هل تنجح "المصالحة المجتمعية" في جبر الضرر عن عائلات ضحايا الانقسام الفلسطيني؟

تعويض حوالى 140 عائلة من ضحايا الاقتتال بين "فتح" و"حماس" في عام 2007

حفل الإعلان عن تسوية 140 ملف من ضحايا متضرري الاقتتال الفلسطيني وأحداث الانقسام (اندبندنت عربية)

بالعفو العام والصفح عن القاتل، قرّر الفلسطيني تيسير العجلة أن يكون أوّل مَن يتجاوز عن دمِ ابنه شادي الذي سقط ضحية أحداث الانقسام (بين حركتَيْ فتح وحماس)، ليُغلّب المصلحة العامة للوطن، على اعتبار أنّ السِلم الأهلي أهمّ من الثأر وإراقة مزيد من الدم والفتنة الداخلية بين عائلات قطاع غزّة.
وعلى خطى تيسير، بدأت عائلات ضحايا الاقتتال الفلسطيني بالتجاوب مع جهود المصالحة المجتمعية، التي تعمل على محاولة إنهاء الخلاف بين أهالي ضحايا الانقسام وجبر الضرر عنهم، مقابل التنازل عن الدم، والتعهد بعدم الثأر بالقتل أو إلحاق أيّ ضرر مجتمعيٍ جديد.

ضحايا الانقسام

بالعودة إلى الوراء، فإنّ عام 2007 شهد أحداث الاقتتال الفلسطيني بين حركتَيْ "حماس" و"فتح"، تزامناً مع بدء الانقسام الداخلي بعد سيطرة "حماس" على الحكم بقوّة السلاح، إثر فوزها في الانتخابات التشريعية التي جرت في عام 2006، ورفض السلطة الفلسطينية تسليمها زمام الحكومة، ما دفعها إلى الانقلاب عليها، وفق تعبير رئيس السلطة الفلسطينية محمود عبّاس إزاء ما جرى. وجرى تبادل لإطلاق النار بين الطرفين أثناء محاولة "حماس" السيطرة على المقرات الحكوميّة، ما أدى إلى سقوط أكثر من 700 ضحية، من بينهم قتلى وجرحى، فيما عانى جزء آخر مادياً أو نفسياً أو معنوياً.
ويعتبر أهالي ضحايا الاقتتال بين "حماس" و"فتح" أن القاتل أو ملحِق الضرر، هو شخص بعينه، وليس عنصر في فصيلٍ أو جهاز حكومي (قد يكون شرطيّ أو عنصر أمن)، وتلقى أوامر عليا. ووفق اعتقاد البعض، فإنّ القاتل يُقتل، ولا بد من الأخذ بالثأر ولو بعد حين.
وعَلِم قسم كبير من أهالي ضحايا الانقسام، مَن هم الغارمين بالنسبة إليهم، ما يعني أنّ الأخذ بالثأر وارد و"مسألة وقت". وهنا تكون المؤشرات خطيرة على حدوث فتنة داخلية، وإراقة مزيد من الدم الفلسطيني، وكان الحلّ بالذهاب إلى المصالحة المجتمعية، كأحد بنود المصالحة الوطنية.



مصالحة مجتمعيّة

وبالفعل، جاءت "المصالحة المجتمعية"، وهي عبارة عن وثيقة انبثقت من مخاض جلسات حوار إنهاء الانقسام بين "حماس" و"فتح" في العاصمة المصرية القاهرة عام 2011. كما انبثق عنها تشكيل لجنة للمصالحة مكوّنة من القوى الوطنية الفلسطينية وشؤون العشائر العائلية ومؤسسات المجتمع المدني ومختصين. وتُعدّ هذه التشكيلة رافعة وحماية ومصدر قوّة، كون كل الفئات الفلسطينية مشاركة فيها.
وقال شريف النيرب الناطق الإعلامي باسم "لجنة التكافل" المكلّفة بمتابعة المصالحة المجتمعية إن "وثيقة المصالحة تنصّ على تعويض أهالي ضحايا الانقسام الفلسطيني، وفق نوعية الضرر الذي لحق بهم، فعائلات القتلى يُدفع لهم 50 ألف دولارٍ أميركي، مقابل التنازل عن الدم".  لكن مصير هذا الصلح الاجتماعي، كان متعثراً كمصير "المصالحة الوطنية"، وذلك لأسباب عدة، من بينها عدم وجود أموال كافية لتسديد مستحقات المتضررين من أحداث الانقسام. وبقي الملف على حاله، إلى أن تدخلت دولة الإمارات العربية المتحدة وتكفّلت بتمويل هذا المشروع، بإشرافٍ مصري، كون القاهرة المسؤولة عن ملف المصالحة الفلسطينية. وتابع النيرب "عملت لجنة المصالحة المجتمعية على جبر الضرر عن عوائل ضحايا الانقسام، وتواصلت مع أُسَر القتلى، وبالفعل تمكنت من تسوية نحو 140 ملف لضحايا سقطوا في أحداث الانقسام، وسيتم تعويض عائلات طرفَي الانقسام سواءً من حركة فتح أو حماس".

سلم أهلي

وأوضح النيرب أن "عمل المصالحة المجتمعية يأتي تعزيزاً للسِلم الأهلي، وحماية المجتمع من إعادة الاقتتال الداخلي وإراقة مزيد من الدم. وتُعدّ خطوات الصلح، أولى طرق الذهاب إلى المصالحة الوطنية وتعزيز الشراكة السياسية وتدعم النهوض بالمجتمع".
وجرى تصنيف المتضررين من أحداث الانقسام بين مَن لحق بهم ضرر جسدي (وفاة أو خسائر جزئية متل البتر أو جروح بليغة) وضرر مادي (منشآت، منازل، خسائر مالية) وضرر معنوي (اعتداء على حرمة بيوت وما شابه). وقال النيرب إن لجاناً تشكلت للتأكد من وقائع الضرر وتقييم التعويض.
 

وفق الشرع والقانون
 

ولفت النيرب إلى أنّه تمّت مراعاة الشرع الإسلامي والقانون وخواطر الناس (العادات والتقاليد وفق العشائر) عند أيّ عملية إقرار للتعويض، على أن يكون أهل المتضرر موافقين، وجُبر ضررهم. في المقابل، توافق عائلات المتضررين بشكل علني وتتنازل رسمياً عن الدم شرعياً وقانونياً، ويُغلق الملف وفق الأصول المجتمعية.
وأقرّ المجلس التشريعي في غزّة في مارس (آذار) العام الماضي، بعد قراءة ثانية، المصالحة المجتمعية بشكل قانون، ليتمّ العمل فيه بما يتماشى مع الصلح العشائري. وأشار النيرب إلى أنه بعد التنازل من قِبل عائلة المتضرر، فإنّ أي مخالفة تُعدّ جريمة وليس "أخذ حق" ويعاقب عليها القانون.
أما الخبير القانوني صلاح عبد العاطي، فصرح أن الصراعات المجتمعية تُعالَج بمنطق العدالة الانتقالية، نظراً إلى نقص الأدلة الجنائية والخصومة ليست شخصية، وغالباً ما تحمل طبيعةً سياسية، ويتمّ اللجوء إلى المصالحة المجتمعية بصيغتها الأشمل لإعادة بناء النظام السياسي وردّ المظالم وجبر الضرر عن ضحايا الأحداث.
ووفق مبادئ القانون الفلسطيني، فإن انتهاك الحقوق والحريات يُعدّ جريمة، وبالتالي يجب تعويض المتضررين. وأوضح عبد العاطي أن معيار العدالة الانتقالية يعتمد على مدى رضى أهالي الضحايا عن التعويض أو رد الاعتبار المطلوب، وهو أمر مُقرّ وفق القانون، والتسويات في هذا المجال رضائية تحصل بين الفرقاء وفق الشريعة والقانون والعادات.

المزيد من الشرق الأوسط