اليونيسف تجمع 14 كاتبا من العالم في مختارات عن "المنافي" الراهنة

قضية اللجوء اصبحت اشد الظواهر قلقا في عصر الحروب

احد مخيمات اللجوء (يوييوب)

أصدرت منظمة اليونسيف بالتعاون مع دار كتاب الجيب الفرنسيّة وللسنة الثالثة على التوالي، مؤلّفًا جديدًا يجمع أربعة عشر نصًّاً بعنوان "المنافي". وقد اجتمع أكثر من أربعة عشر كاتباً وكاتبة ليصبّوا كلماتهم في هذا الحيّز الورقيّ من أجل قضيّة عالميّة تحوّلت أوائل القرن الواحد والعشرين إلى ظاهرة مقلقة ومؤسفة: قضيّة الأطفال اللاجئين والمنفيّين. فمع الحروب والأزمات السياسيّة والاجتماعيّة التي يشهدها عالمنا اليوم، تحوّلت ظاهرة اللجوء أو النفي إلى واقع يجب التصرّف إزاءه بحكمة وإنسانيّة تجنّبًا إضافة المزيد من الضحايا.

وكما يدلّ عليه العنوان، تتناول هذه النصوص تجربة المنفى والغربة واللجوء، بكلّ ما في هذه الخبرة القاسية من عزلة ووحدة ومعاناة وظلم. ظلم يفرضه المجتمع المستقبل وأهله. فالمنفيّ إنسان مظلوم، ظلمته ظروف الحياة وظلمه المحيطون به أيضًا، ظلمه أهله ثمّ ظلمه أولئك الذين لجأ إليهم بحثاً عن الأمل والسكينة والراحة. فلا يتمّ استقبال اللاجئين دوماً بحبّ ورحمة، ويجد المنفيّ نفسه أمام نوع جديد من التنكيل والظلم، يجد بدلاً من الأمان اضطهاداً وتنكيلاً ونفوراً وتوجّساً، يجد العيون تراقبه وتعاينه وتحاسبه؛ ليتحوّل المنفى إلى منافٍ متعدّدة تتربّص بالمنفيّ وتنكّل به، منفى اجتماعيّ ومنفى نفسيّ ومنفى وجوديّ.

قصّة هرب

ليس اختيار المنفى أمراً سهلاً. فاللجوء إلى الغربة عموماً هو خيار الذين لم يعد لهم منفذ، فيضطرّون إلى المغادرة، إلى الرحيل، إلى الهرب نحو المجهول. والمجهول قد يكون أحياناً أكثر رأفة من الوطن والأهل. فيغادرون أرضهم ووطنهم بحثاً عن مكان آمن وبعيد، يبحثون عن مكان لا يطاولهم فيه الظلم والخوف والتنكيل، إنّما تراهم يجدون المزيد ممّا سبق وعاينوه وعانو منه. فتنقل مجموعة نصوص "المنافي" قصص أولئك الذين رحلوا لمختلف الأسباب، منهم مَن رحل لظلم طاوله جرّاء لون أو عرق أو جنس، ومنهم من رحل خوفاً من حرب وتنكيل واضطهاد، إنّما جميعهم لم ينجوا من الظلم والعذاب. فتبعهم الألم حتّى أرض المنفى. لكلٍّ ظروفه إنّما أحزان المنفى واحدة، والظلم واحد، والغربة واحدة، فكما يقول محمود درويش: "الليل يا أمّاه ذئب جائع سفّاح/ يطارد الغريب أينما مضى."

ليس الهرب خياراً سهلاً. هو في الحقيقة الحلّ الوحيد عندما يشتدّ القهر والظلم ويخسر الإنسان ثقته بالمجتمع والإنسانيّة. فتقول أوريلي فالونييز في نصّها وهو الأوّل من بين مجموعة النصوص: "لم أرغب يوماً في حياة الشتات هذه، حياة التيه والجوع والعزلة، لكنّ المنفى يتحوّل أحياناً إلى حلٌّ عندما نشعر بالغربة في عقر ديارنا." (صفحة 15).

أطفال ورجال ونساء اضطرّوا جميعهم لمواجهة الغربة، اضطروا إلى الرحيل من دون أن يتاح لهم المجال لتوضيب أشيائهم. رحلوا بسرعة تحت نواقيس الموت والخطر وبقيت ذاكرتهم وحدها هي التي توقظهم ليلاً وتطرق بمطرقتها الباردة على قلوبهم. أطفال ونساء ورجال وضّبوا أحزانهم وخسائرهم وجروحهم وفرّوا إلى المجهول. فتقول لور منال في نصّها "رحلة": "لا نختار دوماً إلى أين سنذهب. لا نختار طريقنا ولا وجهتنا ولا سبيلنا. نختار أن نعود. وأحياناً، حتّى هذا الخيار لا يعود متاحاً أمامنا. يعتمد الأمر عموماً على سبب رحيلنا. يعتمد الأمر على إذا كان بإمكاننا أن نعود ذات يوم. وإذا عدنا، فهل نكون الأشخاص نفسهم الذين رحلوا؟" (صفحة 133) يرحل هؤلاء الأبطال، نعم فهم أبطال الواقع، يرحلون بالرغم عنهم ويبقى ألم الرحيل محفوراً في نفوسهم، ليلقاهم ألم جديد وحزن جديد في أرض غريبة. ولو شاءت الظروف للمنفيّين أن يعودوا، فهم يعودون إنّما ليس كما كانوا، يكفّون عن أن يكونوا الأشخاص الذين كانوهم قبل أن يرحلوا. فالمنفى لا يرحم ولا يشفي ويرمي ضحاياه جثثاً باردة غادرها وهج الأمل.

من سيّء إلى أسوأ

عدا عن قسوة المجتمع الذي لا يستقبل المنفيّ أو اللاجئ بحفاوة عموماً، هناك العزلة النفسيّة والغربة الداخليّة التي يعيشها المرء عندما يغادر وطنه. فيرد في نصّ "رحلة" أيضًا: "تعلّمتُ هناك معنى الوحدة، الوحدة الحقيقيّة، تلك التي تعصر القلب، تلك التي تُفرغ الفؤاد، تلك التي ترميك بين براثن الوجود. تعلّمتُ هناك معنى الغياب، الانسلاخ، وتعلّمت أن أطرح الأسئلة. أسئلة بلا قاع حول معنى هذه الأمور كلّها، حول الحياة، حول المستقبل. تعلّمتُ أن أطرح أسئلة حول ماضيي، ومصيري، حول خياراتي وما أوصلني إلى المكان الذي أنا فيه الآن... واليوم، كلّ ما تبقّى لي هو صمت النسّاك الذي تغرق فيه خواطري." (صفحة 137).

يعاني اللاجئ من عدم انتماء، من غربة داخليّة لا يمكن لوطن أو إنسان أن يمحوها. فحتّى لو وجد المرء لنفسه عملاً ومدخولاً وسبيلاً إلى حياة كريمة إلاّ أنّ الوحدة والغربة والشعور بعدم الانتماء تبقى حاجزًا فاصلاً لا هو يسقط ولا هو يتلاشى. فترد في إحدى القصائد حقيقة هذا الرحيل، هذا الانسلاخ: "يفقد المرء كلّ شيء بين ليلة وضحاها/ ثمّ يعيد بدء كلّ شيء من أجل صباحات أفضل/ لا يبكي، يخفي همّه بين ضلوعه/ لا ينسى، لكنّه يكمل الطريق/ لقد آن الأوان لمواجهة القدر." (صفحة 92)

ينسى الناس أحيانًا أنّ اللاجئ إنسان، وأنّه كان يملك حياةً ومخطّطات ومستقبلاً قبل أن تدمّره عجلة الحياة وترميه أعزل في أرض جديدة بعيدة. ينسى الناس أحيانا أنّ المنفيّ إنسان، وأنّ الحياة حكمت عليه بالتيهان والتشتّت وأنّه قبل هذا كلّه كان كتلة مشاعر وذكريات وآمال. ينسى الناس أحيانا أنّ الطفل النازح إنسان، هو ليس مجرماً بالضرورة، ولا سارقاً بالضرورة، وليس لديه مأزق اقتصاديّ اجتماعيّ سياسيّ يجب الابتعاد عنه وعزله. المنفيّ إنسان حرقت الحياة أوراقه وتركته في مهبّ الريح يحاول أن يبدأ مجدّدًا، من الصفر، من خانة البداية. وقد جاءت هذه النصوص المؤثّرة لتذكّر القارئ أنّ الحياة قاسية وظالمة وأنّ الظروف لا ترحم، وحده الإنسان يجب أن يختار الرحمة دائمًا. ومن أسماء الكتّاب والكاتبات الذين شاركوا بنصوص لهم في المختارات: باتيست بوليو، كابيتان الكسندر،، غفينز كليمنت رويز، ماهر غوفن، روحان حسين،، صوفيا تالمان وسواهم.

المزيد من ثقافة