لم يعد التضييق على الهجرة ورقة سياسية رابحة في الانتخابات البريطانية

سيتحتّم على الزعيم الجديد للحزب استمالة الناخبين الليبراليين والوسطيين، كي يبقى في الحكومة، وذلك باستخلاص الدروس من الأخطاء التي تمخضت عنها سياسة "البيئة المعادية" منذ العام 2010، وهي خطوة يجب أن تأتي في طليعة الإجراءات التي سيتخذها بعد تولي مقاليد السلطة

يتنافس على زعامة حزب المحافظين كل من وزير الخارجية الحالي جيريمي هانت (إلى اليمين) ووزير الخارجية السابق وعمدة لندن السابق بوريس جونسون (رويترز)

بينما تكافح تيريزا ماي في أسابيعها الأخيرة لاستعجال اعتماد سياسات من شأنها أن تكون "إرثاً" طيباً لولايتها، يضع المتنافسون على خلافتها نصب أعينهم خططاً لكيفية تقويض بعض أجزاء برنامجها.

ويوفر انتخاب زعيم جديد لحزب المحافظين في وقتٍ لاحق من الشهر الحالي فرصةً ذهبية لإعادة ضبط مسألة مهمّة بعينها،  وهي الهجرة.

تمسّكت ماي بعنادٍ بهدف خفض الهجرة الإجمالية إلى أقل من 100 ألف مهاجر سنوياً،  وهو عدد ورثته عن سلفها ديفيد كاميرون الذي حّدده قبل الانتخابات العامة عام 2010. والواقع أن كاميرون يتحمل مسؤولية الكثير من الأخطاء، إذ لم يفشل هو وماي في بلوغ هذا الهدف فحسب، بل أخفق أيضاً في الفوز بإدخال تغييراتٍ على إجراءات حرية الحركة في دول الاتحاد الأوروبي، كما كان قد تعهد في وقت سابق على  بدئه بإعادة النفاوض بشأن شروط المملكة المتحدة في عضوية الاتحاد الأوروبي. وساهم هذا الأمر بتصويت  غالبية البريطانين لصالح الخروج من الاتحاد في استفتاء العام 2016.

عُزلت ماي في مجلس الوزراء الذي تترأسه بسبب الهدف المذكور،  ولكنها استمرّت في التعاطي مع الهجرة وكأنها مجرّد لعبة أرقامٍ، على الرغم من وجود أدلة على أنها ألحقت بالبلاد ضرراً اقتصادياً، حسبما أظهرت الحملة التي أطلقتها صحيفة "إندبندنت" تحت عنوان " تخلَّ عن الهدف". وأصبح هذا الهدف نفسه أشبه بحالة نموذجية للإخفاق الكارثي في السياسة العامة وعملية صنع القرار. ومع بلوغ العدد الصافي للمهاجرين داخلياً ضمن الاتحاد الأوروبي 258 ألف شخص سنوياً، ستترك رئيسة الوزراء التي تستعد للخروج من السلطة، لخلفها إرثاً رديئاً في ما يتعلّق بهذه المسألة خصوصاً.

في هذه الأثناء، دعا تقرير يستند إلى حجج قوية نشرته الاسبوع الماضي خليّة التفكير البريطانية "بريتيش فيوتشر"،  إلى إقامة "قطيعةٍ تامة" مع مقاربة ماي الفاشلة. ويُظهر التقرير أنّ أياً من بوريس جونسون أو جيريمي هانت لا يحظى بثقة الجمهور في موضوع الهجرة، مّا يعكس شعوراً بخيبة الأمل حيال تعامل حكومة ماي مع تلك المسألة.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته شركة "أي سي أم" المتخصصة بتقصي الآراء، ان 18% فقط من الشعب و25 % ممن صوتوا لحزب المحافظين  في الانتخابات الأخيرة عام 2017، يعتقدون أنّ ماي نجحت في إدارة ملف الهجرة حين تولت رئاسة وزراء، وقبل ذلك ، كوزيرة للداخلية. ويعتبر 13 % فقط أنّ الحكومة تعاطت مع مسألة الهجرة "بكفاءةٍ وعدالة".

وكما أثبتت ردود الفعل على فضيحة ويندراش المعيبة، أصبح الرأي العام أكثر دقّة ومساءلة ممّا تخيلت ماي حين قررت التمسك باستراتيجيتها المسماة "بريطانيا الحصن". وبحسب خليّة التفكير "بريتيش فيوتشر"، فإنّ غالبيّة الأشخاص يقيمون التوازنات فيرون الفوائد (الثمار) من جهة، ويلاحظون السلبيات من جهة أخرى، في الوقت نفسه. وثمة إجماع على ضرورة وجود الرقابة والانفتاح اللذين يحتاج إليهما الاقتصاد.

لم تعد الهجرة تثير الكثير من الخوف لدى البريطانيين، إذ باتت في أسفل قائمة مصادر القلق التي تؤرقهم منذ استفتاء العام 2016، حسبما أفاد استبيان "أي سي أم" المذكور آنفاً. فهو أظهر أنّ 60 % من الأشخاص، بمن فيهم 72 % ممن انتخبوا حزب المحافظين عام 2017، علاوة على  70 % ممن صوتوا لخيار الخروج من الاتحاد الأوروبي، يتّفقون جميعاً على أنّه يجب استبدال أهدافٍ منفصلة تحدّد أنواع الهجرة المختلفة، على غرار تصنيف اليد العاملة المهاجرة كماهرة وأقل مهارة، بهدف وضع سقف محدد للهجرة إذ لم يعد هذا صالحاً لمعالجة القضية.

فلماذا تتخذ وزارة الداخلية كل هذه القرارات الخاطئة المتعلقة بالهجرة؟

لحسن الحظ، كشف التسابق على الفوز بزعامة حزب المحافظين عن أن مقاربة ماي لاتحظى بتأييد كبير. وإذ وعد هانت بالتخلي عن ذلك الهدف الذي فقد مصداقيّته، فإن جونسون الذي يبدو أنّه تناسى أنه لعب بورقة الهجرة خلال استفتاء بريكست، يتحدّث بود عن الهجرة وكأنه ميّال إلى تأييدها بالفطرة، وذلك في محاولته لإقناعنا أنّه سيكون رئيس حكومة معتدل يحسب حساب الناس من شتى الخلفيات. والأدهى أنّه أثار فكرة احتمال إصدار عفو عام عن المهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون في المملكة المتحدة منذ 15 عاماً، وسيكون محقاً في ذلك لو اتخذ هذه الخطوة فعلاً. وبدلاً من تحديد سقف للهجرة، قد يتبّع جونسون  نظاماً أكثر مرونة على غرار أسلوب النقاط الأسترالي.

ومن المرجّح أن يخفّض ساجيد جافيد وزير الداخلية، الراتب الأدنى الذي حددته ماي بـ30 ألف جنيه استرليني (37500 دولاراً) للأشخاص الوافدين إلى المملكة المتحدة بموجب تأشيرة عمل.

لا بدّ لهذه الأفكار أن تترجم إلى سياساتٍ ملموسة على يدي الحكومة المقبلة التي سيترتب عليها أن "تدفن" رسمياً هدف ماي، وذلك في مقدم الإجراءات التي ستتخذها بعد تولي السلطة. وكذلك سيتحتّم عليها إلغاء العناصر المتبقية من سياسة "البيئة المعادية" التي عادت علينا بفضيحة "ويندراش" وحملة حافلات "عودوا إلى بلادكم" التي أطلقها "الحزب الكريه" كما سمت ماي نفسها حزب المحافظين قبل نحو عشرين سنة، وهانحن نرى وحالياً تحركات جديدة تبعث على القلق لأنها تهدف إلى ترحيل المشردين أيضاً.

يتوجّب على زعيم المحافظين الجديد أن يتعلّم من الأخطاء التي ارتكبها الحزب في تعاطيه مع قضايا الهجرة منذ عام 2010. كما ينبغي به الٌاقرار ايضاً أنّ الحزب بحاجة الى استمالة الناخبين الليبراليين والوسطيين، وذلك بهدف الفوز في انتخاباتٍ قد تأتي عاجلاً أو آجلاً بسبب أزمة بريكست. وعليه أخيراً أن يقاوم الإغراء في أن يتشدد في اتبّاع سياسيات نايجل فاراج زعيم حزب "بريكست" أكثر من نايجل فاراج نفسه،  وأن يتذكر أنّ كاميرون كان يحاول أن يفعل ذلك عندما أعلن هدف الهجرة واستفتاء الاتحاد الأوروبي.

© The Independent

المزيد من آراء