المخرج الفلسطيني إيليا سليمان يقاوم سينمائيا... بالسخرية والصمت

فيلم اشبه بسيرة ذاتية من الناصرة الى باريس ونيويورك

كيف نصوّر فيلماً سينمائياً عن الاحتلال من مسافة بعيدة؟ قد يطرح الواحد منّا هذا السؤال على نفسه وهو يشاهد "لا بد أنها الجنّة"، رابع أفلام المخرج الفلسطيني إيليا سليمان وأحدثها الذي فاز بتنويه خاص وجائزة النقاد في الدورة الأخيرة من مهرجان كانّ السينمائي.

في هذا العمل البديع الذي يقف على حافة الأشياء، يلتزم سليمان القول المأثور: "إذا كان الكلام من فضّة فالسكوت من ذهب". ذلك أنه، طوال الفيلم الذي ألفه وأخرجه واضطلع فيه بالدور الرئيس، لا يتفوّه إلا بجملة واحدة ليقول إنه فلسطيني رداً على سؤال سائق سيارة أجرة في نيويورك. نبش سليمان كثيراً في سيرته الذاتية. فالخط الدرامي هو الطريق التي شقّها عندما قرر ترك مسقطه الناصرة في الثمانينيات والذهاب للبحث عن فرصة في الخارج. وكانت محطته الأولى يومها باريس ثم نيويورك.

يعيدنا الفيلم بالتالي إلى باريس ثم نيويورك. مدهشة باريس التي يصوّرها بعين الغريب الحكيم، علماً أنه يعيش فيها منذ سنوات عدة. يصوّرها كما صوّر سابقاً شوارع الناصرة المحتلة. مع الفرق بأن باريس هي بمنزلة الجنّة في مخيال الإنسان العربي الهارب من أرض النزاعات التي لا تنتهي. يصوّرها بالنبض نفسه، إذ نشعر أن هناك إحساساً متواصلاً بأن الخطر سينبعث من مكان ما. حالة الانتظار التي بلورها سليمان في أعماله السابقة والتي اختزلت بصرياً القضية الفلسطينية وجدت حضناً دافئاً لها في باريس. ضف هذا إلى سلسلة مواقف عبثية لا تنكر صلتها بالمخرج الأسوجي روي أندرسون: شرطة ودبّابات وعناصر إسعاف وعجزة في شوارع وجادات وميادين خالية من البشر والسيارات وزحمة السيّاح المتواصلة. أما في نيويورك، فناس آخرون وواقع آخر، ليس أقل "سوريالياً" مما نشاهده في باريس.

 

صلة الوصل بين الأزمنة والأماكن هي هذا الرجل الصامت (إيليا سليمان) الذي يراقب ولا يعلن مواقفه سوى من خلال لغة الجسد أو النظرات القليلة التي يرميها في اتجاهنا. نحن حيال حكاية شخص صامت يبحث عن وطن قبل أن يكتشف أن وطنه هذا يحمله معه أينما حلّ، بل إن العالم كله "تفلسطن"، وصار يجده على شكل آخر في كلّ بقاع الأرض.

يغوص سليمان في جذور الفنّ السينمائي خالقاً مساحة شعرية بينه وبين المُشاهد، مستخدماً عوامل الضحك الرصين والسخرية والكوميديا السوداء كحزام أمان يخوله عبور الحواجز بكل اطمئنان ومن دون عراقيل تُذكر.

فيلمه هذا، الذي سيأتي إلى الشاشات العربية في الأشهر المقبلة، مناسبة للحديث عن هذا الفنّان الذي استطاع الوصول إلى العالمية من دون إن يبيع نفسه للشيطان. هناك دوماً شعور بالعزلة في أفلامه. في مجالَي التكوين السينمائي والصوت، هناك إيقاعات و"ضربات" جدّ محدّدة، ولا نجد فيها أي فوضى. يعمل سليمان لبناء نظام إيقاعي في الصورة. والممثّلون الثانويون في أفلامه، ليسوا بالضرورة كاراكتيرات ذات بسيكولوجيات معينة بل هم بمثابة عناصر يخلقون نوعاً من الحركة في الصورة تشبه الرقصة. جزء من رغبة سليمان في السينما هو أن يبتكر نظاماً فيه نوع من الكوريغرافيا. باعترافه أنه عندما يمزج ٤ أو ٥ أصوات في الوقت نفسه يصبح لديه تشوش، لذلك لا يحب أن يرى الأمور تتشابك ببعضها بعضاً، ولا يتحمّل رؤية أو سماع الأشياء دفعة واحدة.

يمكن ربط غياب الكلام في أفلام سليمان بحقيقة أن سينماه لا تؤمن بالحوار وتحرص بالتالي على تصوير فقدان الصلة بين البشر. ولكن لديه نظرة أخرى للموضوع لتبرير هذا الغياب. يقول: "لم أتابع دراسات أكاديمية، وكوني لم أدرس تاريخ السينما كما يفعلونه في المعاهد المتخصصة، فدخلتُ المجال السينمائي بالسذاجة نفسها التي كانت عند رواد السينما عندما قاموا بأعمالهم الأولى. الحقيبة الثقافية التي امتلكتها من خلال عبوري للثقافات، أدت إلى أن تتحول عملية تحقيق الفيلم إلى مسألة معقدة. فلأجل الوصول إلى البساطة التي يراها المُشاهد على الشاشة، يجدر المرور في عملية جدّ معقدة".

مخرج فلسطيني طريف

في واحد من أذكى مَشاهد الفيلم الذي يختزل الكثير من المعاني، نرى الممثّل غايل غارثيا برنال يقدّم سليمان لإحدى المنتجات قائلاً لها: "هذا إيليا سليمان، مخرج فلسطيني لكن أفلامه طريفة". هذا المشهد يرسم وظيفة محددة: التعبير عن صورة الفلسطيني في المخيال الغربي. فكيف لرجل وفنّان صاحب قضية أن يتحدّث عن أي شيء سواها، بل عليه أن يكرّس كلّ جهوده من أجلها! هكذا يراه الغرب. في المشهد هذا، يقول سليمان ما يتوقّعه الآخر منه. توقّعات تثقل كاهله منذ بداياته.

في بداياته، عندما كانت السينما الفلسطينية لا تزال تقتصر على بعض أفلام رشيد مشهراوي أو ميشال خليفي، أحد في أوروبا لم يكن يصدّق أن فيلماً كوميدياً تدور أحداثه في فلسطين شيء ممكن، كون الناس يشاهدون الوضع المتأزم الذي يعيش فيه الفلسطينيون عبر محطات التلفزة، من دون الانتباه إلى أنه، على الرغم من المأساة، لا تزال هناك عادات يومية، من شرب قهوة، وزيارة جيران. وفي هذا كله رغبة في التمسّك بالحياة. ومَن عاش الحروب والمآسي يعرف ذلك جيداً.

الناس في الغرب لم يفهموا كيف أنه في إمكان الفلسطيني أن يضحك. سليمان يتفهّم هذا، ولكن يعتبر "الضحك نوعاً من مقاومة"، العبارة التي يكرّرها مراراً. الفكاهة في نظره تخلق مساحة شعرية بيننا وبين مَن يقمعنا!

في أحد دروسه السينمائية، روى كيف أن لا أحد أراد تمويل "سجل اختفاء"، باكورته الروائية الطويلة. لم يتحمّس المنتجون الفرنسيون عندما حمل إليهم مشروع هذا الفيلم، بل إن بعضهم شتمه. أحدهم اتهمه بأنه مجرد مخرج متأمرك، معتبراً أن النصّ الذي كتبه ليس لديه أي علاقة بفلسطين. يقول: "كان هذا المنطق السائد آنذاك. فهم يعرفون أكثر منّي كيف هي فلسطين. يعرفون أكثر من خلال تفويضهم مخرجين فرنسيين لإنجاز أفلام عن فلسطين. فكان شيئاً مشبوهاً أن يخرج الفلسطيني فيلماً، وكأننا نعاني من إعاقة في خيالنا. كانوا يعانون من عقلية ما بعد كولونيالية. هم يريدون مساعدتنا فعلاً، لكن بشرط أن نكون الموضوع وليس الصانع.

مَن كان حاضراً في صالة لوميير داخل مهرجان كان الشهر الماضي، وشهد على الاستقبال الأسطوري الذي ناله إيليا سليمان، لا بد أنه أدرك أن حكايات البدايات الصعبة صارت بعيدة.

المزيد من سينما