خريطة المجموعات الإرهابية في ليبيا... أنماط التعدد والتغيير

غالبية قادة ومقاتلي الجماعة حافظت على ولائها للقاعدة

أنقاض المنازل المدمرة في جنوب العاصمة الليبية طرابلس في 15 يونيو 2019 (أ.ف.ب)

على الرغم من كثرة الخرائط التي تَرصُد توزّع المجموعات الإرهابية المتطرفة وانتشارها في ليبيا، إلا أن التحوّل الذي أنتجه توجه الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر لإطلاق عملية "تحرير طرابلس من قبضة المليشيات" في الرابع من أبريل (نسيان) 2019، أعاد تعقيد توزيع تلك المجموعات، بسبب بروز أسماء قيادية، ضمن تلك المجموعات، تقاتل حالياً في صفوف قوات "حكومة الوفاق" في العاصمة طرابلس ضد قوات الجيش.

يعود تشكيل الجماعات الإسلامية المتشددة في ليبيا إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي، عندما التحق عدد من الليبيين للقتال ضمن "تنظيم القاعدة" في أفغانستان. وبات المقاتلون الليبيون مصدراً قتالياً للعمليات الإرهابية لهذا التنظيم في عدد من دول العالم، في العراق وسوريا وأفريقيا وتحديداً في مالي ونيجيريا. ويُعتبر فرع القاعدة في ليبيا المعروفة باسم "الجماعة الليبية المقاتلة" بقيادة عبد الحكيم بلحاج، ثاني أكبر فروع القاعدة شمال أفريقيا، بعد "الجماعة الجهادية" في الجزائر، قبل أن يتحول جزء من عناصر التنظيم الى إعلان "البيعة" لتنظيم "داعش" منتصف العام 2014 في درنة شرق البلاد، ومجلس أنصار الشريعة في سرت بداية العام 2016.

الحفاظ على الولاء

غالبية قادة ومقاتلي الجماعة الليبية المقاتلة حافظت على ولائها للقاعدة، لكنها تغيرت بحسب معطيات الواقع في ليبيا، لتعمل تحت مسميات أخرى، أشهرها مسمى "مجالس الشورى" مثل "مجلس شورى درنة" بقيادة سالم دربي المقرب من بلحاج، ومجلس شورى بنغازي وأجدابيا وغيرها، وهي مسميات ورثت تنظيم "أنصار الشريعة" الذي ظهر بشكل بارز بين عامي 2012 و2013 في بنغازي ومدن أخرى، واختفى بسبب تصنيفه دولياً كتنظيم إرهابي، بعد توّرط عناصره في الهجوم على السفارة الأميركية في بنغازي، نهاية العام 2012، والذي راح ضحيته السفير الأميركي "كريستوفر ستيفنز" وأربعة من مرافقيه.

وتقلّص وجود المجموعات الإرهابية في شرق البلاد بشكل كبير بعد العمليات العسكرية التي خاضتها قوات الجيش في بنغازي، على مدى ثلاث سنوات وفي درنة أيضاً، قبل أن تنتقل عمليات الجيش القتالية ضد الإرهاب إلى الجنوب، وسيطرتها عليها في فبراير (شباط) 2019.

تلك العمليات الواسعة قلّصت من إمكان ضمّ تلك المجموعات لصفوفها، في بنغازي ودرنة، وفي الجنوب نسبياً حيث لا يزال الجيش يطلق عمليات ملاحقة لفلول هذه المجموعات المتخفية في الصحراء، ليمكن القول إن "نشاط المجموعات انحصر في الغرب الليبي فقط".

تورط شخصيات في قوات الحكومة

وأثناء العمليات القتالية الجارية جنوب العاصمة طرابلس، رُصدت العديد من الشخصيات الفاعلة التابعة للمجموعات المتشددة، في صفوف قوات الحكومة. وعلى الرغم من النفي الرسمي من قبل الحكومة، إلا أنه ثبت بالفعل مقتل محمد بن دردف، داخل صفوف قوات الحكومة في 26 مايو (أيار) 2019، وهو أبرز المتهمين في قضية مقتل السفير الأميركي في بنغازي. وقبل ذلك بيومين، قتل في المحور ذاته رامي البكاري التونسي المعروف بعلاقته بتنظيم داعش، فوالده كان قيادياً في التنظيم، وعبد السلام المليان أحد قادة كتيبة "راف الله السحات" التي انحدر منها في العام 2012 تنظيم أنصار الشريعة في بنغازي.  

ومع تأكيد عدد من المراكز البحثية والتقارير الرسمية، وجود نشاط نسبي لداعش في مناطق الصحراء جنوب سرت، إلا أن فلول المجموعات الإرهابية المنتمية إلى القاعدة من بنغازي ودرنة ومن الجنوب إلى مناطق غرب البلاد، وأنصارها داخل المليشيات المنتشرة بشكل كثيف هناك، جعل إمكان تصنيفها وتحديدها أمراً صعباً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن في المقابل يمكن تحديد انتماءات مجموعات مسلحة تشارك في القتال جنوب العاصمة إلى جانب قوات الحكومة، مثل:

مجلس "ثوار الزاوية"، ويجمع في مدينة الزاوية الواقعة في غرب طرابلس بنحو 35 كلم، لفيفاً من المليشيات المتورّطة في عمليات تهريب البشر والوقود. وعلى الرغم من اتخاذها مسميات رسمية مثل "جهاز الدعم المركزي" و"فرع جهاز حرس السواحل"، إلا أنها لا تنكر أنها تنضوي تحت إمرة أبو عبيدة الزاوي القيادي البارز في الجماعة الليبية المقاتلة. وسبق أن اعتقلته السلطات المصرية في العام 2013 قبل أن تطلق سراحه مقابل إطلاق سراح "أنصار الزاوي" موظفي السفارة المصرية في طرابلس، المختطفين لمقايضته بهم.

"لواء النواصي"، أبرز أربع مجموعات عسكرية تسيطر على العاصمة طرابلس. وعلى الرغم من قيادته المعلنة تحت إمرة مصطفى قدور الإرهابي المتشدد، وغلبة العناصر المتشددة بين مسلحي اللواء، إلا أنه يتبع رسمياً وزارة الداخلية في الحكومة.

"الحرس الوطني"، بقيادة خالد الشريف الملقب بـ "أبي حازم"، نائب بلحاج زعيم فرع تنظيم القاعدة في ليبيا، تولّى منصب نائب وزير الدفاع في الحكومة الموقتة في العام 2013، واشتهر بقضية جلب الحقائب المفخخة لدعم مقاتلي مجلس "شورى بنغازي" الإرهابي.

"رحبة الدروع"، تشكيل مؤلف من مقاتلي منطقة تاجوراء، يقوده مدني اسمه بشير خلف الله، لكن تبعية هذا التشكيل للمفتي المعزول المعروف باعتناقه فكر تنظيم القاعدة الصادق الغرياني، الذي توالى ظهوره الإعلامي في الآونة الأخيرة، داعياً إلى "الجهاد" ضد قوات الجيش.

"سرايا الدفاع عن بنغازي" الإرهابية، تشكيل مؤلف من بقايا فلول تنظيم أنصار الشريعة الفارين من بنغازي، تأسس منتصف العام 2016. ويعتبر أبو عبد الله النوفلي، الذي ظهر في فيديو الإعلان عن تأسيس السرايا، أبرز قادته، وسبق أن ظهر النوفلي في شريط نشره المكتب الإعلامي للقيادة العامة للجيش في سبتمبر (أيلول) 2016 برفقة بلمختار الأعور جنوب أجدابيا.

وأعلنت السرايا عن مشاركتها في "عملية الدفاع عن طرابلس" ضد قوات الجيش في التاسع من أبريل الماضي ضمن بيان رسمي.

انتشار التنظيمات الإرهابية

لكن في المقابل، لا تزال مساحة الأراضي الليبية والتي تفوق مليوناً ونصف المليون كلم، أحد أهم عوامل انتشار التنظيمات الإرهابية. فقرابة 90 في المئة من السكان يتمركزون في المدن الساحلية في الشمال، أما في الجنوب، حيث تغلب الطبيعة الصحراوية والحدود المفتوحة، فتكوّن عشرات المدن الصغيرة والبلدات طوقاً آمناً لتنقل التنظيمات، قياساً بحجم سيطرتها على الأرض، لكن القوات المساندة المؤلفة من عناصر قبلية، شاركت الجيش في عملياته القتالية لبسط سيطرته على الجنوب في يناير(كانون الثاني) وفبراير الماضيين، وتمكنت من نشر وحدات استطلاع وقتال في غالبية المناطق الواقعة على الحدود مع دول الجوار الأفريقي، ما حدّ من نشاط تلك التنظيمات، وشنّ عمليات قتالية على بؤرها، آخرها الهجوم على تمركز متنقل داخل سلسلة جبال الهروج الأسبوع الماضي، ما يشير إلى استمرار خطرها في تلك المناطق، وإن عملية مكافحة الإرهاب التي يخوضها الجيش ينتظرها الكثير من المراحل الأخرى.

المزيد من العالم العربي