الأمازيغية في الجزائر: الهوية القتيلة والقاتلة والمقاتلة

مع بداية السبعينيات انطلقت مرحلة التعريب بكثير من الارتجال العلمي والثقافي والبروباغندا السياسية

العلمان الجزائري والأمازيغي في تظاهرات مارس المنصرم ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة (أ.ف.ب)

انفجار الهوية أخطر من انفجار القنبلة الذرية. في الجزائر كأس الهوية معرض للانكسار، وجبرُه أمرٌ صعب أو يكاد.

ظلت مسألة الهوية الأمازيغية في الجزائر القنبلة التي يحملها التاريخ الوطني في جيبه، فلا هي انفجرت ولا هي تبللت فتيلتها فتولى خطرها. إنها قائمة. كلما اختفت من على الساحة لظرف تاريخي أو سياسي معين، إلا وظهرت لاحقاً لظرف سياسي معين آخر، وانفجارها في وجوه الجميع متوقع وفي كل لحظة، وعلامة ذلك تبدو واضحة في قضية الصراع حول رفع "الراية" الأمازيغية من قبل المتظاهرين.

الأنظمة السياسية التي تعاقبت على السلطة في الجزائر، جميعها ومن دون استثناء ومنذ الاستقلال، استثمرت في مسألة الهوية الأمازيغية. فتارة تؤججها لتغطية أمر ما، وتارة تقمعها لتمرير أمر ما آخر. عاشت الهوية الأمازيغية ما بين العصا والجزرة.

قبل اندلاع ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي في فاتح نوفمبر (تشرين الثاني) 1954، كان سؤال الهوية الأمازيغية حاضراً في الاختلاف، وفي النقاش، وفي الصراعات. وقد تجلى الصراع بوضوح في مؤتمر حزب الشعب الذي كان يقوده مصالي الحاج، حول كيفية التعامل مع مسألة الهوية الأمازيغية كان ذلك في 1949، وهو ما اصطلح عليه في تاريخ الحركة الوطنية بالأزمة البربرية (La crise berbère). ومع ذلك فإن الثورة الجزائرية بكل قوتها وبكل ثقلها وأيضاً، بإيمان من قادتها على اختلاف مشاربهم الأيديولوجية والهوياتية بأسبقية فكرة "الاستقلال" على المسائل التفصيلية الأخرى.

هذا الوضع التوافقي النضالي هو الذي أجل الحفر في المسألة الأمازيغية إلى وقت لاحق، خصوصاً أن منطقة القبائل كانت الركيزة الأساسية للثورة، قيادة وتنظيراً وقاعدة. هذا لا يعني مطلقاً التقليل من مشاركة الجهات والمناطق الأخرى في الثورة ضد المستعمر. 

كان الزعيم آيت أحمد وهو أحد قادة الثورة الأمازيغ، أول من ثار ضد حكم الرئيس الأول للجزائر المستقلة أحمد بن بلة، الذي كان قريباً جداً من البعد العروبي، ومتأثراً بشخصية جمال عبد الناصر وواقعاً تحت تأثيره. وبعد نفي آيت أحمد تمّ دفن القضية الأمازيغية على المستوى السياسي، على الأقل ظاهرياً، وبدأ نظام العسكر يتركز ويتمأسس في السياسة مع الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع العقيد هواري بومدين، على الرئيس أحمد بن بلة في 19 جوان (حزيران) 1965.

الهوية القتيلة التي تنهض كل مرة من رمادها:

ومع مجيء العسكر للسلطة، تراجع حلم الديمقراطية والتعددية التي حلم بها الشهداء والمجاهدون وهم يخوضون حرباً تحريرية من أعظم حروب القرن العشرين. وحاول الكولونيل بومدين إضافة إلى منع كل ما يتصل بالمطلب الهوياتي الأمازيغي على المستوى السياسي والهوياتي، العمل على الاختراق الديموغرافي للمدن ذات الغالبية الأمازيغية، وهي إستراتيجية لتوطين ثقافة داخل ثقافة أخرى.

ومع بداية السبعينيات انطلقت مرحلة التعريب بكثير من الارتجال العلمي والثقافي والبروباغندا السياسية، كل ذلك بإشراف من جهاز الحزب الوحيد في البلد وهو "حزب جبهة التحرير الوطني"، الذي رفع شعارات سياسية "عروبية" و"إسلامية اشتراكية". وفي حملة التعريب هذه لم يكن الغرض محاربة اللغة الفرنسية كما حاول الخطاب السياسي تسويقه، بل الغرض الأساس هو محاربة الهوية الأمازيغية وإطفاء نارها التي تحت الرماد، والتي شعر النظام بأنها لا محالة منفجرة غداً أو بعد حين!

وبدأ التخوين يلحق بكل جزائري يدافع عن الهوية الأمازيغية. وأصبح في نظر النظام أن كل من يبحث في الهوية الأمازيغية، أو يطرح سؤالاً عليها أو عنها، هو من بقايا الاستعمار. وهو واقف في طابور الأكاديمية الفرنسية للغة البربرية. لقد تميزت المرحلة الممتدة من حكم العقيد هواري بومدين (1965-1978)، وصولاً إلى الربيع الأمازيغي في أبريل (نيسان) 1980، بالشدة والتشدد، بحيث طال السجن والتكميم المطلق كل صوت سياسي مغاير، خصوصاً في ما يتصل بالمطالبة بحقوق الهوية الأمازيغية أو الدعوة إلى التعددية الثقافية والسياسية.

وقد اختصرت الهوية الأمازيغية، خلال الفترة الممتدة من مرحلة حكم الرئيس أحمد بن بلة مروراً بحكم هواري بومدين وحتى الربيع الأمازيغي (فترة حكم الشاذلي بن جديد)، في مظاهر فولكلورية استهلاكية من دون أي بعد سياسي أو حضاري عميق. وفي الوقت نفسه مارست المؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام التي هي وسائل البروباغندا، سلطة المنع والرقابة، ومصادرة كل ما يمكنه أن يثير سؤال الهوية الأمازيغية في الكتب الأدبية ودروس التاريخ، وإنزال الستار عن كل ما هو تاريخ سابق لدخول الإسلام إلى شمال أفريقيا.

الهوية المقاتلة تنهي استراحة المحارب:

اندلعت أحداث وتظاهرات الربيع الأمازيغي بسبب منع محاضرة للكاتب والروائي والباحث الأنتروبولوجي مولود معمري من قبل أجهزة النظام. محاضرة كانت مبرمجة في جامعة تيزي وزو حول الشعر الأمازيغي، شكّل هذا المنع اللحظة التاريخية العميقة والفاصلة في انطلاق عملية التجنيد الثقافي والسياسي الهوياتي الجديد، وبجيل جديد تحلّق حول بعض الرموز الفنية والأدبية والموسيقية الملتزمة، لوضع الهوية الأمازيغية مرة أخرى على سكة التاريخ. وهذه المرة ستكون الأصوات الثقافية والسياسية وازنة وفاعلة وعنيدة، تنتمي لجيل ما بعد الثورة، والتي استعملت خطاباً جديداً مثل المعاصرة والديمقراطية والتعددية السياسية واللغوية وحرية الرأي والمعتقد. وسوف تكون لأحداث 5 أكتوبر (تشرين الأول) 1988 التي خرج فيها الشعب الجزائري إلى الشارع ضد نظام الشاذلي بن جديد، مطالباً بالتعددية السياسية والإعلامية، نتائج إيجابية على المناضلين من أجل استرجاع الهوية الأمازيغية المغيبة. وهو بالفعل ما تحقق ابتداء من 1989 حيث سمح للمرة الأولى في تاريخ الجزائر المستقلة بتأسيس أحزاب سياسية، فكان حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" (الأرسيدي)، الذي قاده السياسي والطبيب والمثقف والروائي سعيد سعدي، هو الصوت المسموع والواضح في مطالب استرجاع الهوية الأمازيغية، والذي جاء بديلاً واستكمالاً لما قامت به "الحركة الثقافية البربرية" (الإيمسبي)، كما واصل الحزب العتيد في المعارضة أي "جبهة القوى الاشتراكية" (الأفافاس) هو الآخر وبنفَس مغاير تموقعه الجديد مع الانفتاح السياسي.

وانتقلت الهوية الأمازيغية من زمن "التكميم" إلى زمن "التفعيل" على المستوى السياسي، وتأسست مئات الجمعيات الثقافية التي بدأت تشتغل على استرجاع الهوية المفقودة أو "القتيلة" التي تنهض من رمادها، ليس في منطقة القبائل وحدها بل في جميع المدن الجزائرية كالعاصمة ووهران وقسنطينة وعنابة وسطيف وباتنة وبشار وتامنراست وغيرها.

المؤمنون بالهوية المقاتلة هم الذين دفعوا بنظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للخضوع إلى مطالبهم على الرغم من أن الرئيس المخلوع بوتفليقة كان قد صرح في واحدة من حملاته الانتخابية الخاصة بولايته الأولى، بأنه لن يسمح بترسيم اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية ما دام رئيساً للبلاد، ويذكر الجميع القمع الذي مارسه نظامه في 14 يونيو (حزيران) 2001 ضد ما سمي وقتها بتنسيقية حركة العروش الأمازيغية، التي زحفت على العاصمة بمليونية قادمة من تيزي وزو وبجاية والبويرة وبومرداس وغيرها، وقد قتلت قوات الأمن أزيد من مئة شاب مناضل من أجل استرجاع الهوية الأمازيغية.

ولأن حركة مناضلي الهوية "المقاتلة" سياسياً تميزت بخاصيتين أساسيتين الأولى هي طابع "السلمية" المقرونة بمبدأ اللامساومة على الهوية، والثانية هي كون غالبية قادة هذا الجناح من المثقفين التنويريين، لذا فقوة هذا الخيار "المقاتل" كان بعيداً من العنف بل هو نابع من البعد الثقافي واللغوي والفني الراقي الذي طبع التوجه. فقد انخرط في هذا المسار كثير من الكتاب والفنانين والمسرحيين والسينمائيين من أمثال سعيد سعدي الكاتب والطبيب، وسالم شاكر وعبد النور عبد السلام والشهيد معطوب الوناس (قتله الإرهاب)، وإيدير، وآيت منغلات، وعبد الرحمن بوقرموح وعبدالله حمان وغيرهم... ويعد جناح الهوية "المقاتلة" هو الجناح الأكثر صدقاً والأكثر عقلانية وثباتاً وهو الذي أجبر السلطة في عهد بوتفليقة على الرضوخ إلى مطالبها، بالتالي الاعتراف في نص التعديل الدستوري الأخير 2016 بأن اللغة الأمازيغية هي لغة وطنية ورسمية إلى جانب اللغة العربية. وبدسترة الأمازيغية، دخلت الجزائر في عهد جديد مع أن تيار الهوية "المقاتلة" ظل يعتبر ما تحقق هو بداية الطريق النضالي وليس نهايته. وكان ينبه في كل مرة إلى ضرورة الانتباه إلى استعمال النظام للمسألة الأمازيغية بغرض إطالة عمره وإدامة سلطانه وذلك عن طريق ركوب قطار قضية الهوية الأمازيغية التي لا يؤمن بها أصلاً.

يحتاج تيار "الهوية المقاتلة" السلمية الثقافية، إلى فضاء سياسي ديمقراطي لتطوير أطروحته الداعية من جهة إلى استعادة الهوية الأمازيغية واسترجاع الذاكرة المسروقة، ومن جهة أخرى إلى الدفاع عن إقامة نظام سياسي متعدد، ووطن واحد بثقافات ولغات متعددة.

الهوية القاتلة خطر على الأمازيغية وعلى الجزائر:

إن غياب الفضاء الديمقراطي واستشراء الفساد الاقتصادي وتلاعب الأنظمة السياسية المتعاقبة على الحكم في الجزائر منذ الاستقلال بالمسألة الأمازيغية، هو الذي ساعد على ولادة ما يسمى بتيار "الهوية القاتلة"، وهو التيار المتطرف الذي يدعو إلى الانفصال وتفكيك الوحدة الوطنية، وحين أقول الوحدة الوطنية فهذا لا يعني "بلد الرعايا" بل المقصود بها هنا هو "وطن المواطنة"، أي تلك "الوحدة الوطنية" التي يجب مراجعة نظام الحكامة فيها، وذلك بتحقيق العدالة الجهوية والمناطقية التي تسمح برقابة أكبر، وبتوزيع عادل للثروة الوطنية، وأيضاً بحس المنافسة والدفاع عن الحريات الفردية والعامة واستقلال العدالة وتعدد اللغات واحترام الحريات الفردية والجماعية. ويلقى تيار "الهوية القاتلة" معارضة من داخل منطقة القبائل أولاً.

ولضرب الهوية والثقافة الأمازيغية، يحاول النظام "شيطنة" صورة كل من يدافع عن الهوية الأمازيغية، وذلك بربطها إما بتيار "الهوية القاتلة" الانفصالية، أو بقوى خارجية وبفرنسا أساساً، كي يشحن غضب العامة ويؤجل تحقيق ما جاء في الدستور من دسترة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، وتعميم تدريسها وتوفير الإمكانات الخاصة لذلك.

المزيد من آراء