Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان وثورة الحرية ضحايا قتال العسكر على السلطة

تاريخ الجيش هو بشكل عام قصة انقلابات متتالية منذ ما بعد الاستقلال بقليل

حين نجحت الضغوط المحلية والإقليمية والدولية في إقناع قائدي الجيش والدعم السريع بعقد اجتماع، بدأ القتال بينهما في الفجر (أ ف ب)

كان لا بد من أن يحدث ما حدث في السودان، وهو ليس غريباً عما حدث في عواصم عربية عدة حيث تقاتلت ألوية من الجيش نفسه في الصراع على السلطة بين الضباط الكبار. سوريا شهدت في الخمسينيات أكثر من انقلاب على انقلاب أسقط الحكم المدني، وكانت مسرح صراعات سياسية بوسائل عسكرية في الستينيات وأوائل السبعينيات. العراق عانى صراع الجنرالات بعد ثورة 1958 ثم بعد ثورة البعث 1963. كذلك الجزائر بعد الاستقلال، واليمن بعد الجمهورية. حتى لبنان الذي بقي جيشه خاضعاً للسلطة السياسية، فإن الجيش انقسم خلال الحرب وشارك كل قسم منه في القتال إلى جانب طرف سياسي ميليشياوي.

ذلك أن تاريخ الجيش السوداني هو بشكل عام قصة انقلابات عسكرية متتالية منذ ما بعد الاستقلال بقليل، يفصل بين انقلاب وآخر حكم مدني قصير العمر، وقوات الدعم السريع هي وريثة ميليشيات "الجنجويد" التي ارتكبت فظائع في دارفور وصلت إلى المحكمة الجنائية الدولية، وكان إنشاء الدعم السريع بقرار من الرئيس عمر البشير لضرب معارضيه من الميليشيات، وهما معاً ركبا موجة الثورة الشعبية السلمية وأسهما في إسقاط البشير بعد أن صار عبئاً على النظام ومطلوباً من المحكمة الجنائية الدولية، ولكن بعد القمع والعنف ضد الثوار المتظاهرين على أيدي قوات الأمن، وبعد أن ارتكبت قوات الدعم السريع مذبحة في فض الاعتصام الشعبي أمام القصر الجمهوري والقيادة العامة للجيش.

حتى في أيام الشراكة مع المكون المدني في السلطة، فإن قمع المناضلين لم يتوقف تماماً، أما بعد الانقلاب بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان وإقصاء حكومة عبدالله حمدوك، فإن الانقلابيين سجنوا الأعضاء المدنيين في مجلس السيادة والوزراء ومارسوا مزيداً من القمع والعنف على المتظاهرين السلميين رفضاً للانقلاب على الثورة، وأبسط ما فعله البرهان هو إعادة جماعة البشير إلى مراكزهم التي أقصتهم عنها الثورة، وقد أخذ قائد الدعم السريع الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي" وقتاً طويلاً لكي يعترف بأن "الانقلاب كان غلطة"، وكانت تلك إشارة إلى الخلاف مع البرهان على أمور أخرى، وعلى مدى 30 سنة، فإن الضباط عملوا جميعاً للبشير وكانوا من خياره.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

الانقلاب فشل حتى في تأليف حكومة، وبالطبع في معالجة قضايا السودانيين، وكان لا بد من صيغة جديدة للشراكة مع المكون المدني تحت عنوان "الاتفاق الإطاري"، لكن توقيع الاتفاق جرى تأجيله أكثر من مرة بحجة الخلاف بين العسكر على البرنامج الزمني لدمج الدعم السريع بالجيش، وحين نجحت الضغوط المحلية والإقليمية والدولية في إقناع قائدي الجيش والدعم السريع بعقد اجتماع، بدأ القتال بينهما في الفجر، ذلك أن قيادة الجيش لا تريد التخلي عن السلطة، ولا تقبل شراكة مع قوة عسكرية إلا موقتاً وبالاضطرار، وليس "الاتفاق الإطاري" مع المكون المدني سوى خطوة تكتيكية من الجيش لتقطيع مرحلة حتى "التمكين الكامل" والانفراد بالسلطة بلا قوات دعم سريع ولا مكون مدني.

واللعبة بالغة الخطورة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وليس فقط عسكرياً، فما حصل عليه الشعب السوداني بين انقلاب عسكري وآخر، وبين حكم مدني وآخر هو سلسلة كوارث، لا تنمية اقتصادية، لا تحسين في نوعية التعليم، ولا شيء اسمه الحوكمة الرشيدة، الحريات غائبة تحت الحكم العسكري، والفوضى حاضرة تحت الحكم المدني وممارسة الديمقراطية بين أحزاب مكونة من تكتل قبائل باسم الطوائف، عمر البشير عمل بعد جعفر النميري على "أسلمة الدولة والمجتمع" من خلال أحزاب إسلام سياسي متشدد في بلد منفتح ومتعدد الطوائف، والأحزاب العلمانية قوية، لكنها تبقى خارج السلطة.

الخلاصة التي وصل إليها "المرصد العربي" من خلال استطلاعات الرأي هي أن "العرب يريدون هوية اقتصادية ويبحثون عن حكم يمكن أن يقدمها، لأن الاقتصاد قبل الديمقراطية، والنموذج الصيني في النمو جذاب"، لكن السودانيين لم يحصلوا على التنمية على يد الحكم المدني والديمقراطية، ولا على يد الحكم العسكري السلطوي الذي أخذ حريات الناس من دون أن يقدم الخبز، وبدلاً من أن يكون السودان "سلة الغذاء" للعالم العربي صار يستورد ويقترض ويرى الإثراء غير المشروع لدى المسؤولين.

وفتش، لا فقط عن الخلافات الداخلية، أيضاً عن صراعات القوى الخارجية التي تدعم هذا الطرف أو ذاك، والشعب السوداني الطيب، وثورة الحرية في طليعة الضحايا.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل