السودانيون منقسمون بين "الإقصاء" و"الحكمة" في تطهير مؤسسات الدولة

عقبة بارزة أمام الحكومة الانتقالية المتوقع تشكيلها في مطلع سبتمبر

المتظاهرون السودانيون يلوحون بالأعلام السودانية أثناء احتجاجهم أمام وزارة الدفاع في الخرطوم في 17 أبريل 2019 (رويترز)

يُعد تطهير الخدمة المدنية والعسكرية في السودان من العناصر التابعة لنظام الرئيس السابق عمر البشير، الذي أطاحت به ثورة شعبية في 11 أبريل (نيسان) 2019، من أكبر العقبات التي تواجه الحكومة الانتقالية الجديدة التي ستُشكل مطلع سبتمبر (أيلول) 2019. وأصبح هذا الموضوع حديث الساعة في أروقة المجتمع السوداني الذي ينقسم حول آليات التعامل مع هذه القضية. هناك من يدعو إلى إبعاد هذه العناصر بشكل فوري عن مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، لأنها نالت هذه الوظائف خصوصاً القيادية، من دون وجه حق وفق سياسة التمكين، بينما يشدد آخرون على ضرورة الابتعاد عن سياسة الإقصاء واتباع الحكمة والتسامح، كما فعلت دولتا جنوب أفريقيا ورواندا، باعتبار أن المرحلة المقبلة هي مرحلة بناء الدولة التي تتطلب نكران الذات وتظافر الجهود كافة، بعيداً من سياسة التشفي، على الرغم من حالة الغبن التي تسيطر على كل فرد في المجتمع.

سياسة التمكين

الباحث والمحلل السياسي شمس الدين ضو البيت، أكد أن "ملف تطهير الخدمة المدنية والعسكرية من الموالين لحزب المؤتمر الوطني، سيكون عقبة أمام الحكومة الانتقالية المقبلة، خصوصاً في بداية عملها، لأنها ستكتشف أن هيكل الدولة يُدار بجهاز تنفيذي معظمه من العناصر الموالية للنظام السابق، التي عينتها سياسة التمكين والولاء السياسي بدلاً من الكفاءة"، لافتاً إلى أن "النظام السابق استخدم ثلاث آليات لأسلمة المجتمع، هي التأصيل والتمكين والجهاد. ووفق هذا المنهج، استولى على المناصب المفتاحية في الدولة وأبعد حوالى 98 ألف موظف خلال السنوات الأربع الأولى من عمر حكومة البشير، لأسباب سياسية أو لاختلاف الرأي، ما يعادل أربعة أضعاف من جرت إحالتهم للصالح العام منذ استقلال السودان عام 1956، وجميعهم أُحيلوا وفقاً لقانون الخدمة المدنية وليس سياسياً، ما أدى إلى دمار هائل على مستوى مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وكذلك أحدث تدهوراً مريعاً في القطاعات الإنتاجية زراعية كانت أو خدماتية، إضافةً إلى انتشار حالات فساد غير مسبوقة".

وحول الآليات التي يجب اتّباعها لإصلاح الوضع الوظيفي داخل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، قال ضو البيت "هناك مجموعة من عناصر النظام السابق ستغادر طوعاً، وبالأحرى غادروا فعلاً بواسطة آلية الشرعية الثورية، إذ بادر صغار الموظفين إلى طردهم من مكاتبهم، لكونهم استلموا هذه المناصب من دون وجه حق. كما يجب أيضاً إبعاد وكلاء الوزارات ومدراء الشركات فور تشكيل الحكومة الجديدة، لأن ولاءهم لن يكون للثورة، لما وجدوه من امتيازات في العهد السابق. أما بقية الموظفين الموالين لنظام البشير، فإن قوانين الخدمة المدنية كفيلة بإبعادهم عند مراجعة مؤسسات الدولة، نظراً إلى ضعفهم الإداري وغياب عنصر الكفاءة والمؤهلات عند التعيين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


الحكمة والتسامح

في المقابل، أوضح الدكتور سعيد نصر الدين، عضو المكتب السياسي في حزب الأمة القومي والأستاذ في جامعة الأحفاد، أن "التعامل مع عناصر حزب المؤتمر الوطني خلال فترة الحكم الانتقالي، الذين حظوا بسياسة التمكين في مؤسسات الدولة في فترة حكم الرئيس السابق عمر البشير، يجب أن يكون مبنيّاً على الحكمة والتسامح وليس الإقصاء، حتى لا يفكروا في تنظيم انقلاب عسكري مرة ثانية، كما فعلت دولتا جنوب أفريقيا ورواندا، وهاتان تجربتان تناسبان السودان لإحداث تحول ديمقراطي معافى"، لافتاً إلى أن "المرحلة المقبلة هي مرحلة بناء الدولة التي تتطلب نكران الذات وتظافر الجهود كافة، بعيداً من سياسة التشفي، على الرغم من حالة الغبن التي تسيطر على كل فرد في المجتمع، وهي مرحلة صعبة بعدما تعدّينا مرحلة الثورة ومآسيها". وأضاف "على جماعة حزب المؤتمر الوطني أن يعترفوا بخطأهم التاريخي الذي ارتكبوه بحق الشعب السوداني، بتقويضهم للنظام الديمقراطي الذي كان قائماً قبل 30 يونيو (حزيران) 1989. وكذلك المطلوب منهم أن يقوموا بمراجعات حقيقية وبتغيير نهجهم الذي مارسوه في السلطة طيلة 30 عاماً، وما خلّفوه من ظلم ضد عامة الشعب السوداني، وأن يقبلوا أيضاً بالمحاكمات سبيلاً بعد اعترافهم بارتكاب جرائم ضد كل من خالفهم الرأي أو السياسة داخل مؤسسات الدولة، التي هي ملك الشعب السوداني. وبالتالي لا بد من تطبيق العدالة الانتقالية لإرساء التعافي والتصالح، وهذا هو الحل المثالي الذي يجب أن يُتّبع في الفترة المقبلة".

نهج العدالة

وأشار الدكتور نصر الدين إلى "أن الوثيقة الدستورية التي وقعها المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير أخيراً، تناولت هذه الجزئية بكل وضوح وشفافية، أي على أهل النظام السابق تفهم ضرورة المرحلة المقبلة التي ستقوم على نهج العدالة في كل شيء، وهذا يتطلب من كل شخص اكتسب أي شيء كان من غير وجه حق، وظيفة أو غيرها، أن يُعيدها إلى صاحب الحق والكفاءة، على أن تستمر العناصر ذات الكفاءة في مواقعها الوظيفية". وأوضح أن "الوثيقة اقترحت إيجاد مفوضيات مساعدة للوزارات لبناء الدولة، فضلاً عن أهمية تنظيم ورش عمل للمساعدة في عملية الانتقال السلس، بعيداً من سياسة التطهير الصارخة". كما أكد أنه "فور تشكيل الحكومة الانتقالية، ستكون هناك خطوات سريعة لتصحيح الوضع الوظيفي في القطاعات ومؤسسات الخدمة المدنية كافة، لتتمكن من أداء دورها بالكفاءة المطلوبة وبعيداً من سياسة المحسوبية التي اتّبعها النظام السابق"، لكنه لفت إلى أن "عناصر نظام البشير لم يستعيدوا رشدهم حتى الآن، ولم  يستوعبوا ما حدث من تحول ديمقراطي يتطلب العدالة في كل شيء، وكانوا معوّلين على أن تكون سلطة المجلس العسكري الانتقالي هي العليا، وبالتالي يحتفظون بمواقعهم الوظيفية".

تركة الماضي

في سياق متصل، أوضح القيادي في الحزب الشيوعي السوداني المحامي كمال الجزولي، أن رؤيته للفترة الانتقالية المقبلة تتمثل في "اعتماد ما يُسمى بالعدالة الانتقالية، وهي شكل من أشكال الممارسات العدلية غير التقليدية، التي تعتمد في الأساس على أشكال متطورة من العدالة، والتي عملت عليها أكثر من 50 دولة في العالم مثل الأرجنتين وشيلي وجنوب أفريقيا ورواندا والمغرب وغيرها، وأثبتت جدارتها في تصفية تركة الماضي المثقلة، بعيداً من الأشكال التقليدية". وقال إن "هذه التجربة التي تُعرف بممارسة الحقيقة والإنصاف والمصالحة تناسب تجربتنا السودانية خلال الفترة الانتقالية، وذلك من خلال تناول القضايا التي تركها النظام السابق"، داعياً إلى "تكوين هيئة وطنية للحقيقة والإنصاف والمصالحة، بشكل لا تكرر أو تستنسخ تجارب البلدان الأخرى، وإنما تبتدع من داخل ثقافتنا السودانية في مختلف الأقاليم، أشكالاً جديدة تصب في خانة العدالة الانتقالية". وأكد الجزولي أن "هذه التجربة ستؤدي إلى ضرب عصفورين بحجر واحد، إذ تعمل على تصفية تركة الماضي بطريقة تعتمد على الحكمة، ويكون فيها البقاء للأجدر والأكفأ والأصلح من دون النظر إلى توجهاته السياسية". وتابع أنه من خلال اعتماد هذه التجربة مع قضية التطهير في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، سيسود الاستقرار السياسي وستُبنى دولة مواطنة لا تمييز أو إقصاء فيها، يكون نهجها العدالة في كل شيء.

المزيد من العالم العربي