Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثورات صناعية بلغت حقل الذكاء الانساني والجينات

من تطور طرق التفكير والإدراك إلى أساليب الحياة والتعبير وتصورات المعنى

عالم ما بعد الحداثة (مواقع التواصل)

اختبر العالم أربع ثورات صناعية كبرى: ارتبطت الأولى والثانية باستخراج مصادر الطاقة، في حين طورت الثالثة صلات الطاقة بالمعلوماتية، ونشطت الرابعة في حقل الذكاء الاصطناعي وهندسة الجينات وتغيير بنية الإنسان المألوفة. لا عجب، والحال هذه، من أن ترافق هذه الثورات ضمةٌ من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، وسلسلةٌ من الطفرات الفكرية الثقافية المستندة إلى تبدلاتٍ عميقةٍ في الباراديغمات أو النماذج المعرفية. فهل من رابطٍ سببي بين الثورات العلمية الصناعية الحديثة وتطور وعي الإنسان وفكره؟ لا بد أولاً من استعراض الثورات الأربع حتى نستطيع أن نستجلي تطور طرق التفكير والإدراك، وأساليب والحياة والتعبير، وتصورات المعنى والسعادة، وشروط صوغ الأسئلة الإنسانية الحاسمة.

الثورة الأولى: المحرك البخاري والفعالية الإنتاجية القصوى (1765)

من الثابت أن الثورة الصناعية الأولى نشأت في بريطانيا في نهاية القرن الثامن عشر. ومن ثم، انتقلت إلى بلجيكا وفرنسا وسويسرا. أما ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية واليابان، فاختبرت مفاعيل الثورة الصناعية الأولى هذه ابتداءً من أواسط القرن التاسع عشر. من جراء هذا التحول، انتقلت المجتمعات الغربية من الاقتصاد الزراعي إلى الاقتصاد الآلي الذي ينتج المواد على نطاق واسع.


يبين المؤرخ الاقتصادي الهنغاري-النمسَوي كارل بولاني (1886-1964) في كتابه الشهير "التحول الكبير" (La grande transformation) أن المجتمعات الصناعية الغربية اختبرت وقائع جديدة. لا ريب في أن عبارة الوقائع أو الأشياء الجديدة حملها عنوانُ الرسالة التعليمية التي أذاعها البابا ليون الثالث عشر (Rerum novarum) في 15 مايو (أيار) 1891. من هذه الوقائع التوازن السياسي العالمي، إذ انتفت الحروب العالمية الكبرى بين عامَي 1815 و 1914، والتوازن المالي في تبادل العملات، إذ ساد مبدأ الذهب المعياري وتضاءلت مخاطر التضخم، والتوازن الاقتصادي المبني على تنظيمات اقتصاد السوق. ومن ثم، ذهب علماء الاقتصاد إلى اعتماد مبدأ القطيعة بين اقتصاد القرون الوسطى واقتصاد الثورة الصناعية الأولى، مع أن المؤرخ الفرنسي الشهير فرنان برودِل (1902-1985) يصر على التواصلية الحضارية بين الحقبات التاريخية في المجتمعات الإنسانية.

لا بد في هذا السياق من التذكير بأهم الدراسات السوسيولوجية التي أظهرت صلات التواطؤ أو القربى الانتقائية بين الأنظومة الفكرية السائدة والنظام الاقتصادي المعتمد. شهيرةٌ الأبحاث التي ساقها عالم الاجتماع الاقتصادي الألماني ماكس فيبِر (1864-1920) في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، إذ أبان أن الفكر اللاهوتي البروتستانتي يَعد العملَ قيمةً أساسيةً تؤهل الإنسان للاقتراب من الله، خلافاً للفكر اللاهوتي الكاثوليكي الذي كان يربط العمل بالخطيئة الأصلية، ويعاين فيه عقاباً يرمي إلى التكفير عن الذنوب المرتكبة. غير أن الحقيقة تبين خلاف ذلك، إذ إن اللاهوت البروتستانتي لا يتكل على أعمال الإنسان من أجل الفوز بالخلاص، بل يعتمد على نعمة الله وحدها (sola gratia)، واللاهوت الكاثوليكي يرفض الاتكالية الوثوقية هذه ويثمن العمل الإنساني في قدرته على إشراك الإنسان في تدبير الخلاص الإلهي.

لا يخفى على أحد أن الثورة الأولى انسلكت في فكر عصر الأنوار الذي كان يناصر الدولة التي تضمن الحريات الفردية، ومنها حرية التجارة والصناعة والاستثمار، وما ينجم عنها من حرية التنافس. من اللافت أن يسقط في فرنسا نظامُ الاحتكارات التجارية الذي كان يمنع حرية المنافسة التجارية. في 14 يونيو (حزيران) 1791 سن البرلمان الفرنسي قانون لُشابُلييه (Le Chapelier) يلغي فيه وساطة الهيئات الاحتكارية، معززاً مقام الدولة ومقام الفرد، بحيث تتواجه في المجتمع الصناعي الجديد منفعتان شرعيتان: الفردية والعامة. ومن ثم، سقطت الرقابة على الإنتاج، على غرار ما كان سائداً في القرون الوسطى. لذلك يصرح المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (1889-1975) بأن ماهية الثورة الصناعية تقوم في التغيير الذي حصل حين استُبدلت المنافسة الحرة بالأنظمة الرقابية التي كانت تضبط عملية الإنتاج.


ليس من الصعب استخراج الخلفية الفلسفية التي واكبت هذه الثورة، إذ انبرى فلاسفة من أمثال مونتسكيو (1689-1755) وكوندورسِه (1743-1794) وآدَم سميث (1723-1790)، يعلنون أن التجارة والصناعة تعززان السلم الاجتماعي وتوطدان المودة، ولكنهما تحتاجان إلى الحرية حتى يتحول الازدهار الصناعي والنجاح الاقتصادي إلى علامة واضحة على الرقي الذي تختبره المجتمعات الإنسانية. من جراء هجرة الفلاحين الذين لم يطوروا زراعتهم تطويراً صناعياً ملائماً، انتشرت في ضواحي المدن الكبرى المكتظة ظاهرة الفردية الفلاحية الزراعية التي حللها المؤرخ الفرنسي مارك بلوخ (1886-1944).

الثورة الثانية: الكهرباء والنفط ومحرك الاحتراق الداخلي (1870)

انفجرت الثورة الصناعية الثانية حين استطاع العلماء استخدام الطاقة الكهربائية في المجال الصناعي الإنتاجي. برز اسمان في هذا الحقل: العالم الصربي نيقولا تِسلا (1856-1943) الذي أسهم في استثمار الطاقة الكهربائية في إنتاج القوة المحركة، والعالم الأميركي توماس إديسون (1847-1931) الذي أدخل نور الكهرباء في جميع ميادين الحياة الإنسانية.

وعلاوةً على ذلك، أفضى استخراج النفط إلى مضاعفة القدرة الإنتاجية في المعامل الصناعية التي تستخدم المواد الثقيلة من أجل تطوير الآلات الضخمة وبناء الجسور وسكك الحديد والأبنية الشاهقة التي طفقت تستقطب معظم قوى الإنتاج. لا ريب في أن ذلك كله أفضى إلى تغيير هيئة المدينة الإنسانية وتبديل كيفيات العلاقات الاجتماعية، وذلك بعد أن أفضى التطور التقني إلى تطويع الفولاذ والألمنيوم في صناعة السيارات والناقلات الأرضية والبحرية والجوية. وما لبثت تقنيات الاتصال أن تطورت من جراء اختراع وسائل التلغراف والتلفون. ومن ثم، اضطرت الشركات التجارية إلى تغيير أنظمتها الداخلية من أجل تفعيل القدرات الإنتاجية التنافسية.

الثورة الثالثة: الرقميات وتكنولوجيا المعلومات والإنترنت (1969)


نشبت الثورة الصناعية الثالثة في مستهل العقد السابع من القرن العشرين، مستندةً إلى تطور المعلوماتية ومضاعفة قدرات الكهرباء المستخرجة من الطاقة النووية. رافق ذلك كله تجويدٌ باهرٌ في صناعة أدمغة الكمبيوتر الفائقة الإتقان والفعالية. في أثناء ذلك، جرى أيضاً اكتشاف مجموعة من المواد النادرة التي تحتوي على أشد العناصر متانةً وتماسكاً إما من أجل صون الحرارة، وإما من أجل حفظ المعلومات ونقلها، وإما من أجل حماية البيئة. أما الحدث الأبرز في هذه الثورة، فكان ابتكار الإنترنت والشبكات الافتراضية واختراع الروبوتات والكائنات الاصطناعية الذاتية الابتدار والفعل والتحرك. ما برحت مفاعيل هذه الثورة ناشطةً في زمننا الحاضر، تؤثر تأثيراً بالغاً في أنماط تفكيرنا وأساليب حياتنا.

الثورة الرابعة: الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو (2016)


أما الثورة الصناعية الرابعة، فتجاوزت كل التصورات المألوفة، إذ أصابت بنية الإنسان في تطوير كيانه البيولوجي والدماغي، واستطاعت أن تغير في أسلوب الإنتاج بواسطة الطباعة الثلاثية الأبعاد. فأخذت تطور داخل الكيان الإنساني وخارجه ما يُعرف اليوم بالذكاء الاصطناعي الخطير. تستند هذه الثورة إلى رقمنة المعلومات وترابطية آلات الاتصال الجوالة. فضلاً عن ذلك، طفقت هذه الثورة تستثمر الذكاء الاصطناعي الروبوتي في تدبير المنازل وخدمة التنقل السيار والعمليات الطبية الدقيقة. ومع أننا ما زلنا في بدايات هذه الثورة، إلا أنها مفاعيلها آخذةٌ في الظهور، سواءٌ في هندسة التركيبة الجينية الإنسانية، أو في تطوير تكنولوجيا النانو، أو في تفحص شروط الحياة الأخرى، على كواكب مضيافة كالمريخ مثلاً، ينعقد فيها الفكر والإدراك والوجدان على غير ما ألِفناه منذ تبرعم الوعي الإنساني الأول وتجلياته الفنية البدائية على جدران المغاور. إذا قارن المرء هذه الثورة بما سبقها، تَبين له أنها لا تعتمد إيقاع التطور الخطي المستقيم، بل نمط الوثب الانتقالي المباغت الذي يمكن أن يُفضي إلى اختباراتٍ إدراكية ووجودية لم يتعودها الإنسان لا من قريب ولا من بعيد.

أثر الثورات الأربع في تغيير أنماط التفكير وأساليب الحياة

لا شك في أن هذه الثورات بدلت تبديلاً خطيراً في طرائق التفكير. لا يخفى على أحد ما قاله الفلاسفة في شأن تطور الفكر في إثر هذه التحولات. معروفةٌ الأطوار الثلاثة التي لجأ إليها الفيلسوف الفرنسي أوغُست كونت (1798-1857) في تحليل مسار التطور، إذ انتقل الناس من طور الفكر اللاهوتي المبني على حقائق الغيب، إلى طور الفكر العلمي الوضعي المرتكز على الفحص المختبري والتحليل العلمي، مروراً بطور الفكر المِتافيزيائي المستند إلى تجريد المفاهيم النظرية العامة. ومعروفةٌ أيضاً الأطوار الثلاثة التي عاينها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) في ترصد تغير النماذج المعرفية، إذ انتقل الناس من نموذج عصر النهضة القائم على إبيستِمه (épistémè) التشابه، إلى نموذج عصر الحداثة المستند إلى إبيستِمه التاريخ، مروراً بنموذج العصر الكلاسيكي المبني على إبيستِمه التصور الذهني. أما الوضعية الثقافية الراهنة، فتهيمن عليها قوى بنيوية منحجبة لا يقوى الإنسان على الإحاطة بكل مفاعيلها.


يمكننا الاستفاضة في استعراض آراء الفلاسفة الآخرين الذين تأملوا في التحولات التي استثارتها الثورات الصناعية الأربع. غير أنه من المفيد الالتفات إلى أن عصر الحداثة ابتدأ بالثورة الصناعية الأولى وانتهى بالثورة الثانية. أما عصر ما بعد الحداثة، فتستهله الثالثة وتفجره الرابعة. ذلك بأن الإنسان لم يعد الكائن العاقل القادر على ضبط الواقع وامتلاكه وإخضاعه وتطويعه واستثماره، حتى إن العلم فقد قدرته على استشراف المستقبل واستنباء الأزمنة. في السياق التاريخي، أفضت المآسي والحروب إلى تعطيل السرديات الكبرى وزعزعة ثقة الإنسان بالعقل العلمي وبقدرته على تطوير الوضعية الإنسانية، وفقاً لتحليلات مدرسة فرانكفورت النقدية. على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي جان-فرانسوا ليوتار (1924-1998)، تحولت المعرفة إلى "بضاعة معلوماتية".

الإجتماع الما بعد حداثي

من آثار الثورتَين الثالثة والرابعة، اتخذ الاجتماع الإنساني هيئات وصفات شتى، فنعته عالم الاجتماع الأميركي دانيال بِل (1919-2011) وعالم الاجتماع الفرنسي ألَن تورِن (1925) بالمجتمع المابعد صناعي، ووصفه ليوتار والفيلسوف الإيطالي فاتيمو (1936) والفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفِتسكي (1944) بالمابعد حداثي، وآثر الفيلسوف الفرنسي بودريار (1929-2007) عبارة الحداثة المتضخمة المفرطة في تجاوزاتها (hyperréalité)، واعتمد عالم الاجتماع الألماني أورليش بِك (1944-2015) سمة المجازفة يسم بها اجتماعنا الراهن (Risikogesellschaft). تدل جميع هذه الخصائص على أننا دخلنا زمن التحول الأعظم في الفكر الذي يسعى إلى فهم المتغيرات الجذرية الطارئة التي أخذت تصيب علاقتنا اليومية بالزمن، والجسد، والعمل، واللذة، والاستهلاك، والمعلومات، والثقافة.

لا ريب في أن أزمة العقل المابعد حداثي أربكت علاقة الإنسان بالطبيعة، إذ بهتت صورة الإنسان العالم المقتدر الذي أخفق في استخراج المعنى الهادي، من بعد أن أفضت صناعات الحداثة إلى الانسداد الوجودي والاختناق البيئي، وبرزت ملامح الإنسان الحكيم الساعي إلى تعيين موقعه المتواضع في الكون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في إثر الثورة الصناعية الرابعة، طفق الإنسان يتصور كيانه البيولوجي تصوراً مختلفاً، إذ أخذ يتوسل بالهندسات الجينية وتكنولوجيا النانو من أجل تحرير الإنسان من وضعيته المكانية-الزمانية، بحيث يتحول إلى إنسان متجاوز الإنسانية (transhumanisme) ينعم بقدرات جسدية وعقلية فائقة الوصف. ومن ثم، نشأ تيارٌ فكري مابعد حداثي يضم النانولوجيا والبيولوجيا والمعلوماتية والدماغيات المعرفية (Nano-Bio-Info-Cogno) أو المعلوماتيات والذريات والخلويات العصبية والجينات (Bits-Atoms-Neurons-Genes) في مؤتلفٍ صناعي فائق الاقتدار يهندس الكائنات البشرية هندسةً جديدة توشك أن توازي ما تفترضه الأديان في لحظة الخلق الإبداعي الأول.

من الواضح أن التحول الخطير الناشط في الثورة الصناعية الرابعة سيُفضي إلى أشكال جديدة من الحياة والاجتماع والتفكير تجعل الإنسان يعيد النظر إعادةً جذريةً في جميع تصوراته ومبادئه وقيَمه واقتناعاته واختياراته وقراراته. أعتقد أن مثل التحدي الفلسفي الجسيم هذا لا يطيق أن يضطلع به فردٌ أو مجموعةٌ أو حتى بلدٌ، بل يحتاج إلى تضافر جميع القوى الفكرية العالمية لتنظر في عواقبه التي لا عودة عنها على الإطلاق. يكفينا أن نتصور الأرض أو المريخ أو أي كوكب آخر يتساكن فيه ويتشارك في مجاله الحيوي الإنسانُ القديم، والإنسان الجديد المهندَس جينياً، والروبوتاتُ الآلية الذكية، والحيواناتُ والفيروساتُ على أنواعها. فما الشرعة الكونية الجديدة التي سترعى مثل التعددية المذهلة هذه؟ وما المبادئ القانونية التي يمكنها أن تضبط تفاعل هذه الكائنات؟ وما المعاني الوجودية الجديدة التي تستطيع أن تُنعش كل فئة من هذه الفئات، من غير أن يشعر الناسُ، على اختلاف هياكلهم البيولوجية، بالإرباك والقلق واليأس والحزن الكياني المهلك؟ تلك، لعمري، بضعةٌ من الأسئلة الخطيرة التي ينبغي التصدي لها قبل أن يفوت الأوان، وتُتخذ القرارات العلمية الكونية، وتوقع المراسيم التقنية الصناعية التي تحول الحياة الإنسانية إلى حقل مفتوح من التجارب الابتكارية الخارجة عن السيطرة.

المزيد من ثقافة