهزيمة التي تلقتها في معركة أتوال التي خسرت فيها أكثر من 13 ألف جندي على يد مقاومي الريف بقيادة محمد عبدالكريم الخطابي.

كانت إسبانيا قد تلقت دعماً بحثياً من ألمانيا، مكنها من حيازة أسلحة كيماوية قاتلة.

ولعله مما لا يمحى من التاريخ الإسباني أنها كانت تبحث عن أماكن مليئة بالسكان لتقصفها.

وعلى رغم أن الإسبان حتى الساعة يرفضون الاعتراف بهذه العمليات الكيماوية ضد الريف المغربي، فإن جمهور الخبراء وكثيراً من الدراسات تقطع بحدوث ذلك.

وبالانتقال إلى زمن الحرب العراقية الإيرانية، يجد الباحث نفسه أمام واحدة من أخطر الصولات والجولات التي استخدمت فيها هذه الأسلحة الجهنمية، وقد راح ضحيتها على الجانبين العراقي والإيراني الآلاف من القتلى.

وفي الأيام الأخيرة من تلك الحرب، وتحديداً في 16 و19 مارس (آذار) من عام 1988، شن النظام العراقي هجوماً كيماوياً على مدينة حلبجة الكردية في الشمال.

قتل في ذلك الهجوم أكثر من 5500 كردي عراقي من أهالي المدينة، وأصيب الآلاف معظمهم من المدنيين.

فيما آخر المعارك الكيماوية زمنياً ربما جرت بها الأقدار في دارفور، فقد اتهمت منظمة العفو الدولية حكومة الرئيس السوداني المعزول عمر البشير باستخدام أسلحة كيماوية في هجومها ضد بعض القبائل الدارفورية.

وخلال الاضطرابات الدائرة في سوريا منذ عام 2011 وجهت اتهامات إلى النظام في دمشق باستخدام الأسلحة الكيماوية في أكثر من موقع في أوقات متفرقة، ووصلت بعض القضايا إلى المحاكم الدولية، فيما يتهم النظام معارضيه بتلفيق تلك الأحداث، أو افتعالها بشكل مقصود. وتؤكد دمشق أنها سلمت ما كانت تمتلكه من أسلحة كيماوية إلى روسيا ليتم التخلص منها.

روسيا وأوكرانيا... الكيماوي قبل النووي

حديث الأسلحة الكيماوية قد يكون على الأبواب مرة جديدة هذه الأيام، لا سيما إذا استخدمت أوكرانيا القنابل العنقودية التي ستزودها بها الولايات المتحدة الأميركية.

يتساءل المراقبون: كيف سيجيء الرد الروسي؟

يمكن للروس أن يردوا كما أشار إلى ذلك وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو من خلال أسلحة عنقودية أشد فتكاً تمتلكها بلاده.

ووارد كذلك حال سقوط عديد من الإصابات بين المدنيين الروس أن تعمد موسكو إلى استخدام أسلحتها النووية التكتيكية.

غير أنه لتفادي التصعيد النووي، وقطعاً لطريق الوصول إلى الأسلحة النووية الاستراتيجية، ربما تجنح القيادة الروسية إلى استخدام الأسلحة الكيماوية في مواجهة الأوكرانيين.

ولعله من المؤكد أن المساحة الفاصلة بين الأسلحة البيولوجية والأسلحة الكيماوية ليست كبيرة بشكل أو بآخر، بل إن هناك مزاعم روسية بأن أوكرانيا تخطط لتطوير أسلحة بيولوجية، فيما الحواضن الغربية تعتبر الأمر بمثابة مبررات روسية لاستخدام الأسلحة الكيماوية في مواجهة الأوكرانيين.

هل لدى روسيا مزيد من الأسلحة الكيماوية؟

رسمياً تقول موسكو إنها دمرت آخر مخزوناتها من الأسلحة الكيماوية في عام 2017.

غير أنه منذ ذلك الوقت، وقع هجومان كيماويان في الأقل ألقي فيهما باللوم على موسكو.

حدث الهجوم الأول في منطقة سالزبوري في إنجلترا في مارس (آذار) 2018، عندما تم تسميم ضابط الاستخبارات السوفياتي السابق والمنشق سيرغي سكريبال مع ابنته عبر استخدام غاز الأعصاب "نوفيتشوك".

نفت روسيا ذلك رسمياً، وقدمت طائفة واسعة من الأسباب التي تجعل آخرين كثر يمكنهم القيام بذلك.

غير أن كبار المحققين الغربيين، أميركيين وأوروبيين، قطعوا بأن العمل من فعل ضابطين من الاستخبارات العسكرية الروسية، وكان من نتيجة ذلك طرد 128 دبلوماسياً روسياً من دول عدة، بلغ الظن بهم كونهم جواسيس وليسوا دبلوماسيين.

أما الاتهام الثاني الذي ربط بين الروس والأسلحة الكيماوية أخيراً فقد كان بسبب محاولة تسميم الناشط المعارض الروسي البارز أليكسي نافالني بالمادة نفسها، فيما كان حظه أفضل لينجو بصعوبة.

هنا ربما ينبغي الإشارة إلى أن كثيراً من الشبهات قد حامت من حول نظام الرئيس بوتين، والذي ساعد على استنقاذ رئيس النظام السوري بشار الأسد عندما اتهم باستخدام الأسلحة الكيماوية، لكن المشكلة المتعلقة بروسيا تظل موصولة بالوضع في أوكرانيا، وما إذا كانت روسيا ستستخدم أسلحة غازات سامة في حربها هناك، وبخاصة في ضوء التسليح المكثف التقليدي وغير التقليدي من الغرب لكييف.

قد يكون من الوارد جداً أن يمضي الروس في ردود فعل متدرجة من عند أسلحة عنقودية مشابهة، مروراً بأسلحة كيماوية وصولاً إلى النووي التكتيكي ثم الاستراتيجي.

الذين تابعوا تطورات الأحداث على هذا الصعيد، لا سيما منذ شهر فبراير (شباط) الماضي، يدركون أن هناك لجنة تحقيق حكومية روسية تتحدث عن استخدام القوات الأوكرانية أسلحة كيماوية بالقرب من بلدتي سوليدار وباخموت.

لجنة التحقيق عينها ذكرت أن دونيتسك، وهي منطقة موالية لروسيا في شرق أوكرانيا، أبلغت عن استخدام طائرات مسيرة أوكرانية أسلحة كيماوية بالقرب من المدينتين.

اللجنة نفسها أضافت "نتيجة لذلك، يعاني جنود روس تدهوراً في صحتهم وأعراض تسمم" من دون تقديم تفاصيل أو تحديد المادة المشتبه فيها.

هل هي المقدمة لتفعيل الكيماوي الروسي؟

مهما يكن من شأن الجواب، فإن ردود الفعل الغربية ستكون حازمة وحاسمة باعتبار أن الروس قد تخطوا الحاجز الأحمر، وهو ما قد يشعل حرباً عالمية فتاكة تبدأ بالكيماوي وتصل إلى النووي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل بات العالم أكثر أماناً كيماوياً؟

مع إعلان الولايات المتحدة الأميركية عن تدمير مخزونها من الأسلحة الكيماوية، بات التساؤل على ألسنة الجميع: هل بات العالم الآن أكثر أماناً، وأن شراً مستطيراً قد تم حذفه من قائمة الموت؟

يرى أصحاب التفسير التآمري للتاريخ أن واشنطن ما كانت لتتخلص من ترسانتها الكيماوية أبداً، لا سيما أنها إحدى أدواتها القتالية الشاملة.

هؤلاء يقطعون بأن ما حدث هو إعلان تدمير الأسلحة الكيماوية القديمة، بالضبط كما فعل الروس عام 2017، بينما الحقيقة أن ما جرى هو فقط إحلال وتبديل، بين نوعيات قديمة وأخرى حديثة لم يتم الكشف عنها أو التصريح بها، وربما لن ينكشف سرها في الأجل المنظور.

غير أن هناك جزئية مثيرة بدورها في سياق هذا التدمير أو التفكيك الأميركي، وهو أن العالم لم يخل بالمرة من تلك الأسلحة، وأن هناك كثيراً من الدول لا تزال تمتلك تلك الأسلحة، وسوف تصر على حيازتها وربما تطويرها... لماذا؟

ببساطة شديدة لأنها البديل المتاح لأسلحة الدمار الشامل النووية، أي إنها أسلحة الفقراء للردع، ومن هنا للمرء أن يتفهم صعوبة الاستغناء عنها مرة وإلى الأبد.

يمكن للأميركيين والروس أن يستغنوا عما لديهم من عبوات كيماوية، ذلك أن هناك لديهم من النووي ما يكفل الرد، أما الفقراء فلا.

هل قول نائب وزير الدفاع الأميركي كينغستون ريف إن "100 في المئة من الأسلحة الكيماوية المعلنة في العالم قد تم تدميرها الآن" قول ملغوم؟

ذلك كذلك فعلاً وقولاً، فالرجل يقول "المعلنة"، أما غير المعلنة فأمرها مطوي حتى إشعار آخر غربي أو شرقي.

المزيد من تحقيقات ومطولات