Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر شوقي حجاب وقد بلغ من "الطفولة" عتياً: "الثقافة قرينة الوعي لا النوايا الحسنة"

رائد كتابة الأطفال: شعر العامية "فكرة اشتراكية"... وما زلت أبحث عن قوت يومي رغم تجاوزي السبعين

 رائد كتابة الأطفال الشاعر المصري شوقي حجاب (إندبندنت عربية)

يمثّل شوقي حجاب مزيجاً فريداً بين الشاعر والكاتب والمخرج، إذ إنه إلى جانب كونه واحداً من أهم رواد كتابة الشعر بالعامية المصرية ورائداً من رواد الكتابة للطفل، خاض تجربة طويلة في الإخراج إلى جانب مشاركاته المتعددة في العمل العام، في رحلة امتدّت لما يزيد على الخمسين عاماً، وعلى الرغم من سنوات عمره التي تجاوزت السبعين، إلا أنه لا يزال يحمل بداخله ذلك الطفل الذي يلهو في شوارع قريته بمحافظة الدقهلية في شمال مصر، حتى أن "المركز القومي لثقافة الطفل" في مصر أصدر كتاباً يحكي تاريخه وحياته بعنوان "الطفل المعمّر صانع البهجة والدهشة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدايات ثرية

التقينا الشاعر شوقي حجاب، الذي يحكي عن بداياته قائلاً "نشأت في بيئة مصرية، حيث ولدت في قرية المطرية بمحافظة الدقهلية، وهي قرية ساحلية يغلب عليها الصيادون بحياتهم البسيطة، وكنا في طفولتنا نعيش الحياة البسيطة للقرية، حيث لم تكن الكهرباء قد دخلت إلى القرية في هذا الوقت، وتأثرت كثيراً بأبي الذي لم يكمل تعليمه الأزهري، ولكنه أكمل ثقافته بقراءات في كل المجالات، وكان لديه ثقافة موسوعيّة وكان بسيطاً ولكنه كان تقدميّاً، وعقله متفتح جداً ومتعدد المصادر الثقافية. كان الأب لديه ملكة الشعر ومعرفة قوية بعلم العروض الشعري الذي حرص على تعليمه لأبنائه، حيث كان يجمعهم ليلاً، حيث يقوم أحدهم بإلقاء بيت شعري ليقوم الآخر بالتكملة ببيت شعري آخر من تأليفه على نفس الوزن والقافية".

 

 

ويضيف "كان منزلنا دائماً به الكتب والجرائد والمجلات التي يحرص الأب على توفيرها، كما تأثرتُ بأمي السيدة البسيطة التي تحمل ملكات فطرية كثيرة مثل الحكي والتقليد واستحضار الأمثال الشعبية في المواقف المختلفة، إضافة إلى قدرتها الفائقة على إدارة منزل به 9 أطفال، هم أنا وإخوتي، حيث كان ترتيبي السابع بينهم وكتبت عنها قائلاً: أمي دهي اللي عيونها بتسقي العالم محيطات شربات... وحنانها يفرش كوكب فيه نهرين وسبع قارات. وكان كل أهالي القرية متذوقين للشعر والغناء بالفطرة من خلال الأغاني الشعبية المصاحبة لكل الأحداث، مثل الزواج والإنجاب والسبوع والحج، فكنا أغنياء جداً فلكلورياً إضافة إلى فلكلور ألعاب الأطفال، حيث كنّا نلعب في القرية ألعابا ذهنية وحركية بسيطة، فأحمل طفولة ثرية جداً".

ثورة يوليو تتيح الفرصة للفقراء

ويضيف "من المفارقات أني ولدت في عام 1946 وكان يطلق عليه زمن الكوليرا، وكانت وباء قاتلا قضى على كثيرين كما شهدت تلك الفترة نهاية الحرب العالمية الثانية وإرهاصة حرب فلسطين عام 1948، ومن بعدها قامت الثورة في يوليو (تموز) من عام 1952 فكانت هذه الفترة مليئة بالأحداث السياسية وثورة 1952 كانت انطلاقة كبيرة لجيلنا لأنها أدخلت ما يسمى مجانية التعليم وبدأت في إنشاء مدارس ومستشفيات وأحدثت نهضة كبيرة، وهذا لا يمكن إنكاره سواء اتّفقنا أو اختلفنا مع ثورة يوليو، فالديمقراطية كانت قبل الثورة للأغنياء والمتعلمين فقط، ولكنها ليست لعامة الشعب".

الشيوعية تزعج الأب

تجربة الاعتقال في سن صغيرة والدخول في معترك الأحداث السياسة كيف يمكن أن تؤثر في الكاتب أو الشاعر وهل تُثقل تجربته الشعرية؟ عن هذا الأمر يقول الشاعر شوقي حجاب "عندما تم اعتقالي أثناء دراستي بالمدرسة الثانوية وكنت رئيساً لاتحاد الطلبة في ذاك الوقت كنت أكتب الشعر ليلاً حيث كنت معتقلا في حجرة ناظر المدرسة بعد أن تم التوسط لي حفاظاً على مستقبلي ودراستي فكنت أحضر صفوفي الدراسية نهاراً وأعود إلى غرفة ناظر المدرسة ليلاً واستمر هذا الوضع قرابة الثلاثة أشهر، وكنت أستغل هذه الفترة في كتابة الشعر الذي أقرأه على زملائي صباحاً في طابور الصباح، ومن المفارقات أني اعتقلت بتهمة الانتماء للشيوعية، وهي تهمة باطلة تماماً إلا أنها أزعجت والدي كثيراً، فكيف للرجل الأزهري أن يُتهم ابنه بالانتماء إلى اتّجاه لا يعترف بالأديان من الأساس، فلا شك أن أي تجربة يمرّ بها الشاعر تضيف له خبرة حياتية وتثقل تجربته الشعرية".

السياسة والفن علاقة مستمرة

التأثير المتبادل بين السياسة والفن والعلاقة الممتدة بينهما وكيف يؤثر كل منهما في الآخر وهل يؤدي اشتعال الأحداث السياسية مثل الثورات أو الحروب في وقت أو مكان معين إلى الارتقاء بمستوى الفن باعتبار أن المبدع شخص يتأثر بالظروف المحيطة، وربما يستلهم منها آفاقا جديدة لإبداعه. عن هذا الأمر يقول "الوعي يُحدث تأثيرا إيجابيا، فالسياسة فعل إنساني ينظم العلاقة بين الناس وبعضها، وبين الناس والسلطة، بشرط أن يكون النظام يدفع إلى الأمام ويسعى إلى التقدم ويفكر بطريقة علمية، والسياسة تؤثر على كل شيء وتتدخل في كل شيء بدءاً من رغيف الخبز، وبشكل عام كل الثورات في العالم تخرج أفضل ما في البشر وأسوأ ما فيهم، وينطبق هذا على الفن والإبداع، فيظهر تجارب صادقة ومميزة وتجارب تستغل الوضع والظروف وتسعى إلى ركوب الموجة، والناس تقوم بعد ذلك بالفرز ولا يبقى في النهاية إلا الصادق والحقيقي، ولهذا أقول إن أهم شيء هو الوعي، فالثقافة لا بد أن يصاحبها الوعي".

ويضيف "الثقافة قضية وليست وظيفة، والمثقف إذا تحوّل إلى موظف سينتهي تماماً لأن الإبداع لا يحتاج إلى قيود وعوائق وروتين، والثقافة فعل حضاري إنساني، والثقافة حالياً ليست من أولويات الناس في العالم العربي ومنفصلة عنهم، لأن الأمر يحتاج الوعي وليس النوايا الحسنة ويحتاج إلى مسؤولين مدركين أهمية الثقافة والتقدم، فالقيادة الواعية لأي مجتمع تدفع بالمجتمع إلى الأمام، والثقافة جزء أصيل من المجتمع، وحتى الأديان، فالأصل أنها تدعو إلى التقدم والتطور وتحسين حياة الناس للأفضل، فأنا أرى أن النبي محمد شخص تقدمي جداً سعى إلى تحسين مجتمعه".

 

الكتابة للأطفال

كانت تجربة الشاعر شوقي حجاب في الكتابة للطفل واحدة من أبرز تجارب الكتابة للطفل وأكثرها تنوعاً، حيث تضمنت القصة والأغنية والمسرح وابتكار شخصيات من أكثر الشخصيات التي لاقت نجاحاً عند جيل الثمانينيات والتسعينيات، مثل شخصية "بقلظ" و"كوكي كااك"، والتي شكلت ذكريات الكثيرين، وربما يمكن أن نقول إنه لم يأتِ من بعدها من حقق نفس النجاح والانتشار، إضافة إلى مشاركاته في بعض البرامج العالمية التي حققت نجاحاً كبيراً وأنتجت بالعربية، مثل "عالم سمسم". فكيف تختلف الكتابة للطفل عن الكبار وهل تحتاج مقومات معينة وهل يختلف أطفال اليوم عن السابق في ظل اختلاف المعطيات والوسائل. عن هذا الأمر يقول "عندما جئت للقاهرة كنت في عمر 18 سنة وقريبا من الطفولة ولديّ ثقافة ثرية بالفن والفلكلور والخيال، ولم يكن دخولي لهذا الأمر مخططاً له، فتعرفت على إبراهيم عبد الجليل، مسؤول برامج الأطفال بالتلفزيون المصري، وقدمنا برنامج (عصافير الجنة) مع أهم مذيعة في التلفزيون المصري في هذا الوقت، سلوى حجازي ونجح الأمر نجاحا كبيرا كما ساعدني صديقي الشاعر مجدي نجيب في الكتابة لمجلات (ميكي) و(سمير)، وحقق الأمر نجاحاً، وفي البداية كانت مجرد تجربة ولكنها بعد ذلك أصبحت الطريق والقضية الأساسية. لا بد أن ندرك جميعاً أن الطفل هو أساس أي وطن وهو التصنيع الثقيل لأي دولة لأنه تصنيع الإنسان".

ويضيف "التلفزيون المصري في هذا الوقت كان لديه اهتمام كبير بهذا الأمر، وكنا نقدّم البرنامج والشخصية ونرى رد الفعل، لو وجدنا أنها لاقت الاستحسان ونجحت نستمر، والشخصية المتوهجة للطفل لا بد أن تستمد من بيئته، فشخصية (بقلظ) مزجتُ فيها بين الأراجوز المصري وبينوكيو الإيطالي ليظهر في النهاية بصورة قريبة للطفل المصري. حاول كثيرون الكتابة للأطفال ولكنهم لم يوفقوا لأنهم لم يستطيعوا الوصول لبراءة الطفولة، فالكتابة للطفل يجب ألا تكون بشكل تعليمي أو إملائي، فكتابة أغنية للطفل تحتاج ملكة معينة للوصول إلى وجدان الطفل، وإلا كل من لديه معرفة بعروض الشعر سيمكنه الكتابة للطفل، كما أن الترفيه هو الوسيلة الأساسية للوصول للأطفال ومن خلالها نقوم بتقديم أي شيء نريده، ولكن لا بد أن يكون بشكل جاذب للطفل من خلال الشكل واللون والصوت ومن خلال إثاره خياله حتي يمكن جذب انتباهه".

ويضيف "الطفل هو الطفل في أي زمان ومكان، فالأطفال يولدون لديهم فضول ورغبة في الاستكشاف والمعرفة بحسب زمانهم ومكانهم، ولكن ما يختلف هو الظروف التي يوجد فيها الطفل ومدى اهتمام الأم والأب باحتوائه واستكشاف مواهبه وتنميتها أو وأدها منذ البداية، وهذا يعيدنا مرة أخرى إلى نقطة الوعي، فكم من مواهب دفنت نتيجة لإهمال آباء وأمهات وعدم اهتمامهم. وكثير من المواهب ظهرت نتيجة وعي سيدة فلاحة بسيطة ربما تكون لا تقرأ وتكتب ولكنها تملك الوعي، فكثير من المبدعين في مصر جاءوا من خلفيات بسيطة، وبشكل عام الظروف الآن أفضل نتيجة وجود التكنولوجيا الحديثة التي من المفترض أنها تسرّع من عجلة المعرفة".

دور المثقف ونشاطه المجتمعي

"أنا إيه أكون من أول الدنيا.. لآخر الآخرة؟ أنا طبعا البسمة والطبع والرسمة!! وإن كنت شيء في الدنيا له لازمة.. الدنيا مش فانية"

غالباً ما نرى في فئة الكتاب والمثقفين حالة من اثنتين، إما المثقف المندمج مع الناس والمجتمع والمتواصل معهم والمشارك في العمل العام، والفئة الثانية هي المثقف المنعزل الذي يكتفي بتفاعل الناس مع أعماله دون تواصل فعلي أو حقيقي مع الناس. وعن رؤيته لهذا الأمر في ضوء سابق مشاركاته في بعثات الأمم المتحدة ومشاركاته في كثير من الأنشطة المجتمعية، يقول الشاعر شوقي حجاب "الكاتب والمثقف لا بد أن يتواصل مع الناس للتعرف على أعمالهم واهتماماتهم، فالاحتكاك بالناس يزيد الخبرة التي تنعكس في الكتابة بعد ذلك لأنها تكون متأثرة بالناس وقادمة منهم وإليهم، فأنا ابن هؤلاء الناس ومنهم، والشهرة ليست قيمة في حد ذاتها، ولكن القيمة الحقيقية  لها هي كيفية استخدام هذه الشهرة في التأثير الإيجابي في المجتمع، ولذلك أكثر تكريم أسعدني هو عندما كُرّمت من الصين عام 2016، وقيل لأنه واحد من 18 شخصا أثروا في وجدان شعوبهم فأنا ابن هؤلاء الناس وابن هذا المجتمع، وقيمتي تأتي من تأثيري في مجتمعي، وبشكل عام يجب ألا يتعامل المثقف بتعالٍ مع الناس لأنه منهم وإليهم، وتكريمه الحقيقي يأتي منهم، لا أسعى إلى التكريم، وإن كنت لا أرفضه، ولا زلت أبحث عن قوت يومي حتى الآن".

 

 

الأخوان حجاب

"أنا أهه يا عالم ياهووه.. شايفيني سامعيني.. أنا اللي كان في الزحام ماسك في طراطيف أخوه.. فين راح يا هووه الحقووه.. نني اتخطف مني".. كلمات شعرية كتبها شوقي حجاب لوصف طبيعة العلاقة بينه وبين أخيه الراحل سيد حجاب، حيث يعدان من أهم رواد شعر العامية، ومن أهم رواد الكتابة للأطفال في مصر، فكيف كانت العلاقة بين الأخوين، وكيف تأثر شوقي حجاب بشقيقه الأكبر الراحل سيد حجاب؟

عن هذا الأمر يقول "أخي الأكبر سيد حجاب هو من أخذ بيدي وشجعني في البدايات وحتى آخر أيام حياته، وهو صاحب فضل كبير عليّ لا يمكنني إنكاره وأعتبره من أهم رواد شعر العامية في مصر إلى جانب كونه مثقفا رفيع المستوى وشخصية ثرية جداً، ورغم رحيله إلا أن أعماله باقية ولا زال لها صدى حتى الآن، وأعتبره أكثر من أثّر في تكويني الفني بعد الشاعر الراحل صلاح جاهين".

نمط شعري جديد

في الدورة الأخيرة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب صدر للشاعر شوقي حجـاب ديوانان يمثلان نمطاً شعرياً جديداً من شعر العامية، أطلق عليه اسم (المسدسات)، فماذا يمثل هذا النمط الشعري الجديد وما هي قيمة شعر العامية ومدى وصوله للناس في مصر والعالم العربي؟ يقول شوقي حجاب "منذ سنوات عدة بدأت في استخدام الآيباد، والكتابة عليه لا بد أن تكون بشكل مكثف ومواقع التواصل الاجتماعي الآن أيضاً تعتمد على الكتابة المكثفة، والنمط الشائع لهذا الشكل الشعري كان يطلق عليه (المربعات)، مثل مربعات الأبنودي ومربعات ابن عروس، فكتبت بشكل سداسيات، وكان الوضع السياسي مشتعلا في مصر وقتها بعد أحداث ثورة يناير فأطلقت عليها اسم (مسدسات) فأصبح هذا شكلا جديدا، ونُشر ولاقى صدى كبيرا فقمت بالاستمرار في كتابتها وستصدر (المسدسات) في ستة دواوين، صدر منها اثنان حتى الآن، وشعر العامية يصل إلى الناس لأنه لغة الشعب، وهو فكرة اشتراكية، وهي تلاحم الفن مع الجماهير، ويصل إلى العالم العربي لأنه يفهم اللهجة العامية المصرية ويحبها من خلال السينما المصرية التي تعد رائدة في المنطقة، كذلك الإذاعة المصرية التي كانت من أولى الإذاعات في العالم العربي، فالعامية المصرية لها أدبيّاتها، وبخاصة أغاني الفلكلور المصري المنطلق الواعي الذي يكتب بلا حدود أو قيود".

المزيد من ثقافة