ثورة النفط الصخري: نعمة أم نقمة على دول الخليج؟

هناك حقيقة تاريخية وهي أن ثمة ارتباطاً كبيراً في سياسات الطاقة الأميركية والخارجية

صناعة البتروكيماويات في الخليج بنيت على وفرة الميثان والإيثان (الأرشيف)

هناك خلط كبير في الإعلام العربي بين النفط الصخري، والصخر النفطي، والرمال النفطية. الفروق بينهما موجودة في كتيب "مفاهيم نفطية" الموجود في تويتر مجاناً تحت وسم #مفاهيم_نفطية. 

هل هي ثورة فعلاً؟  

الثورة تقلب الموازين رأساً على عقب. وهذا ما حصل حيث غيّر إنتاج النفط والغاز الصخريين كل الاتجاهات، وقلب كل الموازين. فكل المسارات الصاعدة أصبحت هابطة، مثل واردات النفط والغاز والمنتجات النفطية والسوائل الغازية والغاز المسال. وأصبحت كل المسارات الهابطة صاعدة مثل إنتاج النفط والغاز والمنتجات النفطية، وصادرات كل منهما. وبدلاً من أن تستورد الولايات المتحدة الغاز المسال، أصبحت تصدره. ونتج من تصدير الولايات المتحدة النفط والمنتجات النفطية والسوائل الغازية تغيير كامل في اتجاهات التجارة الدولية في هذه المواد. كما نتج منها تحول الولايات المتحدة من أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم إلى إحدى أكبر المصدرين، وأصبحت أكبر منتج لكل منهما في العالم. ويكفي أن نذكر أن إنتاج النفط الصخري حالياً أكبر من إنتاج الإمارات والكويت معاً من النفط، وأكبر من صادرات النفط السعودية.  

إذا لم تكن هذه ثورة، فما هي الثورة؟

الأثر السلبي لثورة الصخري في دول الخليج 

تبنت دول أوبك اختيارات استراتيجية عدة في السبعينيات بناء على دراسات ومقترحات من البنك الدولي، كان أهمها التركيز على الصناعات الكثيفة الطاقة كونها تملك ميزة نسبية فيها. وتبنت هذه الدول هذه المقترحات، فقامت ببناء مجمعات البتروكيماويات، ومعامل التكرير، وصناعات أخرى كثيفة الطاقة مثل الألمنيوم والإسمنت. وفي الوقت نفسه تبنت أوبك نظام الحصص الإنتاجية في بداية الثمانينيات، ولم تتضمن الغازات السائلة التي كانت تباع بسعر مجز في الأسواق الآسيوية، فكان منطقياً التوسع في إنتاجها وأسواقها لتشمل الولايات المتحدة، وأميركا الوسطى وأميركا اللاتينية. ونظراً لتباطؤ النمو في الطلب على النفط في الدول المتقدمة، فكان طبيعياً أن تركّز هذه الدول على بيع نفطها الخام في الدول الآسيوية. 

وتم التركيز على الغاز المسال بسبب سهولة تصديره مقارنة بتصدير الغاز عبر الأنابيب. فقامت الإمارات وعُمان ببناء محطات لتسييل الغاز وتصديره، ثم تلتها قطر التي أنفقت مليارات من الدولارات، مع الشركات الأجنبية، لإنتاج الغاز القطري وتسييله حتى أصبحت قطر أكبر مصدر للغاز المسال في العالم. ولقطر أهمية بارزة هنا لأنه لو كان الغاز القطري نفطاً، لكان إنتاج قطر يساوي إنتاج الإمارات والكويت معاً من النفط! علماً بأن أسعار الغاز المسال القطري مرتبطة بالنفط.   

مع الزمن، بدأت هذه القرارات الاستراتيجية تؤتي أكلها، حيث أصبحت بعض دول أوبك أكبر منتج ومصدر للمواد البتروكيماوية في العالم بسبب توافر الميثان والإيثان، والسوائل الغازية الأخرى، وبنت معامل تكرير متقدمة وبطاقة إنتاجية عالية بهدف التصدير والاستفادة من القيمة المضافة، وزادت صادراتها من الغازات السائلة، وأصبحت لها حصة سوقية كبيرة في الأسواق الآسيوية. 

استمرت الأمور بهذا الشكل المزهر لسنوات حتى جاءت ثورة الصخري، التي بدأت بالغاز والغازات السائلة عام 2005، تلاها النفط وموجة أخرى من الغازات السائلة منذ عام 2010. هذه الثورة قلبت الموازين وضربت كل الأهداف الاستراتيجية للدول المنتجة للنفط في الخليج وغيره.

الأثر في صناعة البتروكيماويات 

وفرة الميثان والإيثان في الولايات المتحدة خفضت أسعارهما بشكل كبير لدرجة أن غاز الإيثان كان يعطى بالمجان أو يخلط مع الغاز للتخلص منه. وفي العامين الماضيين بيع غاز الميثان بسعر سالب في أماكن عدة: البائع يعطي الغاز للمشتري، ثم يعطي المشتري مبلغاً من المال فوق الغاز! 

لماذا يُعد هذا الأمر مهماً في موضوع كهذا؟  

لأن صناعة البتروكيماويات في الخليج بنيت على وفرة الميثان والإيثان، بينما أغلب الصناعة في الدول الأخرى، خصوصاً في أوروبا وآسيا، تستخدم النافثا، وهي منتج نفطي ترتبط أسعارها بأسعار النفط. مع ارتفاع أسعار النفط الشديد بين 2004 و2008، ارتفعت أسعار النافثا بشكل كبير. ما جعل البتروكيماويات الخليجية منافسة جداً ورابحة. وجعل صانعي القرار والشركات العالمية يفكرون في توسيع الصناعة في دول الخليج للاستفادة من هذه الميزة التنافسية. إلا أن ثورة النفط الصخري جلبت كميات هائلة من الميثان والإيثان كما سلف، فنتجت من ذلك أمور عدة أهمها: 

توسع صناعة البتروكيماويات الأميركية فانخفضت واردات الولايات المتحدة وانخفضت أسعار البتروكيماويات، بالتالي انخفضت عائدات البتروكيماويات في الخليج، وانخفضت أسهم شركات البتروكيماويات. 

إلغاء مشاريع بتروكيماوية ضخمة في بعض دول أوبك وعودة الشركات العالمية لبناء المعامل في الولايات المتحدة.  وكان هناك نحو 460 مشروعاً كيماوياً تحت الإنشاء في الولايات المتحدة قبل انخفاض أسعار النفط عام 2015. 

إذاً، كان من أهم نتائج ثورة الصخري هو تأثر قطاع البتروكيماويات الخليجي سلبياً بها.

صناعة التكرير 

ركز عدد من الباحثين العرب عامة والخليجيين خاصة منذ السبعينيات على ضرورة قيام الدول النفطية العربية ببناء مصافي نفط وتصدير المنتجات النفطية بدلاً من النفط الخام، للاستفادة من القيمة المضافة في هذه الصناعة. وبعد قيام بعض هذه الدول ببناء مصاف ضخمة ومتقدمة لتصدير المنتجات النفطية، زادت الولايات المتحدة من طاقتها التكريرية وزادت من صادرات المنتجات النفطية بشكل كبير، لدرجة أن ثورة الصخري ضربت الهدف الاستراتيجي الثاني: صناعة التكرير.  

ما الذي حصل؟  

بعد المقاطعة النفطية في عام 1973، صدر قرار رئاسي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون بمنع تصدير النفط الأميركي. هذا المنع لم يكن يشكل أي مشكلة لأن الإنتاج الأميركي كان في انخفاض مستمر، ووارداتها النفطية في ازدياد مستمر. ولكن ثورة الصخري قلبت الأمور رأساً على عقب: هناك فورة في الإنتاج، ولكن لا يمكن تصدير النفط الخام، فانخفضت أسعار النفط بشكل كبير داخل الولايات المتحدة مقارنة بالأسعار العالمية. فاستغلت شركات التكرير هذه الفرصة، فاشترت النفط الأميركي الرخيص، كررته، ثم باعت المنتجات النفطية في الأسواق العالمية بالأسعار العالمية، فحققت شركات التكرير أرباحاً ضخمة في تلك الفترة. ما جعلها تزيد معدلات التكرير وتزيد من الصادرات، حتى أصبحت الولايات المتحدة من أكبر مصدري المنتجات النفطية في العالم.  

إلا أن معدل الزيادة في صادرات النفط الأميركية كان أكبر بكثير من معدل الزيادة في الطلب العالمي على هذه المنتجات! هذا يعني أن حصة الولايات المتحدة زادت على حساب الحصص السوقية للدول الأخرى. ويعني أيضاً انخفاض معدلات أرباح المصافي في دول أوبك وغيرها لأنها تشتري النفط بالأسعار العالمية، بينما المصافي الأميركية تشتريه بالأسعار الأميركية المخفضة. 

باختصار، أثرت ثورة الصخري سلبياً في قطاع التكرير، الخيار الاستراتيجي الثاني لدول أوبك والخليج!

الغازات السائلة 

نظراً لعدم خضوع الغازات السائلة لحصص أوبك، والطلب المتزايد عليها عالمياً، تبنت دول عدة في أوبك خياراً استراتيجياً يعتمد على زيادة الاستثمار لزيادة إنتاج هذه السوائل، خصوصاً أن بعض دول أوبك لديها القوة السوقية للتحكم في أسعار هذه السوائل في بعض الأسواق العالمية. 

إلا أن ثورة الغاز الصخري جاءت بكميات هائلة مما يسمى بـ"الغاز الرطب"، وهو الغاز الذي يحوي على نسبة عالية من هذه السوائل الغازية، ثم تلتها ثورة النفط الصخري التي جلبت مزيداً من هذه السوائل. هذه الزيادة في الإنتاج أسهمت في تخفيض واردات الولايات المتحدة منها، علماً أنه كان يتوقع زيادة مستمرة فيها. كما أسهمت في زيادة مستمرة وضخمة في صادرات هذه المنتجات لدرجة أنه خلال 12 سنة ارتفعت صادرات الغازات السائلة الأميركية بمقدار 22 ضعفاً!  

وبما أن الطلب العالمي على هذه الغازات لم يرتفع بالمعدل نفسه، فإن هذا يعني أن المنتجين الأميركيين أخذوا حصة من المنتجين الآخرين، الذين أغلبهم من أوبك. وبالفعل، خسر بعض المنتجين الخليجيين جزءاً كبيراً من أسواقهم في أميركا الشمالية والوسطى والجنوبية، وخسروا قدرتهم على التسعير، فانخفضت أسعار هذه المنتجات بشكل ملحوظ. وبعد الانتهاء من توسيع قناة بنما، المتوقع أن تنافس هذه المنتجات الأميركية المنتجات الخليجية في بعض الأسواق الآسيوية. 

إذاً، أثرت ثورة الصخري الأميركي سلبياً في دول أوبك في الخليج في مجال الغازات السائلة.

النفط الخام 

لم يؤثر إنتاج النفط الصخري في دول الخليج بشكل مباشر لأن عملية الإحلال محل الواردات اعتمدت على النوعية: النفط الصخري خفيف وحلو، فحل محل واردات النفط الخفيف الحلو من الجزائر ونيجيريا وليبيا. إلا أن واردات الولايات المتحدة من نفط الخليج لم تتأثر كثيراً لأنه من النوع الأثقل والأحمض. والاختلاف في النوعية درس لم يستوعبه الساسة الأميركيون حتى الآن حيث أن غالبية السبعة ملايين برميل التي تستوردها الولايات المتحدة يومياً الآن هي من النوع الأثقل والأحمض، بالتالي فهم بحاجة إلى النفط الخليجي على كل الحالات. 

إذا لم تكن هناك حاجة لرد فعل خليجي في البداية على زيادة إنتاج الصخري، إلا أن الزيادة المستمرة في إنتاج الصخري، ثم انخفاض إنتاج النفط في دول عربية عدة بسبب الربيع العربي، ثم خسارة جزء من النفط الإيراني، تطلب زيادة إنتاج دول الخليج، إلا أن رغبة هذه الدول بالحفاظ على أسعار نفط مرتفعة فوق 90 دولاراً للبرميل، جعلها تخفض الإنتاج، وكان هذا خطأ كبيراً وقتها. فقد كان من المفروض أن تقوم هذه الدول بزيادة الإنتاج إلى أقصى ما يمكن في عامي 2012 و2013، ولكنها لم تقم بذلك، وبقيت الأسعار مرتفعة. ما شجع شركات الصخري على التنقيب في مناطق جديدة، وبدأ الطوفان! بعبارة أخرى، لو زادت دول الخليج إنتاجها وخفضت أسعار النفط إلى 75 دولاراً في 2012 و2013، لما زاد إنتاج النفط الصخري بالشكل الذي نراه اليوم، ولكانت الأسعار الحالية أعلى مما عليه الآن. 

مع زيادة إنتاج النفط الصخري، استمرت نيجيريا والجزائر وليبيا في خسارة حصتها السوقية في الولايات المتحدة، فبدأت البحث عن أسواق أخرى، ولم يكن هناك بداً من منافسة دول أوبك الأخرى في أسواقها، خصوصاً دول الخليج في أسواقها الآسيوية. في الوقت نفسه، حصلت تطورات جديدة إذ قامت روسيا باقتطاع شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمتها إليها، فتم فرض حظر اقتصادي عليها أثر في صادراتها النفطية، فبدأت أيضاً البحث عن أسواق جديدة في وقت بدأ إنتاجها بالزيادة، فنافست دول الخليج أيضاً في الأسواق الآسيوية.

انهيار الأسعار في عام 2015  

جاء انهيار أسعار النفط بعد فشل دول أوبك في اجتماع الدوحة في الوصول إلى اتفاق لتخفيض الإنتاج. عندها قررت السعودية إبقاء الإنتاج كما هو عليه، ثم قامت بزيادة الإنتاج بعدها، وانهارت الأسعار.   

ما حصل هو التالي: زيادة إنتاج الصخري الأميركي، من دون تصديره، أسهمت في شق أوبك إلى نصفين، قسم خسر سوقه في الولايات المتحدة، وقسم لم يخسر، فقام الجزء الذي خسر سوقه بمنافسة دول أوبك الأخرى في الدول الآسيوية، عندها بدأت دول الخليج تحسّ بضغط الصخري. إلا أن العقوبات على روسيا أجبرتها على تحويل جزء من صادراتها إلى الصين والدول الآسيوية الأخرى، فاشتدت حدة المنافسة، نتج منها خروج الدول الأفريقية من آسيا ومنافسة دول أوبك الأخرى في أوروبا.  

القصة لم تنته هنا... فجأة يأتي اتفاق باراك أوباما النووي مع إيران، ويسمح لإيران بالتصدير، في وقت بدأت استثمارات الشركات العالمية في الحقول النفطية في العراق تؤتي ثمارها وزاد إنتاج العراق بشكل كبير. في هذا الجو التنافسي، لم يكن أمام السعودية خيار سوى أن تزيد إنتاجها. فانهارت الأسعار.  

مع انهيار الأسعار، بدأ إنتاج النفط الصخري بالتراجع، إلا أن هناك تطوراً آخر منع أسعار النفط من الارتفاع: رفع الحظر عن صادرات النفط الأميركي! 

أدرك منتجو الصخري أنهم الخاسرون بسبب الحظر على صادرات النفط الأميركي، وأدركوا أن الرابح هم شركات المصافي، فشكلوا لوبياً قوياً في واشنطن، ونجحوا في إقناع الرئيس أوباما برفع الحظر في نهاية عام 2015. قد يظن البعض أن رفع الحظر في طل هذا الجو التنافسي لن ينفع المنتجين الأميركيين، خصوصاً في ظل انخفاض الأسعار، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في الولايات المتحدة: رفع الحظر أدى إلى انخفاض الفروقات السعرية، بالتالي فإن الأسعار من وجهة نظر المنتجين الأميركيين ارتفعت، بينما انخفضت من وجهة نظر العالم كله! عندها بدأت دول أوبك تتساءل: لماذا لم تفلس شركات النفط الصخري؟ الأسعار تنخفض، وهذا الشركات بدأت بزيادة الإنتاج مرة أخرى، لماذا؟ لأنه في الواقع الأسعار ارتفعت من وجهة نظرهم بسبب إنقاذ أوباما، عدوهم اللدود، لهم عن طريق رفع الحظر عن صادرات النفط. 

مع زيادة الصادرات الأميركية، بدا النفط الأميركي الخفيف الحلو منافسة النفط الخليجي في أسواقها الأساسية في أوروبا وآسيا، واتضح هذا الأثر في العامين الأخيرين بشكل جلي.  

وبالنظر إلى البيانات، نجد أنه منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية عام 2016، ارتفع إنتاج دول أوبك بحوالى 3.5 مليون برميل يومياً، بينما انخفض أنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة بحوالى 900 ألف برميل يومياً. هذه البيانات تؤكد أن أثر النفط الصخري تمثل في زيادة حدة المنافسة بين دول أوبك، جاءت أمور سياسية أخرى مثل رفع الحظر عن إيران وفرض العقوبات على روسيا التي أدت إلى تفاقم الوضع.  

خلاصة القول هنا أن ثورة الصخري الأميركي ضربت هدفاً استراتيجياً آخر لدول الخليج. كان الأثر غير مباشر في البداية أثناء الحظر على صادرات النفط الأميركية عن طريق قسم أوبك نصفين وتنافس دول أوبك مع بعضها. ثم تحول إلى أثر مباشر بعد السماح بتصدير النفط الأميركي، حيث قام هذا النفط بمنافسة دول الخليج في عقر أسواقها التقليدية.

النتيجة العامة لكل ما سبق هي انخفاض أسعار النفط والغاز والبتروكيماويات والغازات السائلة والغاز المسال. بالتالي خسارة دول أوبك مليارات من الدولارات.

النتائج السياسية السلبية 

التركيز على الجانب السياسي هنا مثير للجدل لأنه لا يمكن الجزم بها. إلا أن هناك حقيقة تاريخية وهي أن هناك ارتباطاً كبيراً في سياسات الطاقة الأميركية وسياستها الخارجية، ويتفق الخبراء على أن أمن الطاقة في الولايات المتحدة هو جزء من الأمن القومي. ويتفقون على أن هناك ترابطاً بين هذه السياسات بحيث تؤثر سياسات الطاقة في سياسات الأمن القومي وتؤثر سياسات الأمن القومي في أمن الطاقة. لهذا فإنه من المنطقي أن يؤدي تحول الولايات المتحدة من صافي مستورد للنفط إلى صافي مصدر للنفط، وتبوئها منصب أكبر منتج للنفط في العالم، واهتمامها بموضوع اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي، إلى تغير في السياسات الأميركية الخارجية. ما سبق هو المتفق عليه.  

أما المختلف فيه فيشمل أفكاراً مثل: أسهمت ثورة الصخري في "فرعنة" ترامب، بالتالي سياساته الخارجية، وهذا يشمل أموراً كثيرة منها نقض الاتفاق النووي مع إيران وفرض حظر عليها، وفرض حظر على فنزويلا، وانسحابه من اتفاقية المناخ. ويذهب البعض إلى أبعد من ذلك ويقول إن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وموافقته على ضم إسرائيل لمرتفعات الجولان السورية ناتج من ثورة النفط الصخري التي أضعفت ورقة دول الخليج والدول العربية في واشنطن. 

بناء على هذا يمكن القول إن ثورة النفط الصخري كانت نقمة على دول الخليج والدول العربية الأخرى، ولكن هناك آثاراً إيجابية، بالتالي فهي نعمة أيضاً. ويصعب في الوقت الحالي حساب صافي المساوئ والمنافع.

منافع ثورة الصخري من وجهة نظر دول الخليج

أفضل طريقة لمعرفة منافع ثورة الصخري هو تصور العالم من دون ثورة الصخري على الإطلاق. عندها ستكون أسعار النفط مرتفعة، مع انخفاض كبير وأبدي في نمو الطلب على النفط، وضغوط سياسية هائلة على دول الخليج. 

وإذا نظرنا إلى تفاصيل أدق، نجد أنه في غياب ثورة الصخري فإن أهم دولة في الخليج للأميركيين هي قطر، بسبب الاعتماد الأميركي الكبير على الغاز وواردات الغاز المسال من قطر. ولكانت إيران في وضع قوي بسبب نجاحها في الحصول على اتفاق نووي أفضل من السابق، وعدم قدرة الأميركيين على نقضه أو فرض عقوبات عليها. هذا يعني أن إيران ستكون في وضع سياسي واقتصادي أفضل بكثير مما هي عليه الآن. هذا يعني أن النفط الصخري نقمة كبيرة على إيران!  

ومن دون ثورة الصخري، سنجد أن دول الخليج ستنتج النفط والغاز بطاقتها القصوى، ولقامت باستثمارات محمومة وبتكاليف عالية لزيادة الطاقة الإنتاجية والإنتاج. هذا يعني أن جزءاً من الثروة المجمّعة من ارتفاع الأسعار سيذهب للاستثمار في مزيد من الإنتاج، ولن يذهب مباشرة إلى الاقتصادات المحلية لدول الخليج.  

هذا التصرف: زيادة الإنتاج، ليس بسبب الضغوط السياسية فحسب، وإنما يعكس أيضاً رغبة كبار الدول النفطية في تخفيض الأسعار وقتها كي لا تدمر نمو الطلب على النفط على المدى الطويل.  

وقد أبدع أستاذي الكبير عثمان الخويطر في إصراره الدائم على أن النفط الصخري هو نعمة لدول الخليج لأنه يمنع استنفاذ احتياطياتها النفطية بسرعة، وهو محق بذلك.   

ومن دون الصخري، مع ارتفاع أسعار النفط، سيقوم الساسة وصناع القرار في الشرق والغرب، بتبني سياسات معادية للنفط بشكل عام، ولمنطقة الخليج بشكل خاص. وسيتم تبني سياسات مختلفة لتخفيف الاعتماد على النفط. ما يعني انخفاض دوره وأهميته في المستقبل. والأنكى من ذلك، أن البعض سيستغل الوضع لتأجيج العداء ضد العرب والمسلمين، تماماً كما حصل في الماضي. باختصار، يمكن القول إن ثورة الصخري خففت كثيراً من الصداع لدول الخليج! 

خلاصة القول: هناك مساوئ ومنافع لثورة النفط الصخري من وجهة نظر دول الخليج، ومن الصعب الآن معرفة نتيجتهما إذا ما كانت إيجابية أو سلبية. وحتى لو تم حساب ذلك فسيبقى هذا موضوع خلاف. وهناك أمور عدة لم يغطها المقال على كلا الجانبين، على أمل أن يتم تغطيتها في المستقبل. 

المزيد من آراء