هل حكم بوتفليقة الجزائر بوزراء ومسؤولين نصف فرنسيين؟

التسابق نحو كسب هذه الجنسية بين السياسيين الجزائريين هو جلب للحصانة

الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة مشاركاً في انتخابات العام 2017 (أ.ف.ب)

تتواصل الحساسية بين الجزائر وفرنسا منذ بداية الحراك، وبينما كانت الضربات تتم تحت الحزام، انتقل الأمر إلى العلن، إذ كشفت وزارة الداخلية الفرنسية أن مسؤولين جزائريين تحصلوا على الجنسية الفرنسية، استغلوها بغالبيتهم للفرار من عدالة بلادهم على خلفية تورطهم في قضايا فساد. وعلى الرغم من أن القانون الجزائري منع مزدوجي الجنسية من تولي مناصب وزارية وأخرى سامية، غير أن أحداً منهم لم يتعرض للمضايقة.

50 ألف مسؤول جزائري… فرنسي

كشفت مصادر وزارة الداخلية الفرنسية أن 50 ألف شخصية جزائرية كان لها نفوذ كبير في البلاد حصلت على الجنسية الفرنسية، مشيرةً إلى أن غالبيتهم تملك حسابات بنكية وعقارات واستثمارات، بينما انتقل آخرون للإقامة والعيش برفقة أسرهم في عدد من المدن الفرنسية، ما يُبرز درجة التلاعب بـ"الوطنية" التي كانت شعار المسؤولين الجزائريين. فينتقدون فرنسا ويتهجمون عليها باسم الوطنية والاستقلال والثورة التحريرية، لكنهم يسارعون للحصول على جنسيتها، استعداداً لأي خطر قد يهددهم، ويهرّبون أموال الجزائريين ويستثمرونها لصالح الفرنسيين، إضافة إلى تحضير إقامات راقية لهم ولعائلاتهم، في حين يعاني الشباب الجزائري من البطالة وغياب المشاريع التنموية.

الخبير في القانون الدولي إسماعيل خلف الله، المقيم في العاصمة الفرنسية باريس، أوضح أن أوّل خطوة يقوم بها معظم المسؤولين في حقبة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وحتى المنتخبين في البرلمان بغرفتيه، بعد وصولهم إلى مناصب المسؤولية هي السعي إلى الحصول على الجنسية الفرنسية وبطاقات الإقامة.

وأشار إلى أن هذا النوع من المسؤولين لا يؤمن ببلد اسمه الجزائر، إنما يعتبرونه مكاناً لجمع الثروة، بينما المُستقر هو باريس والعواصم الأوروبية الأخرى.

في المقابل، اعتبر الصحافي حكيم مسعودي أن الحديث عن حصول 50 ألف مسؤول على الجنسية الفرنسية، فيه شيء من المبالغة أو ربما المغالطة، ولا يطعن في وطنية المسؤولين فقط، بل يُدخل الشك حتى في "مصداقية" مؤسسات الدولة. وأضاف أن التوقيت الذي صدر فيه التقرير "حساس" ويتزامن مع المنعرجات الصعبة لحراك الجزائريين والتجاذبات التي يعيشها، وبالتالي يمكن أن يُفسر في إطار التشويش والضغط الدعائي من قبل جهة تدافع عن مصلحة لها في الجزائر.

وأشار إلى أن الشعب الجزائري يعلم أن عدداً من المسؤولين الكبار كانوا يخدمون مصالح فرنسا طيلة أربعة عقود، لكن هؤلاء لا يصل عددهم إلى هذا الرقم.

وظائف ممنوعة على مزدوجي الجنسية

وضعت السلطات الجزائرية في عام 2016، قانوناً يشترط التمتع بالجنسية الجزائرية من دون سواها لتولي مناصب المسؤولية. وهذا ما أثار حفيظة أطراف في الداخل من حاملي الجنسية الفرنسية، كونه يحرمهم من تعيينات في الحكومة وتقلد مناصب حساسة أخرى، بينما عبرت دوائر فرنسية عن قلقها من هذا القانون، واعتبرت أنه يستهدفها، فردت بسن قوانين صارمة في ما يتعلق بمنح الجنسية الفرنسية للمهاجرين وأبناء المتجنسين من الجزائريين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحدد القانون 15 وظيفة سامية يشترط لتوليها حمل صاحبها الجنسية الجزائرية فقط. وترتبط هذه المناصب بالوظائف التالية: رئيس مجلس الأمة ورئيس البرلمان ورئيس الحكومة ورئيس المجلس الدستوري وأعضاء الحكومة والأمين العام للحكومة والرئيس الأول للمحكمة العليا ورئيس مجلس الدولة ومحافظ بنك الجزائر ومسؤولو أجهزة الأمن ورئيس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات وقائد أركان الجيش وقادة القوات المسلحة وقادة النواحي العسكرية، وكل مسؤولية عسكرية عليا محددة عن طريق التنظيم.

وأشار خلف الله إلى أنه عند سن قانون يمنع مزدوجي الجنسية من تولي المناصب السامية في الدولة، كان كثيرون من المسؤولين الجزائريين قد حصلوا على الجنسية الفرنسية، قائلاً إن التسابق على الجنسية الفرنسية هو جلب للحصانة وإيمان بأن المستقر هناك وليس الجزائر، بدليل أن الحكومة الفرنسية أقرت قانون تمجيد الاستعمار عام 2005 وصادق عليه البرلمان الفرنسي، في حين قوبل قانون تجريم الاستعمار بالرفض الشديد من قبل نظام بوتفليقة وحزبه الحاكم.

وخلص خلف الله إلى أن النظام فتح الباب أمام تغول السياسة الفرنسية على المرادية، قصر الرئاسة، مقابل دعم عهدات الفساد البوتفليقي ومنها الخامسة. فهل يتجه الحراك إلى وضع العلاقات الجزائرية الفرنسية على سكة "الندية" والمصالح المتبادلة؟

المزيد من العالم العربي