Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شي جينبينغ تلميذ الماركسية المخلص يسعى لترويض الرأسمالية

الرئيس الصيني يعمل على تجديد شامل للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص

الرئيس الصيني أكد ضرورة مواصلة تعزيز تحديث الماركسية (أ ف ب)

ربما دفعت مشاهد المباني الفاخرة الشاهقة في بكين والمراكز التجارية جنباً إلى جنب مع المظاهر الاستهلاكية، وتبني نموذج اقتصادي أقرب إلى الرأسمالية، الذي ساعد الصينيين على أن يرسخوا أقدامهم على الساحة العالمية، ليصبحوا ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ونجاح رئيسها شي جينبينغ في تحقيق معدلات نمو عالية، كثيرين للاعتقاد أن الدولة الشيوعية أو بالأحرى المبادئ الماركسية، التي تأسس عليها الحزب الشيوعي الحاكم حالياً، بدأت تتلاشى.

نشأت الشيوعية كمنهج فلسفي من قبل كارل ماركس وصديقه فريدريك إنجلز في القرن التاسع عشر، بهدف تحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية من خلال القضاء على الملكية الخاصة، التي حددت المشهد السياسي والاقتصادي للقرن العشرين، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات، تحولت الدول التابعة له إلى اقتصادات أقرب للرأسمالية، وكان ظهور نظام تقوده الولايات المتحدة منذ أواخر السبعينيات وتهيمن عليه الأسواق العالمية، عاملاً قوياً في تحول كثير من الدول عن الشيوعية.

في هذا الصدد، يشير العديد من المراقبين إلى أن النهوض الاقتصادي الصيني يقف وراءه نموذج أقرب إلى الرأسمالية، إذ تقتصر الشيوعية على النظام السياسي الحاكم وليس الاقتصاد.

اقتصاد سياسي ماركسي

بحسب دورية هارفارد بيزنس ريفيو، التابعة لجامعة هارفارد، فإن العالم الغربي لم يفهم نموذج الصين على النحو الصحيح، إذ ظن الغرب أن تلك النسخة التي قدمتها بكين للعالم خلال فترة "الإصلاح والانفتاح"، التي بدأها الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ عام 1978، التي شددت على الحاجة إلى تجنب السياسات الراديكالية والعنيفة للثورة الثقافية، تعني أن الأيديولوجية في الصين لم تعد مهمة، بينما الواقع مختلف تماماً، ففي كل مرحلة منذ عام 1949 كان الحزب الشيوعي الصيني مركزياً في المؤسسات والمجتمع والتجارب اليومية التي تشكل الشعب الصيني. ولطالما آمن الحزب بأهمية التاريخ الصيني والفكر الماركسي اللينيني وأكد على أهميته، بكل ما يوحي بهما. وتقول الدورية الأميركية، إنه إلى أن تقبل الشركات والسياسيون الغربيون هذه الحقيقة، فإنهم سيستمرون في فهم الصين بشكل خاطئ.

خلال زيارته لجامعة ريمين في بكين، أبريل (نيسان) الماضي، أكد الرئيس الصيني ضرورة مواصلة تعزيز تحديث الماركسية. وقال إن أبحاث العلوم الاجتماعية يجب أن تتمتع "بخصائص صينية" وأن تسهم في "نظام المعرفة المستقل للصين".

ووفقاً لشبكة "بلومبيرغ" الأميركية، فإن زيارة شي لجامعة ريمين، حيث اجتمع مع اثنين من الاقتصاديين السياسيين، ليو وي رئيس الجامعة وتشاو فنغ، الذين مزجوا الماركسية بعناصر الاقتصاد الغربي، تسلط الضوء على تركيز الصين على تمويل ودعم الباحثين الذين يشككون في قوة الأعمال الخاصة، حيث دعا البعض إلى منع رأس المال الخاص من قطاعات بأكملها. وبالنسبة للبعض كانت الرسالة واضحة: في الصين اليوم، عادت الماركسية، ومن الأفضل أن يلاحظ المستثمرون ذلك.

ربما ما يدعم وجهة النظر هذه، هي تلك المقالات التي ينشرها الرئيس الصيني في دورية "كيوشي" للنظريات السياسية، التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، بشكل دوري. ففي العدد الرابع من الدورية هذا العام، نشر مقالاً يؤكد التمسك بالمسار الاشتراكي ذي الخصائص الصينية، وفي مقال نشره عام 2020، كتب يقول إنه "لا يمكن أن يكون أساس الاقتصاد السياسي الصيني سوى اقتصاد سياسي ماركسي، ولا يستند إلى نظريات اقتصادية أخرى"، رافضاً جدلية أن الاقتصاد السياسي الماركسي عفا عليه الزمن. وأوضح أنه سمح للأسواق بلعب دور في تخصيص الموارد، لكن جاء ذلك جنباً إلى جنب مع تعزيز الدور الحكومي، وأكد مواصلة دعم وتطوير الاقتصاد المملوك للقطاع العام.

وفي مناسبات عدة، لا يفوت شي تأكيد الماركسية كأساس للدولة الصينية. ففي يونيو (حزيران) العام الماضي، خلال احتفال الحزب الشيوعي الصيني بذكرى مرور 100 عام على تأسيسه، تحدث الرئيس الصيني، عن دور الحزب، الذي وصل إلى الحكم بعد حرب أهلية قبل 73 عاماً، في النمو الاقتصادي والعسكري للصين، داعياً أعضاءه إلى جعل المبادئ الماركسية والاشتراكية ذات السمات الصينية كأهداف حياتهم.

الاقتصاد السياسي الاشتراكي ذي الخصائص الصينية

تأثر شي، صاحب الـ69 سنة، بالماركسية يعود إلى ستينيات القرن الماضي، حيث بدأ السياسي الشيوعي تكوين وجهات نظره السياسية في ذروة التأثير الماركسي على الصين. وتقول "بلومبيرغ" إنه في حين برز اسم شي مع بعض أكبر الشركات الخاصة في بلاده، فإنه يظل مخلصاً لتلك الدروس المبكرة. ففي أحد خطاباته الرئيسة عام 2013 كزعيم للحزب الشيوعي قبل أن يصبح رئيساً للصين، قال إن "تحليل ماركس وإنجلز للتناقضات الأساسية للمجتمع الرأسمالي لم يعف عليه الزمن، وكذلك وجهة النظر المادية التاريخية التي ترى أن الرأسمالية ستنقضي وأن الاشتراكية لا بد أن تفوز".

بحلول عام 2015، كان شي يدعو إلى الخروج من القبضة الخانقة للاقتصاد المتأثر بالغرب، وحث الأكاديميين على تلخيص تجربة الصين في نظرية جديدة، التي أشار إليها باسم "الاقتصاد السياسي الماركسي الصيني"، فيما كان للانهيار المالي العالمي لعام 2008 دور في إقناع كثيرين بالفعل بأن الاقتصاديين الغربيين لم تعد لديهم الإجابات، ومع سيطرة الحزب الشيوعي الحاكم على الجامعات، أصبحت النظرية الجديدة أولوية بحثية رئيسة للأكاديميين، الذين يشيرون إليها الآن باسم "الاقتصاد السياسي الاشتراكي ذي الخصائص الصينية" (SPECC).

لم يحدث التحول الفكري بين عشية وضحاها، لكنه أصبح أكثر وضوحاً في العامين الماضيين. فمنذ نهاية عام 2020، عندما بدأ الحزب الشيوعي الصيني التعهد بكبح جماح "التوسع غير المنضبط لرأس المال"، اجتاحت هجمة تنظيمية الاقتصاد وسوق الأوراق المالية، وفقاً لمراقبين. فقوضت بكين قوة أكبر شركات الإنترنت وألعاب الفيديو في البلاد بقواعد جديدة مدعومة بغرامات صارمة وأطلقت حملة لإبطاء نمو الديون، مما خنق صناعة العقارات التي يهيمن عليها القطاع الخاص، ثم تم حظر الصناعة الضخمة التي كانت تقدم دروساً خصوصية هادفة للربح لأطفال المدارس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إعادة صياغة العلاقة

ومع ذلك لا يمكن القول إن هذه الخطوات كانت تهدف للقضاء بشكل كامل على القطاع الخاص، بل وفقاً ليوين يوين أنغ، الأستاذ المساعد بجامعة ميتشيغان والمتخصص في السياسة الصينية، فإن "شي كان يحاول استخدام الدولة لتجاوز مشكلات الرأسمالية". فالاقتصاديون السياسيون الذين تم تمكينهم من قبل شي رأوا الأمر بشكل مختلف، إذ فهموا أنه يدعو إلى تجديد شامل للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.

لا يدعو الاقتصاديون السياسيون في الصين إلى تأميم الاقتصاد كلياً، لكن البعض يطالب بإغلاق قطاعات معينة أمام الأعمال الخاصة. ووفقاً لنظرية "الاقتصاد السياسي الاشتراكي بخصائص صينية"، فإنه نظراً لأن الأرباح الرأسمالية تمثل استغلالاً للعمال، فإن حقيقة أن أرباح الشركات الحكومية تكون مملوكة للدولة (وتستخدم لمنفعة الناس) فهذا يجعل نظام الصين متفوقاً على الرأسمالية. ويقول زاو، أحد الاقتصاديين السياسيين الذين التقوا بـشي في أبريل (نيسان)، إنه "فقط في مجتمع الملكية العامة" يمكن تحقيق الرخاء المشترك.

ومع ذلك، فإن بعض الاقتصاديين السياسيين أكثر إيجابية تجاه فوائد الأعمال التجارية الخاصة، بحسب "بلومبيرغ". وفي الآونة الأخيرة، ظهرت علامات على أن شي يميل نحو هذا المعسكر حيث أثرت عمليات الإغلاق بسبب فيروس كورونا وتراجع قطاع العقارات، على الاقتصاد. وفي أوائل مايو (أيار) الماضي، عندما تمت دعوة الاقتصادي المخضرم ليو يوان تشون، من قبل جامعة رينمين لإلقاء محاضرة على "المكتب السياسي" وهو أعلى هيئة لصنع القرار في الحزب الشيوعي الحاكم، سلط الضوء على وجهة نظر ماركس القائلة إن "الرأسمالية، على الرغم من أنها دموية، فإنها خلفت ثروة أكثر مما شهده البشر في أي وقت مضى". وأشار إلى دول الرفاه الأوروبية كنموذج لترويض نظام السوق الحر.

كما أشار تشوان إلى العصر التقدمي في أميركا أوائل القرن العشرين، حيث ساعدت جهودها لكبح جماح الشركات الاحتكارية على معالجة الفساد وتجنب فترات الازدهار والانهيار المدفوعة بالائتمان من خلال قواعد مالية أكثر صرامة. وكتب في مقال نشر حديثاً، إنه في الوقت الحالي، يتعين على الصين "تحقيق توازن نسبي بين العمل ورأس المال، وعدم الانحياز إلى جانب أو آخر". وفي أعقاب اجتماع أبريل، كرر شي شعار منع التوسع غير المنضبط لرأس المال وحذر من أن الفشل في تنظيم نموه "سيؤدي إلى ضرر لا يقدر بثمن"، لكنه أضاف أنه "من الضروري تحفيز حيوية رأس المال بجميع أنواعه، بما في ذلك رأس المال غير العام، وإفساح المجال كاملاً لدوره الإيجابي"، مما جعل الرأسماليون الصينيون يتنفسون الصعداء، وفقاً للشبكة الأميركية.

المزيد من تقارير