Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تصنع "أبل" الشرائح الإلكترونية لحواسيبها مع مراعاة البيئة

"معالجات أبل سيليكون" تزيد سرعة أداء أجهزة "ماك" وتقلص حجم الطاقة التي تحتاج إليها

الشرائح الإلكترونية الجديدة ليست أكثر قوة فحسب بل أيضاً أقل استهلاكاً للطاقة وتؤدي الوظيفة المنوطة بها بكفاءة أكبر كثيراً من السابق (رويترز)

في ميونيخ الألمانية، المحاصرة بين مصانع الجعة وحدائق احتساء البيرة، يقف مبنى  تطلق عليه "أبل" مسمى "كارل" Karl. المبنى الذي يحمل اسم "كارل شتراسيه"Karlstrasse  الطريق الذي شيد عليه، يمثل في جزء منه شاهداً كبيراً على خطة أكبر تعكف الشركة على تنفيذها.

بشكل عام، تعرف هذه الخطة باسم "معالجات أبل سيليكون" Apple silicon، وهي لا تأخذ مجراها داخل مبنى "كارل" فحسب، بل في مجموعة من المباني ذات الطابع السري حول العالم. وبشكل خاص، تشكل هذه الخطة التحول الرئيس الذي أنجزته "أبل" منذ نحو ثلاثة أعوام، عندما أعلنت أنها ستشرع في تصميم شرائحها الإلكترونية الخاصة لاستخدامها في تشغيل أجهزتها من نوع "ماك".

في الواقع، كان مشروع "سيليكونيات أبل" الجزء الأحدث في مسيرة من عمل الشركة طالت لعقود من الزمن في سبيل تصميم وصنع أكبر قدر ممكن من منتجاتها. ويبدو أنها قد آتت أكلها.

تقول "أبل" إن الإدماج بين منتجاتها الذي حققته جعل أجهزتها الحاسوبية ذات قدرات وقوة أكبر بأشواط، وهو رأي ردده مراراً وتكراراً المراجعون الذين يستخدمونها. عن طريق الجمع بين عمل الأجزاء الملموسة من الحاسوب أو "الهاردوير" والبرامج وتصميم المنتجات معاً، تقول الشركة أيضاً إنها نجحت في التوصل إلى خبرات ومنتجات كانت محالة سابقاً.

ولكن تذكر الشركة إن هذا العمل أتى ثماره بطرق أخرى أيضاً. الشرائح الإلكترونية الجديدة ليست أكثر قوة فحسب، بل أيضاً أقل استهلاكاً للطاقة، وتؤدي الوظيفة المنوطة بها بكفاءة أكبر كثيراً من السابق.

في الواقع، تتبدى منافع الشرائح الإلكترونية الجديدة في نواح واضحة، من بينها الزيادة الكبيرة للوقت الفاصل بين شحن أجهزتها حتى مع استخدام بطارية بالحجم نفسه. ولكن ثمة منافع تنطوي على مهارة أكبر، ويسعنا القول إنها أكثر أهمية، من قبيل خفض مقدار الطاقة التي تستهلكها أجهزتها، وبذلك تساعد في تقليص البصمة الكربونية لكل من "أبل" والمستخدمين الذين اختاروا منتجاتها.

عام 2020، أصدرت "أبل" إعلاناً أبعد ما يكون عن المفاجأة لأن كثيرين توقعوا صدوره. وقالت إنها ستصمم شرائحها الإلكترونية الخاصة وتبتعد عن معالجات شركة التكنولوجيا "إنتل" التي استخدمت في تشغيل حواسيبها طوال 15 عاماً.

كان الإعلان ثقيل الوطأة، ولكن بدا في تلك المرحلة أن لا مفر منه: في تلك المرحلة، أخذت الشرائح التي صممتها "أبل" والمستخدمة في أجهزة "آيفون" طوال أعوام، تنافس شرائح "إنتل" التي تعمل بها أجهزة كمبيوتر الشركة، وفي بعض الحالات تتفوق عليها. سميت الشريحة الأولى "أم 1" M1، وكانت تتمتع بالكفاءة والقوة نفسها اللتين ميزتا شرائح "آيفون" السيليكونية، وكانت كبيرة الحجم بما يكفي لتشغيل جهاز كمبيوتر برمته.

ومنذ ذلك الحين، أصدرت "أبل" شريحة "أم 2"M2  التي فاقت الإصدار الأصلي "أم 1" في سرعته. كذلك صنعت "أبل" نسخاً من هذين المعالجين، هي "برو" Pro و"ماكس"Max  و"ألترا"Ultra ، قادرة على تشغيل أجهزتها الموجهة للمحترفين.

داخل "أبل"، كانت هذه العملية حاصلة لا محالة. رأت الشركة كيف أصبحت الشرائح داخل أجهزة "آيفون" و"آيباد" الخاصة بها أسرع، ثم أدركت أن هذه التقنيات نفسها ستجدي نفعاً في أجهزة أكبر وأكثر استهلاكاً للطاقة.

"عندما استخدمنا تلك الشرائح الإلكترونية في أجيال عدة من ’آيفون‘و’آيباد‘، وشاهدنا قدراتها وأداءها المذهلين، أضف إلى ذلك الابتكار في مجالات أخرى محيطة بتكنولوجيات أخرى استخدمت [الشريحة]- كان لدينا إيمان كبير بالمكانة التي ستحمل تلك الشرائح جهاز ’ماك‘ إليها"، قال دوغ بروكس من قسم تسويق منتجات "أبل"، متحدثاً في ميونيخ.

"لذا عندما غامرنا في الانتقال إلى ’معالجات أبل سيليكون‘عام 2020، كان ذلك فعلاً الوقت المناسب لنا، كما تعلمون، للإسراع والاستفادة من هذا الابتكار"، أضاف بروكس.

لطالما تحدثت "أبل" عن حقيقة أنها تصنع "الهاردوير" والبرامج لمنتجاتها، وأن الجمع بين الاثنين يعني أنها قادرة على التحكم في تجربة المستخدم بطريقة تتعذر على الشركات الأخرى. في المرحلة التي شغل بها تيم كوك منصب الرئيس التنفيذي للشركة، أصبح هذا الاتجاه أكثر أهمية في أعمال "أبل"، إذ سعت إلى نقل جميع تكنولوجياتها الأساسية تحت عباءتها.

ويبدو أن إطلاق "معالجات أبل سيليكون" يمثل الاستخلاص النهائي لادعاء "أبل" في شأن صناعتها "الهاردوير" والبرامج الخاصة بمنتجاتها: أخيراً، صارت "أبل" تتحكم في تصميم أجهزتها من نوع "ماك" حتى أصغر تفصيل فيها. وكشف أداء الأجهزة عن أن ادعاء الشركة كان صحيحاً، إذ نالت أجهزة "ماك" الأولى استحساناً واسعاً لم يتوقف مع إصدار تلك الحواسيب الجديدة.

يقول بروكس إن هذا الأداء يعني أنه على رغم أن قرار الانتقال إلى تلك المرحلة كان جسيماً، إلا أنه كاد أيضاً يفرض نفسه بنفسه.

"أنظر إليه كما لو أني أرى المسار الأساسي نفسه لـ’معالجات أبل سيليكون‘، تلك التحسينات السريعة، كما تعلم التي شهدتها نوى وحدة المعالجة المركزية ونوى وحدة معالجة الرسومات على ’آيفون‘. عام 2020، قلنا إن أداء وحدة المعالجة المركزية نما بمقدار 100 مرة على مدى 10 أجيال من ’آيفون‘، وكان أداء وحدة معالجة الرسومات في أقوى جهاز من ’آيباد‘ أكبر بـ1000 مرة من جهاز ’آيباد‘ الأول"، أضاف بروكس.

"كان المسار مذهلاً، وعملنا جيلاً بعد جيل في سبيل الوصول إلى قدرات إضافية جعلت في متناولنا فعلاً مساراً عظيماً للاعتقاد بأن من شأن ’معالجات أبل سيليكون‘ أن تصنع تحولاً استثنائاً، ونحن فخورون جداً بمدى نجاح ذلك."

بروكس كان يتحدث من مختبر ميونيخ، وهو واحد من مجموعة مبانٍ مماثلة موزعة في مختلف أنحاء العالم. للشركة مبان في موطن "أبل" كاليفورنيا، كما هو متوقع، ولكن تتوزع مبان أخرى في ألمانيا وإسرائيل وغيرهما.

يعمل المهندسون داخل تلك المكاتب مع بعضهم بعضاً وكل على حدة، فيشتغلون على مجموعة من التكنولوجيات التي تجد طريقها بعد ذلك إلى الدمج في النظام ككل. في ميونيخ، مثلاً، ركز العمل على تكنولوجيات عدة، بما في ذلك وحدة إدارة الطاقة أو "بي أم يو" PMU، وهي شريحة صغيرة تضمن حصول الأجزاء الأخرى من النظام على الطاقة التي تحتاج إليها، والاتصالات الخليوية التي تتيح لأجهزة "آيفون" الاتصال بشبكات الجيل الخامس 5G.

 (لا تصنع "أبل" شرائحها الخليوية بعد، ولكن كان واضحاً أن هذا المشروع قيد الدرس، وتشير أقاويل إلى أنها ربما تكون جاهزة عام 2025. في الوقت الحاضر، تستخدم القاعة الخليوية في اختبار ما إذا كانت الشرائح الخليوية تتداخل مع المعالجات التي تصنعها "أبل"، ولكن ليس صعباً التكهن بما يحدث ربما عند إغلاق أبوابها الكبرى).

جاء تصميم مختبر ميونيخ على نحو يشبه إلى حد ما شريحة إلكترونية كبيرة: تدير "أبل" المبنى برمته، ويتنقل الموظفون في أنحاء مختلفة ومتخصصة في "كارل"، حيث تخدم كل قاعة الغرض المراد منها. معاً، يشكلون إضافة إلى العمل تماماً كما لو أنهم شريحة إلكترونية كبيرة، تصنع شرائح إلكترونية صغيرة جداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العمل الجاري في ميونيخ وأماكن أخرى سعى في جزء منه إلى تقليص الشريحة، مما سمح لها بأن تكون أصغر حجماً وأكثر دقة. قبل "معالجات أبل سيليكون"، كانت الشريحة الموجودة في "ماك" كبيرة ومتسعة الأطراف، وكان مطلوباً منها التواصل مع أجزاء أخرى مختلفة لإنجاز مهمتها، ولكن عن طريق تصميم الشريحة برمتها تمكنت "أبل" من جعلها أكثر كفاءة.

أحد الابتكارات التي تعزز قوة "معالجات أبل سيليكون" هندسة الذاكرة الموحدة التي تتيح لأجزاء مختلفة من النظام مثل وحدة المعالجة المركزية ووحدة معالجة الرسومات الاستفادة من مجموعة مدمجة من الذاكرة. ذلك مفاده بأن البيانات تتنقل جيئة وذهاباً في الكمبيوتر بدرجة أقل كثيراً، مما يؤدي بدوره إلى تسريعه وتبريده، على رغم من أن تلك المسافة الإضافية صغيرة، إلا أنها مهولة وتتطلب مجموعة من التكنولوجيات الأخرى لضمانها.

إذا كان مكتب "أبل" يعمل كما لو أنه شريحة إلكترونية كبيرة، فإن العمل الذي تضطلع به الهندسة وأجزاء أخرى من التصميم يماثل تقليص المسافة المؤدية إلى الطابعة حتى النصف. تخيل كم سيوفر ذلك من الوقت والطاقة إذا كان عليك في العادة أن تذهب إلى الطابعة آلاف المرات كل ثانية.

نتيجة التصميم جاء الجزء الداخلي من الكمبيوتر أيضاً أجمل مما قد تتخيل، وتلك الشرائح تشبه أجهزة "آيبود" الصغيرة نفسها. توجد داخل مختبرات "أبل" إصدارات مفككة من كمبيوترات عدة تستخدم شرائح "أبل" وشرائح "إنتل" على حد سواء، وتبين أن التصميم الهندسي الدقيق جداً للأجهزة السابقة واضح تماماً عندما تفككها كما عندما تقوم بتشغيلها.

ساعدت هذه الدقة "أبل" في تحقيق أهداف ربما لا يبدو واضحاً أنها مرتبطة بالعمل المتخصص الذي يأخذ مجراه داخل تلك المختبرات في ميونيخ وأماكن أخرى. أجهزة الكمبيوتر أسرع وأكثر برودة وتعيش طويلاً، نعم- لكنها أيضاً أكثر مراعاة للبيئة.

وفق قياسات "أبل"، لا تنتهي البصمة الكربونية للأجهزة عندما تغادر الأرفف. تواصل الشركة احتساب دورة الحياة الكاملة للمنتج في بصمة الكربون الخاصة به، مما يعني أنها في هدفها وضعت في الاعتبار أيضاً استخدام الناس له.

أضف إلى ذلك أنها ملتزمة التخلص من البصمة الكربونية تماماً. تعهدت بتحقيق هدفها بحلول عام 2030، من ثم فإن السباق مستمر للتخلص من استخدام الطاقة الملوثة من العملية برمتها، بدءاً بتطوير الأجهزة وانتهاء بالتخلص منها.

عام 2021، كشفت أحدث الأرقام التي أصدرتها "أبل" عن أن استخدام العملاء للمنتجات شكل 22 في المئة من البصمة الكربونية للشركة. يسعها أن تفعل ما تشاء بغية تقليص الـ78 في المئة المتبقية، ولكن تلك النسبة المتبقية التي ذكرناها ستبقى دائماً موجودة ما دام الناس يستخدمون أجهزتها.

ولكن الشركة قامت ببعض الأعمال الواسعة النطاق للمساعدة في خفض تلك البصمة: ميزة حديثة تسمى "كلين إنرجي تشارجينغ" Clean Energy Charging (شحن الطاقة النظيف) تسمح للأشخاص في الولايات المتحدة بإعادة توجيه أجهزتهم من "آيفون" كي تشحن في الأوقات التي تستخدم فيها الشبكة مصادر صديقة للبيئة.

لكنه سيتطلب أيضاً عملاً ليس من السهل اكتشافه، على شاكلة ما يحدث في ميونيخ. إذا كانت أجهزة الكمبيوتر وشرائحها الإلكترونية تستخدم طاقة أقل في المقام الأول، سيكون مصدر هذه الطاقة أقل مدعاة للقلق.

جلي أن "أبل" التزمت المبدأ الفلسفي الذي يقوم عليه تطوير شرائحها الإلكترونية الجديدة: من الأفضل البدء بشريحة مصممة للهاتف الجوال، والعمل على جعلها أكبر وأكثر قوة، من الاشتغال على شرائح لم يشكل حجمها يوماً عاملاً مؤثراً.

بناؤها بهذه الطريقة يعني أن مستخدمي الأنظمة الحاسوبية الكبيرة الأهم وذات الجودة العالية من "أبل"، مثل "ماك ستوديو" و"ماك بوك برو"، يحصلون على مزايا شريحة الهاتف المحمول عبر كفاءة إضافية، وحرارة أقل، ومزايا أخرى. لكن هل ينطوي القيام بذلك على أي مساوئ؟

يقول بروكس: "كلا على ما أظن. أعتقد بأن خط إنتاج ’ماك‘ الذي نبنيه اليوم يعتبر الأفضل على الإطلاق، أليس كذلك؟ في الجوهر، يجيء كثير منه من الأداء المذهل وكفاءة استهلاك الطاقة اللذين تقدمهما ’أبل سيليكون‘".

"ويقوم ذلك على الإرث الذي بدأناه مع ’آيفون‘. لذا، أعتقد بأنه شكل ميزة عظيمة لنا".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من علوم