"الدراما اليمنية" في مرمى السخط الشعبي

النقاد: القنوات تخشى المخاطرة... وليس لدينا صناعة حقيقية... وغياب النص الجيد أبرز المشكلات

أحد مشاهد مسلسل "تاتش" اليمني (يوتيوب)

واجهت الدراما اليمنية، خلال شهر رمضان الماضي، نقداً لاذعاً وعبارات استهجان غير مسبوقة حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة من قبل اليمنيين، الذين عبّروا عن سخطهم من مضمون وشكل ما تنتجه القنوات اليمنية، مقارنة بما تعرضه نظيرتها العربية.

ويتهم قطاعٌ واسعٌ من اليمنيين الدراما المعروضة بالتهريج والسذاجة وغياب المضمون المفيد، فضلاً عن اعتمادها على الكوميديا المباشرة المتكلّفة، التي لا تخدم فكرة الموضوعات المطروحة، وتقديمها صورة (اليمني) على نحو من البؤس والسذاجة، إضافة إلى بعدها عن واقع وقضايا المجتمع.

الخيار المتاح
من جهته يقول المخرج اليمني عمرو جمال، "المشكلة الأساسيّة التي تواجهها الدراما اليمنية تتمثل في عدم تحوّل هذا المجال إلى صناعة تنافسيّة احترافيّة تحثُ على التنافس لإبراز الأفضل".

وأضاف، "الدراما المقدمة اليوم، وإن لم تكن بالدرجة الجيدة، تظل هي الخيار المتاح الوحيد للجمهور اليمني، خصوصاً ذوي الدرجة التعليمية المتواضعة، إلى الحد الذي نجدهم فيه يتأثرون بها، ويرددون الإفيهات (التهريج أو المزحة على لسان الشخصية التي تتحوّل إلى عبارة متداولة بين الناس) أو الحركات الهزلية التي عرضتها، وهي كوميديا لم تصل إلى المستوى الراقي".

 

وتابع جمال خلال حديثه إلى "إندبندنت عربية"، "المشاهد اليمني لا يحظى بمقارنة جيدة كي يفرّق بين الجيد والسيئ، والسبب أن أغلب ما تقدمه القنوات يدور في فلك الإطار ذاته المقدّم منذ سنوات طويلة".

ولفت إلى أن "الشخصيات الكرتونية الكوميدية الصارخة التي تحاول إضحاك الناس من خلال الشكل أو اللهجة أو قروية الشخصية هو كل ما تقدّمه القنوات، ولهذا سنأتي بعد سنوات عديدة، وقد تطوّرت التقنيات والكاميرات بشكل أكبر فيما نظن أن العمل قد تطور، بينما القالب والمضمون هو ذاته لم يتغير".

وينتقد المخرج اليمني عمل القنوات التي وصفها بأنها "تستسهل الخوض في هذا المجال، إضافة إلى عددها المحدود الذي غيّب التنافس".

الخوف من المخاطرة
واستكمل "القنوات ترى نفسها في المنطقة الآمنة، وتكتفي بإنتاج هذه الأعمال التي تراها كافية للجمهور، فيما تخشى المخاطرة بإنتاج أعمال جادة سواءً اجتماعية راقية أو عمل تاريخي جيد يتحدث عن حقبة زمنية معينة، وغيرها من الموضوعات التي يزخر بها اليمن".

وعن الحلول يقول "لا تزال بعيدة، نظراً إلى أن هذا المجال لم يتحوّل إلى الصناعة الحقيقية، التي حالت دون توجه كثيرٍ من الشباب إلى احتراف مجالات العمل الدرامي مثل الكتابة أو الإضاءة أو التصوير أو الإخراج... إلخ، وبالتالي فنقص التأهيل يعني عدم تحوّل الموضوع إلى صناعة حقيقية، وبقاء الحال كما هو عليه اليوم".

وبخصوص الانتقادات التي طالت عدداً من الأعمال التلفزيونية اليمنية مؤخراً يقول "حريّ بالقنوات استشعار المسؤولية بتقديم صورة حقيقية عن البلد بدلاً عن الصورة الهزلية ضعيفة الشكل والمضمون".

أنتجت القنوات مجموعة مسلسلات، أبرزها "غربة البن"، الذي يعد هو الأضخم إنتاجاً، ويعرض على قناة "يمن شباب"، إضافة إلى "تاتش" على "قناة سهيل"، و"مع ورور"، و"على أيش"، على قناة السعيدة، وأعمال أخرى.

دراما موسمية
الفنان محمد طالب يرى أن "المشكلة الأساسية التي تعانيها الدراما تتمثل في كونها دراما موسمية، لا تصنع فناً احترافياً، مثل الذي نشاهده لدى الآخرين".

ويضيف، "أزمة الكُتّاب تتجلى في الاصطدام بقنوات منتجة جشعة لا تقدم النصّ كما رسمهُ فيظهر الإنتاج ركيكاً لا بمستوى الطموح".

وعن إنتاج أعمال تواكب ما لدى الآخرين قال "لا أظن أن باستطاعتنا فعل ذلك في المستقبل القريب على الأقل، لأن المعيقات كبيرة والإمكانات ضعيفة، ونيّة التحوّل إلى صناعة الدراما لا تزال بعيدة المنال، نظراً إلى الظروف الصعبة التي تشهدها بلادنا".

غياب التنافس
وقالت الكاتبة والناقدة الفنية هدى جعفر، "من حق الجميع إبداء الرأي تجاه الأعمال المعروضة، وهي آراء مفيدة لو أصغى إليها صنّاع الدراما لمعرفة ما الذي يدور في أذهان الجماهير".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضافت، "توجد مشكلة يعانيها صُنّاع التعبير الثقافي والفني باليمن من مخرجين وكتّاب سيناريو، وهي الاعتقاد أن الفنون يجب أن تنتج بناءً على قصة مرويّة أو مستقاة من الواقع، وهذه فكرة تجاوزها الآخرون منذ سنوات طويلة، ولم تعد مجدية إلا باليمن".

وتابعت جعفر، "نعاني أيضاً أزمة كبيرة في الإنتاج والإخراج، إضافة إلى غياب روح التنافس مع الدراما العربية، باعتبار أن المسلسلات اليمنية لا تنافس إلا نفسها".

وعلاوة على مشكلة السيناريو تضيف الناقدة معضلة أخرى "تكمن في غياب النص الجيد من شخصيات مُحكمة متقنة، وإيقاع منضبط، وحلقات درامية مرسومة بشكل جيد".

تجارب الآخرين
وللارتقاء بعمل الدراما اليمنية قالت الناقدة "هذه المسألة تحتاج إلى وقت وجهد طويلين حتى تقف الدراما اليمنية على قدميها، وتعبّر عن نفسها بالطريقة المُرضية، وبمستوى الطموح لتقنع اليمنيين أولاً، ثم تنافس غيرها في البلدان العربية الأخرى".

وعن العوامل التي تراها كفيلة لتطوير هذا المجال قالت "يحتاج المخرجون وكتّاب السيناريو والمصوّرون اليمنيون إلى الاطلاع على التجارب الأخرى سواء في الشرق الأوسط أو العالم بشكل عام لمعرفة تقنيات وأساليب جديدة تتعلق بالكتابة وتقنيات التصوير ورسم الشخصيات، وكل ما يخص فنون الدراما".

المزيد من فنون