رحلة وجودية مع اللا منتمي (الحلقة الثانية)

انتقد ويلسون الفلسفة الغربية الآخذة بالتراجع نحو اللا يقين تجاه كل شيء

المؤلف كولن ويلسون وزوجته جوي ستيوارت في شقتهما التي تتميز بأثاث بسيط بلندن. مارس 1957 (غيتي)

اللا منتمي "في عصر الهزيمة"
يأتي اللا منتمي في كتاب "عصر الهزيمة"، الذي كان موسوماً بـ"بنية الإنسان" في الطبعة الأميركية، وهو عنوان الجزء الخامس من الكتاب، إذ يرى فيه (ويلسون): أن هناك ثلاثة نماذج من الالتزام نحو قيام فلسفة وجودية جديدة، وهي: الوجودية والبطل، الرجل اللا معقول، الله والديدان. (الطبعة الإنجليزية، 1959، ص 149).

وبشكل عام يتناول (ويلسون) شخصية اللا منتمي من الجانبين الاجتماعي والأدبي، وأهمية دور البطل حياتياً وفكرياً. إذ إن فهم الوجودية يجب أن يرتكز على فهم قوى الإنسان، إضافة إلى مراكز ضعفه. ولذلك حاول (ويلسون) أن يطرح الحاجة إلى تهذيب جديد نحو نوع الشعور البطولي. إذ إن قيّم وتقبّل تهذيب النفس عند البطل الجديد، تجعل التهذيب مستخدماً في حريته وليس مغموراً بمعقدات الشعور. إلا أن إخفاق البوصلة الباطنية للبطل يعني أنها احتضار خارجي لكل من المجتمع والأدب معاً، لأن اتجاه الشعور الباطني انحرف بالبطل نحو اتجاه الرجل الذي انتابته المخاوف عبر شعور تافه.

ورغم أن رؤية (ويلسون) منذ شبابه إلى اللا منتمي لم تتغير، لكن تباعد السنين اللاحقة أثرت في متابعته أفكاره. ولذلك يشير في مقدمة طبعة متأخرة (2001) قائلاً: "إنه إحساس أحادي لقراءة كتاب أنت كتبته لأكثر من أربعين سنة، ولم تقرؤه منذ ذلك الحين. قبل ذي بدء، لقد وجدت كتاب (عصر الهزيمة) صعب القراءة، وأشك أنه كان بمقدوري أن أنهي التنقيح الذي أرسله لي كولن ستانلي. في الحقيقة، ومع استمرار الوقت أصبحت أستوعب، ومفتون لِما لاحظت أن هذا هو أحد مؤلفاتي الرئيسة".

اللا منتمي في "قوة الحلم: الأدب والخيال"
أمَّا كتاب "قوة الحلم: الأدب والخيال"، يحاول فيه (ويلسون) أن يدافع عن الفلسفة الوجودية الجديدة من أجل خلق عِلم جديد هو عِلم - المعيشة، إنه النقد الوجودي أيضاً، في انتقاد أعمال الفن والأدب من خلال المساهمة فيما يصنع الفنانون والأدباء في عِلم - المعيشة، والحُكم عليهم وفق مقاييس المعنى والتأثير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكذلك مما يروم إليه (ويلسون)، هو توضيحه بأن بعض المؤلفين أمثال صموئيل بيكيت وسارتر وغيرهما من الذين يعتقدون أن الخيال لا يمكن أن يحيا مع الواقع، وإنما يفنى فيه، إذ بالنسبة إليهم أن "الخيال هو أكاذيب". فإن (ويلسون) يسعى إلى تبيان أن الموقف المضاد تجاه رؤية تبرز في روح العِلم الذي يتميز بالحركة والتقدم، كما أن هذا الموقف إنما يُعَبر عن روح الخيال العلمي أيضاً، مثلما عند الكاتب مور وغيره.

وبما أن أعمال (ويلسون) البحثية والروائية لا تخلو من "الجنس" أو بالإشارة إليه، إذ يعتقد أن المبدع عندما يوفّر لنفسه جميع متطلباته وحاجاته الطبيعية، يكون بمقدوره الانطلاق في عالم الإبداع والتجديد، لذا يقول: "عندما الفرد يكون مهتماً بالقوة وأهمية قوة الدافع الجنسي، فمن الغريب أن يكون المؤلفون (الخياليون) قليلين، والسبب في ذلك ربما أن الكاتب (الخيالي) يبدأ من موقف العالم - الرافض، وهنا هو يميل نحو (اللا منتمي) ليس إلا". (الطبعة الإنجليزية، 1975، ص 187). 

اللا منتمي في "أصول الدافع الجنسي"
وفي كتاب "أصول الدافع الجنسي" يقدم (ويلسون) دراسة نفسيَّة وجوديَّة فيما يتعلق بالصحة الجنسية وتشويه الحقائق تجاهها، كما يعيد التمعن في "نظرية الاستجابة الرمزية"، التي تكشف عن استخدامنا النيّات في خلق هُويتنا الجنسيّة والواقعيّة. ومن بين الأسئلة التي يطرحها: "ما الذي يفعله الجنس في كيان الإنسان؟". ويتناول الكثير من الآراء والتصورات سواء عند فرويد وتولستوي ولورنس وغوردجييف وآخرين غيرهم. 

ينصّ (ويلسون) في مدخل الكتاب قائلاً: "إن موضوع الجنس وعلم النفس الوجودي يتطلبان مكاناً لمعالجتهما على نحو وافٍ، وهذا يتطلب مني أن أطيل بالكتاب إلى ألف صفحة، لكنني فضّلت الاختصار بتكرار بعض الأفكار عن (الوجودية الجديدة) في هذا الجزء. ومن أجل توضيح القصد، ينبغي أن أبتدئ في بيان عام، إذ قبل سنتين تقريباً، صار واضحاً بالنسبة إليّ أن كل أعمالي منذ نشر كتابي الأول (اللا منتمي)، وأنا أتعرض إلى هجوم حول نفس المشكلة: خلق فلسفة وجودية جديدة". (الطبعة الإنجليزية، 1963، المدخل).

لقد دأب (ويلسون)، في دائرة مؤلفاته عن اللا منتمي، على ترسيخ الأسس، التي يجب عليها قيام "الوجودية الجديدة". وعندما يبحث في مجالات: المعرفة والتصوف والأدب والجنس وعلم النفس وعلم الجريمة وغيرها، فلأنه يعتقد بإمكانية امتداد الفلسفة الوجودية إلى مختلف الحقول العلمية والمعرفية.

كانت نظرة (ويلسون) إلى الجنس تنطلق من جوانب نفسانيّة سلوكيّة أكثر منها عقلية إدراكية. فمن جملة تحليلاته يقول: "في الدافع الجنسي توجد ثغرة ما بين غاية الإنسان والطبيعة، تبدو أنها واسعة غير عادية، وهذا هو السبب الباعث لتكون هناك الكثير من التشويهات للجنس، إذ تحفّز أي إنسان آخر على أن يحفظ تلك القوة الدافعة فيه". (ص 13).

ولذلك يلحّ (ويلسون) على فكرة تحريك الجانب الشعوري إلى أبعد من حدوده التقليدية، لكي نسبر حقيقة الجنس دونما تشويه له. وهنا، رغم اعتماد (ويلسون) على النهج الفرويدي، لكنه يريد أن يمنح التحليل الوجودي صفة تميزه عن بقية المدارس النفسانية.

"ما بعد اللا منتمي"
ويختتم (ويلسون) سلسلة مؤلفاته الستة عن اللا منتمي بكتاب "ما بعد اللا منتمي"، إذ ينتقد فيه الفلسفة الغربية الآخذة بالتراجع نحو اللا يقين تجاه كل شيء. وإذا كان الفكر الغربي بثقافته وحضارته يتدهور نحو الانحطاط، فحسب تصور (ويلسون): "إذا كانت ثقافتنا (مريضة)، فعلينا أن لا نرمي كل اللوم على السياسيين أو رجال الأعمال، بل أيضاً على المفكرين والفنانين لمئتي سنة خلت، فبعضهم كان مدمراً مثل شوبنهاور أو دي ساد، وأغلب البقية أثاروا المشكلات وتركوها بلا حل، أو حلاً جزئياً لها". (الطبعة الإنجليزية، ص 50 - 51).

وكذلك ينتقد (ويلسون) أقطاب الفلسفة الوجودية، داعياً إلى فلسفة أكثر صواباً، فوفق رأيه، فالوجودية في بداية القرن العشرين، غالباً ما تفتقر لأساس فكري قوي، إضافة إلى أن جلّ منطلقاتها كانت نابعة أصلاً من إحساس ذاتي خاطئ. ولذلك يصف (ويلسون) فكرته بهذا الكتاب، على أنها قمة الخبرات الفردية، لأن الفرد أحياناً عندما يشعر بأنه حيوي ومفعم بالنشاط أكثر، ومهتم بشؤون هذا العالم، فإن الجنس والخطر يلعبان دوراً محفزاً لمثل هذه الخبرات. ولقد أضاف (ويلسون) أحداث خبراته الفردية، عندما قام بتجربة تناول فيها المخدر "ميسكالين" بغية التحقيق في طرائق الشعور والإدراك.

وفي هذا الصدد كتب قائلاً: "في تموز (يوليو) 1963 عند مراجعة الفصل المتعلق بخبرات هكسلي وسارتر عن المخدر ميسكالين، (وصلاتهما برؤية وايتهيد في طرائق الإدراك)، قررت أن أجرب وآخذ ميسكالين. من المُلاحَظِ كثيراً أنّ لا شخصين يحملان بالضبط نفس الخبرة والتأثيرات من المخدر. إشارات هكسلي خلال نصف ساعة، أنه أصبح واعياً إلى (رقصة الأنوار الذهبية الهادئة)، بعدئذٍ انتفخت الأسطح الحمراء، ثم رأى (الواقع) أكثر وضوحاً". (ص 206).

أمَّا بالنسبة إلى تجربة (ويلسون) وخبرته في هذا الإطار، فيقول: "لقد كرهت الميسكالين، فقد فتح أمامي الكثير، ومنحني الشعور بتلاحم مع الكون، لكن في الوقت نفسه جعلني أشعر بالعجز التام. أنا في أحسن حالة حين أركز بقوة على مسألة أن عقلي يضيق إلى حدود الليزر، ويحدث هذا حين أمتلك تجارباً غيبية بالفعل بينما يبعثرني الميسكالين على المكان كله".

ويعتقد (ويلسون) أن ذروة خبراتنا في البهجة والسرور هي حقيقية تماماً، كما هي في خبراتنا التشاؤمية. إذ طالما نحن نحيا في تلك اللحظات الخبراتية العالية، كانت حقيقية أكثر. إن هذه الخبرات يمكن أن تُنمّى من خلال وسائل التركيز والانتباه والاسترخاء، وأنواع العمل اليقيني وغيرها. ويشير (ويلسون) كذلك، إلى أن الإنسان يحتاج باستمرار إلى التجديد في الأفكار والخبرات والإحساسات بالغاية من تحفيزها بعيداً عن تقصيراتها الشعورية العادية. فالشعور العادي غالباً ما يكون مُملاً ومُضّجراً مقارنة بالمستويات الرفيعة، التي نحققها في الوصول إلى قمة خبراتنا.

تقييم
رغم أن (كولن ويلسون) أنتج في حياته أكثر من مئة كتاب متنوع في الأدب والفلسفة والاجتماع والتصوّف والسحر والجريمة وغيرها، لكن "اللا منتمي" الذي تُرجم إلى أكثر من ثلاثين لغة، يبقى السّمة المُلازمة والمُميّزة بين جميع أعماله. فاللا منتمي مهّد إلى الفلسفة الوجودية أن تنتشر في ألمانيا، وكذلك كثرة المحاضرات في الولايات المتحدة الأميركية، والصدى الملموس في البلدان العربية ودول شرقي آسيا، إلا أن شهرته داخل بلده بريطانيا أقل بكثير عن خارجها، ومن أسبابها أنه لم يسر وفق نهج "الوضعية المنطقية"، التي تتميز بها الفلسفة البريطانية المعاصرة. وكذلك لم يكترث (ويلسون) تجاه "الشكلية" في دراسات الأدب البريطاني، لكن المنحى الذي خطّه في الوجودية الجديدة قاده، ومن دون قصد، إلى تأسيس مذهب جديد هو مذهب الفلسفة الروائية.

وتشير نتاجات (ويلسون) المتعددة إلى أنه متوافق مع مبدئه في وصف تأثيرات حياته اليومية في كتاباته، لكنه ابتعد كثيراً عن الفلسفة والعلم، عندما ركّز على أهمية السحر والشعوذة، ونظر إليهما على أنهما علم المستقبل.

وأود أن أذكر هنا، عندما صدر كتابي "تاريخ الفلسفة الإسلامية" أواخر عام 2004. وكتب عنه الفيلسوف الإنجليزي المخضرم أنطوني فلو (1923-2010) في مجلة "الفلسفة حالياً"، عدد أغسطس (آب) 2005، فإن (ويلسون) سبقه بمخاطبتي بتاريخ 7-2-2005 في رسالة أشار فيها إلى أن "مثل هذا الكتاب الذي نحتاج إليه بشدة. إذ من الواضح أنه كتاب أخّاذ لدرجة أنني أعتقد أنه من الضروري أن يسد فجوة مهمة. أحتفظ به على ذراع كُرسيّ لأتصفحه بشكل عشوائي، ويبدو أن كل صفحة تحتوي على شيء رائع". وهو اعتراف ضمني على قلة إطلاع (ويلسون) على الفلسفة الإسلامية. فالمشكلة الرئيسة بالنسبة إليه، ولكثيرين آخرين، تبقى "غربية" وحولها يكون دورانهم بأفكارهم، سواء أكانت وجودية أو وضعية أو تجريبية... إلخ.

عموماً يدعو (ويلسون) سواء في دائرة أعماله عن اللا منتمي أو غيرها، بأنه على الوجودي أن لا يركز على الهزيمة والغثيان والتفاهة وبقية السلبيات، لأنها تمثل جزءاً من الواقع ليس إلا. وبذلك ليس هناك من سبب محدد يدفعنا إلى قبولها بدرجة كبيرة. إن رؤية (ويلسون) تنطلق من نظرة عادية قوامها أن كل يوم نواجه صفعة الشعور باللحظة، كأنها "غمامة على أعيننا"، ويطالب (ويلسون) بعدم الرضوخ لها كونها تعرض لنا الحقيقة تجاه الواقع.

إن هذه الغمامة على العينين لها بعض التطور المتقدم، التي توقفنا عن الانغمار في الاندهاش، وكذلك في مجرى الأحداث المتواصلة، مما تعيقنا عن الحركة المطلوبة منا. ولكي نحيا حياة ملائمة، فإننا نحتاج إلى أن نتوصل إلى أبعد من هذا الشعور اليومي التقليدي.

وحسب مفهوم (ويلسون)، فإن "اللا منتميين هم أعراض احتضار الثقافة" بشكل عام، وإن جدالهم المتواصل بغية التهذيب والغاية، إنما يعكس لحظة اليأس التي يعيشونها. وإن الحل الأساسي الذي يقدمه (ويلسون)، يتجلى في إقامة فلسفة وجودية جديدة، يكون فيها نوع جديد إلى البطل المستمد أصلاً من التمحيص الباطني المباشر للخبرة اللا عقلية، في سبيل العودة إلى الخارج، ويصاحب ذلك نمو القوة الحياتية والقوة العقلية من أجل زيادة الاشتراك في هذا العالم. كما لا يفوت على (ويلسون) أن يزج بالجوانب النفسية والاجتماعية والأدبية كدلالات لم تكن مقنعة أحياناً، وتحتاج إلى دراسة علمية معمقة أحياناً أخرى.

عموماً، بعد مجموعة اللا منتمي ركَّز (ويلسون) على السمات الإيجابية في علم النفس، مثل ذروة الخبرات ومحدودية الشعور. ولقد تأثر بالعالِم النفساني أبراهام ماسلو (1908-1970)، وتراسل معه في هذا الخصوص. لكن مما يؤخذ عليه غموسه في التحقيقات الواسعة بالسحر والشعوذة، التي لا تخضع إلى نطاق العقل وقوانين الطبيعة. فضلاً عن خلطه المجحف ما بين الصوفية والسحر، سواء من الجانب الأدبي أو الإيماني.

وبعد أكثر من عشرين سنة، عاد (ويلسون) إلى دائرة اللا منتمي، وأصدر ثلاثة مؤلفات هي: "الموسيقي اللا منتمي"، 1987. "اللا منسجم: دراسة اللا منتمي الجنسية"، 1988. "موجز الأنثى اللا منتمية"، 1994. وآخر مؤلفاته كان "الشعور الهائل"، 2009. حيث مرض (ويلسون)، وأجرى عملية جراحية كبيرة في عام 2011، ثم تعرّض إلى سكتة دماغية في يونيو (حزيران) 2012 أفقدته قدرة النطق، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2013 نُقِل إلى المستشفى بسبب الالتهاب الرئوي. وتوفى في 5 ديسمبر (كانون الأول) 2013، عن عمر ناهز الثانية والثمانين عاماً. رحل (ويلسون) وبقي اللا منتمي.

المزيد من آراء