Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تريد أنقرة تصعيد الأزمة مع أثينا؟

تركيا واليونان تستغلان التصريحات اللاذعة لتحقيق مصالح سياسية في الداخل والخارج

أردوغان منح هذا فرصة ثمينة لميتسوتاكيس، ليوظف هو أيضاً هذه الأجواء لصالح سياساته في الداخل والخارج (أ ف ب)

أنقرة مشغولة بالاقتصاد وأجندة الانتخابات، لكنها في الوقت ذاته تريد تصعيد التوتر في بحر إيجه. هذا الوضع يناسب أثينا أيضاً، ولذلك يردّون على التصريحات التركية بالطريقة ذاتها وبتصريحات قاسية.

صحيح أن العلاقات بين تركيا واليونان تسير في مسار متقلب منذ أعوام بسبب مشكلات تاريخية عميقة الجذور عصية على الحل. لكن بعيداً من جوهر الأزمة، ظلت الحكومات على مدار الأعوام الثلاثين الماضية تثير هذه القضية أمام رأيها العام كلما اقترب موعد الانتخابات، اعتقاداً منها بأن طرح هذه القضايا أمام المواطنين سيعين على استفزاز مشاعرهم الوطنية والقومية، بالتالي سيجعل فشل الحكومة في الاقتصاد قضية ثانوية.

ونجح هذا التكتيك نوعاً ما في الفترات الماضية، لذا تحاول الحكومة الحالية بدورها تكرار التكتيك ذاته، اعتقاداً منها بأن هذا سيغطي نوعاً ما الوضع الاقتصادي السيء.

إذاً ما هو مصدر التوتر؟

إن أساس المشكلات بين البلدين ينبع من رغبة اليونان بزيادة مياهها الإقليمية من 6 إلى 12 ميلاً، وكذلك النزاع في شأن وضع قبرص والجزر المسلحة ببحر إيجه. تضاف إلى ذلك مشكلات جديدة نسبياً، مثل: أزمة المهاجرين وإنشاء الولايات المتحدة الأميركية قواعد في اليونان ومحاولة اليونان تعطيل ميزان القوة الجوية مع تركيا من خلال شراء طائرات جديدة.

يذكر أنه في عام 2020 حصل توتر ناجم عن البحث عن الموارد الطبيعية في شرق البحر المتوسط، لكنه ​​انخفض مؤقتاً مع تدخل ألمانيا في العام ذاته، واستؤنفت المحادثات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى، حتى إن مطالبة اليونان "بالمضي قدماً من دون إشراك دولة ثالثة" قوبلت بالترحيب في أنقرة.

فالحكومة اليونانية كانت تعلم أن الرئيس رجب طيب أردوغان كان يستخدم تصريحاته آنذاك كعنصر من عناصر السياسة الداخلية، ولذلك فقد تفهمتها في ذلك الوقت. لأنه على العكس من التصريحات العلنية، كانت المحادثات في اللقاءات الثنائية ودبلوماسية الباب الخلفي تسير بشكل بناء. ففي الوقت ذاته، زار رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس تركيا والتقى الرئيس أردوغان.

هل الأزمة مع اليونان "مفتعلة"؟

لكن أردوغان يحتاج هذه المرة إلى أجواء حرب وأزمة ملحة أكثر من الأمس، لأن جميع نتائج الاستطلاعات تقريباً تكشف عن أن حزب العدالة والتنمية سيخسر الانتخابات المقبلة. ولهذا السبب، حاول أردوغان الاستيلاء على تل رفعت في سوريا، لكنه اصطدم بجدار معارضة الولايات المتحدة وروسيا، ما اضطره إلى تصعيد أزمة "مفتعلة" مع اليونان.

ومنح هذا فرصة ثمينة لميتسوتاكيس، ليوظف هو أيضاً هذه الأجواء لصالح سياساته في الداخل والخارج، على غرار أسلافه من السياسيين اليونان. فخلال زيارته الولايات المتحدة في 17 مايو (أيار)، أشار ميتسوتاكيس في خطابه بالجلسة المشتركة للكونغرس إلى المشكلة القبرصية، واستخدم عبارة "لن يقبل أحد في قبرص حل الدولتين على الإطلاق". ولقيت كلماته بشأن قبرص ترحيباً كبيراً من أعضاء الكونغرس.

القضية التي تزعج أنقرة حقاً هي أن ميتسوتاكيس، خلال اجتماعاته في البيت الأبيض والكونغرس، طالب واشنطن ببيع طائرات مقاتلة من طراز F-35 إلى أثينا، ومنع أنقرة من تحديث طائراتها الحربية من طراز F-16 وشراء طائرات حربية جديدة.

وأظهر الرئيس أردوغان رد فعله على هذا التطور بقوله: "لم يعُد هناك شخص اسمه ميتسوتاكيس بالنسبة لي". وبعد فترة وجيزة من هذه التصريحات، أثار الرئيس التركي موضوع القواعد الأميركية في اليونان، وقال: "أميركا لديها حالياً 9 قواعد في اليونان. إذاً ضد من تقام هذه القواعد، لماذا توجد هذه القواعد؟ سيقولون لكم: إنها "ضد روسيا، هذا كذب، إنهم غير صادقين. ندعو اليونان إلى الكف عن تسليح الجزر ذات الوضع غير العسكري والتصرف وفقاً للاتفاقيات الدولية. أنا لا أمزح، أنا أتحدث بجدية".

ما يغضب أردوغان حقاً هو أنه لا يؤخذ على محمل الجد من قبل الرئيس الأميركي جو بايدن، على الرغم من إدلائه بمثل هذه التصريحات القاسية ضد اليونان وعلى الرغم من أن أردوغان يطلق كل هذه التصريحات لأهداف انتخابية، ولن تؤخذ أيضاً من طرف بايدن على محمل الجد، فإن تركيا على العموم محقة في بعض النقاط الصحيحة حول الجزر.

ويتركز التوتر حالياً على الجزر اليونانية الواقعة في شرق بحر إيجة. فوفقاً لمعاهدة 1923 لوزان، لا ينبغي لليونان تسليح جزر ساموثريس وليمنوس وليسبوس وساموس وخيوس وإبسارا وأهيكريا، كما أنه وفقاً لمعاهدة باريس لعام 1947 ينبغي أن تكون جزر باتنوز وإليريا وكليميز وكوس وإليكي وكيربي وسيمبيكي ورودس وميس هي أيضاً منزوعة السلاح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نزع السلاح

وكان نزع السلاح من هذه الجزر من شروط تركيا، التي تم قبولها في مفاوضات لوزان، بهدف "منع احتمال تكرار حملة الأناضول 1919-1922"، التي قامت بها اليونان وانتهت بهزيمة الجيش اليوناني، وبالفعل قبلت أثينا هذا الشرط.

وتم توقيع اتفاقية باريس لعام 1947، التي لم تكُن تركيا طرفاً فيها، بين الدول التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية. وبهذه المعاهدة، أعيد نقل الجزر الواقعة تحت احتلال إيطاليا، التي هزمت في الحرب، إلى اليونان التي كانت من بين الدول المنتصرة.

وافقت اليونان على شروط نزع سلاح الجزر اليونانية في بحر إيجة. وظلت أثينا ملتزمة هذا الشرط حتى الصراعات في قبرص عامي 1963 و1964. لكن بعد "عملية السلام القبرصية"، التي بدأتها أنقرة في 20 يوليو (تموز) 1974، خرق الجيش التركي، الذي كان قلقاً من "حرب تركية يونانية محتملة"، الحظر بحشد قواته في جميع الجزر القريبة من الساحل التركي، بما فيها هذه الجزر.

نعم، كما يبدو، هناك مشكلات تاريخية في جذور المشكلة، فإن حل هذه المشكلات الأساسية ليس إطلاق التصريحات اللاذعة من خلال وسائل الإعلام، وكلا الطرفين يعرفان ذلك جيداً، إلا أنهما بدلاً من الحلول الجذرية، يوظفان المشكلة في تسيير سياساتهما الداخلية.

الرئيس أردوغان مستعد للمغامرة بأي خطوة هوجاء للفوز بالانتخابات، بما في ذلك ضم جمهورية شمال قبرص التركية إلى تركيا. وآمل ألا يسمح البيروقراطيون العقلاء في وزارة الخارجية بمثل هذه العروض لشخص ليس له هدف سوى الفوز في الانتخابات.

المزيد من تحلیل