انتخاب سليمان شنين... مقدمة لتحقيق أهداف الحراك الشعبي

مفاجأة لم تخطر في بال أحد من المراقبين السياسيين

تحديات كبيرة امام سليمان شنين المنتخب بالتزكية (أ.ف.ب.)

بعد ساعات من "المفاوضات في الكواليس"، انتخب نواب البرلمان الجزائري بغالبية مطلقة (تزكية برفع الأيدي)، النائب الإسلامي سليمان شنين، رئيساً للمجلس الشعبي الوطني، في سابقة في تاريخ الهيئة التشريعية للجزائر المستقلة.

 وينتمي شنين إلى حركة البناء الوطني، وهو حزب معارض لديه بعض النواب في البرلمان.

مفاجأة لم تخطر في بال أحد من المراقبين السياسيين في الجزائر. انتخاب شنين بالتزكية جاء في جلسة عُقدت في ساعة متقدمة مساء أمس، بسبب مفاوضات سرية داخل كتلة جبهة التحرير الوطني، التي كانت رشحت الأمين العام للحزب محمد جميعي.

وعلمت "اندبندت عربية" من مصدر رسمي أن ترشح جميعي قوبل برفض واضح من "جهات عليا"، قياساً لـ"ظروف سياسية استثنائية تمر بها البلاد"، ورغبت الجهة التي رفضت ملف جميعي، في تقديم رجل توافق بدل شخصية من حزب الغالبية، الذي يطارده الشارع بهتافات تطالب بحله أو "إحالته إلى المتحف".

لاحقاً، انسحب باقي المرشحين لرئاسة البرلمان، بينهم اثنان من جبهة التحرير ذاتها، مصطفى بوعلاق وعبد الحميد سي عفيف، ومن ثم انسحب مرشح التحالف الوطني الجمهوري، نور الدين بلمداح، ومرشح عن كتلة المستقلين، ليجد شنين نفسه مرشحاً وحيداً، لذلك عُقدت جلسة تزكية برفع الأيدي، بدل آلية الصندوق بالانتخاب السري.

شنين إسلامي

ينتمي سليمان شنين إلى التيار الإسلامي، بحكم انتمائه سابقاً إلى حركة مجتمع السلم، من مواليد 1965 في محافظة ورقلة، جنوب الجزائر.

ويمثل هذا العامل أول الأسباب البارزة في اختياره لرئاسة البرلمان، قياساً لـ"عرف غير معلن" في أعراف السلطة الجزائرية، يفيد بتوزيع الهيئات الدستورية على أساس "جهوي".

بدأ شنين كاتباً صحافياً في وسائل إعلامية عدة وطنية ودولية، وهو عضو مؤسس في حركة المجتمع الإسلامي (حركة مجتمع السلم حالياً)، لكنه كان ضمن عدد كبير من المنشقين عام 2013، برفقة قياديين آخرين توجهوا نحو تأسيس حركة البناء الوطني، تحت قيادة مصطفى بلمهدي يومها.

ويقود حركة البناء الوطني، الوزير السابق للسياحة، عبد القادر بن قرينة، التي شاركت في ندوة الحوار الوطني التي عُقدت السبت الماضي في العاصمة الجزائرية، كما تسوّق الحركة لخطاب لا يناهض مقترحات المؤسسة العسكرية، إنما ينادي بالحوار ويصر على دعم الخيار الدستوري.

وتتكتل حركة البناء الوطني، ضمن اتحاد إسلامي من ثلاثة أحزاب في البرلمان، هي جبهة العدالة والتنمية وحركة النهضة وحركة البناء الوطني.

 ثاني العوامل التي دفعت بشنين إلى قيادة البرلمان، مشاركته في جميع المسيرات الشعبية بداية من 22 فبراير (شباط) الماضي، كما أنه من حزب إسلامي يرافع لخطاب "وسطي"، ووُصف الرجل قبل تزكيته رئيساً للبرلمان بـ"رجل التوافق".

حركة مجتمع السلم تقاطع تزكية شنين

في موقف يعكس إلى حد كبير حجم النفور بين "البناء الوطني" والحركة الأم حركة مجتمع السلم، قاطعت الأخيرة جلسة التصويت وأعلنت ذلك في بيان رسمي، وقّعه الأمين الوطني للإعلام والاتصال بن عجمية بوعبدالله، ورد فيه "تؤكد حركة مجتمع السلم أن كتلتها البرلمانية قاطعت جلسة التصويت يوم الأربعاء 10 يوليو (تموز) 2019 في المجلس الشعبي الوطني"، كما "تفند الحركة في الوقت ذاته كل الأخبار المكذوبة بأن كتلتها حضرت وانسحبت من الجلسة".

واعتبرت الكتلة البرلمانية لحركة مجتمع السلم، في بيان صدر عصر اليوم، "طريقة انتخاب سليمان شنين مشابهة للطريقة التي سحبت بها الثقة من الرئيس الأسبق للمجلس السعيد بوحجة، وحتى الرئيس السابق معاذ بوشارب من خلال ممارسات الإيعاز الفوقي".

وأوضحت أن الرئيس الجديد "رئيس أمر واقع مثل من سبقه، ولا تمثل تزكيته حالة ديمقراطية، إذ هو نتاج هِبة بقرار فوقي وبغالبية برلمانية مزورة ومرفوضة من الشعب الجزائري".

وحظي شنين في المقابل بتزكية مجموعات برلمانية لكل من حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وكتلة الأحرار وتجمع أمل الجزائر والاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء وجبهة المستقبل والحركة الشعبية الجزائرية ونواب حزب العمال (لم ينفذوا قرار الحزب الاستقالة من البرلمان)، وأيضاً نواب من دون إنتماء، فيما قاطعت كتلة حركة مجتمع السلم ومعها  كتلة جبهة القوى الاشتراكية ونواب حزب التجمع من أجل الثقافة الديمقراطية.

وتوجه شنين خلال جلسة انتخابه رئيساً للمجلس الشعبي الوطني بالتهنئة لمن "وثق فيه"، قائلاً في كلمة تلت إعلانه رئيساً إن "هذه الجلسة تاريخية، لما تضمنته من كثير الاعتبارات التي تُعد الجزائر في أمس الحاجة إليها لصالح التنازل والتوافق والتعاون العام المشترك بما يخدم مطالب الشعب الجزائري" .

وأضاف رئيس المجلس أن "انتخابه على رأس الهيئة التشريعية في هذا الظرف الحساس الذي تمر به البلاد، يحمل مقاربة جديدة في التعامل مع الأزمة، ترتكز على أن الجزائريين بإمكانهم أن يجتمعوا للخروج منها".

 واعتبر أن "الرأي العام الوطني وجميع المراقبين يشهدون على ميلاد تجربة جديدة، إذ بإمكان الأقلية أن تتقدم لرئاسة المجلس وتحظى بتزكية ودعم الغالبية، بما يعيد الثقة في المؤسسات".

ولم يسبق أن قادت أقلية، البرلمان الجزائري، كما لم يسبق أن خرجت الرئاسة منذ إقرار التعددية في البلاد، من أيدي الموالاة، جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، فقادها الأخير مرة واحدة بين 1997و 2002 (برئاسة عبد القادر بن صالح رئيس الدولة المؤقت حالياً)، فيما قادت الجبهة باقي الولايات.

ووجه شنين رسالة تدعم الحراك الشعبي السلمي بدرجة الحرص في أن يؤدي وظيفته، معبراً عن "الاعتزاز بالجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني وبقيادته".

ما المطلوب من شنين؟

بانتخاب شنين وإبعاد معاذ بوشارب، يستعد البرلمان وفقاً لمراقبين لعمليات سياسية في ثوب "مراجعات قانونية". ويذكّر المحلل السياسي حسين بولحية أن "انتخاب شنين على رأس الغرفة التشريعية الأولى، مقدمة لتحقيق الخطوات التالية: إنجاز نص قانوني لهيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات والإشراف عليها وتعديل قانون الانتخابات الذي ستجرى على أساسه الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلية مستقبلاً ونقل رسالة حسن نية من طرف السلطة للجميع أن النظام سيقبل بما سيتمخض عن إرادة الشعب مستقبلاً ومن نتائج تفرزها الصناديق الانتخابية". 

وتبقى أمام رئيس البرلمان الجديد، كيفية التعامل مع وزراء حكومة نور الدين بدوي، بحكم أن شنين نفسه ظل يرافع لإقالتها، وبما أن البرلمان هيئة تتعاطى يومياً مع وزراء الحكومة في جلسات الأسئلة الشفوية والكتابية، فإن الرجل سيكون أمام "الحفاظ على مصداقيته"، إلا في حال توافقات مسبقة قد تتبع بإقالة الحكومة، تتمة لترتيبات أُعلنت سلفاً ولم تُنفذ بعد.     

المزيد من العالم العربي