Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دايف إيغرز يروي سيرة مختار الخنشلي وقصص البن اليمني

الرحلة المعاكسة من الحلم الأميركي إلى أرض النبتة السحرية وتاريخها

البن اليمني الذي يملك تاريخاً (أ ف ب)

منذ كتابه الأول "عمل مفجع للعبقرية المذهلة"، يحرص الكاتب الأميركي دايف إيغرز على الابتعاد قدر المستطاع عن فكرة "الأنا" الملحة عند معظم معاصريه، منتصراً بدلاً منها للغيرية، على الرغم  من أن هناك ما يبررها في عمل كهذا. فنحن حيال سيرة ذاتية لرحلته الشاقة في تربية أخيه كريستوفر (توف) البالغ من العمر 8 سنوات بعد وفاة والديه بمرض السرطان وانتحار شقيقته واضطراره إلى ترك دراسته لتحمل المسؤولية مع انتباهه لمدى قصر الحياة!

حققت المذكرات لصاحبها الانتشار والنجومية، واحتلت المرتبة الأولى في قائمة أفضل الكتب مبيعاً، كما ترشحت لجائزة بوليتزر، منتزعة لقب "أفضل كتاب العام"، لتمهد السبيل لكاتبها كي ينبش عميقاً في سير الآخرين، وطرحها للقارئ بنزاهة دائماً ما تبدو على قسمات وجهه، وإن كان يصعب سبر غورها عبر عينيه، فنادراً ما يواجه الشاشة، كما لاحظت في بعض حواراته.

على غرار سيرة "فالنتينو"، تناولت روايته "زيتون" 2009 قصة رسام وبنّاء سوري أميركي في نيو أورلينز في عام إعصار كاترينا، وكذلك تتناول رواية "راهب الموخا" سيرة شاب يمني مهاجر إلى الحلم الأميركي. وهي موضوع هذا المقال.

لم آتِ لأحدثكم عن الفشل

بطل "راهب الموخا" مختار الخنشلي، شخص معروف في نيويورك، يمكنك الجلوس في مقهى مختار إذا رغبت في تذوق نكهات البن اليمني مع بسكويت الهيل بوصفة والدته، ولكن احذر! سعر المشروب الواحد 16 دولاراً! وهو ما لا يعني فقط تكلفة الشحن الباهظة ومراحل إعداده وتحميصه فحسب، بل تعني أيضاً جودته العالية.

يستهل إيغرز حكايته بقصة عن الفشل، حيث تتكسر أحلام المهاجر اليمني على أرض أميركا الصلدة، وتضطره إلى ترك دراسته، والاشتغال بمهن متواضعة في موقف سيارات، ومحل بيع أحذية ومحطة بترول، لتنتهي به الحال إلى الجلوس حارساً لمبنى سكني.  

على الرغم من أن القصة شيقة، لكن الفترات الطويلة التي يستغرقها حدوث الأمور كان مثيراً للقلق، ولا أقول الضجر، حتى نصل إلى الفصل العاشر "التمثال". إنها المحطة التي ينقلب الفشل فيها إلى نجاح، بمجرد أن يرى تمثالاً يبلغ ارتفاعه 20 قدماً، منتصباً على مرأى من مكتب حارس العقار. شيد التمثال بغرض الاحتفال بمرحلة فارقة في مسيرة التجارة الأميركية وهو لرجل يمني يشرب فنجان قهوة. ففي تلك المرحلة، اخترعت العبوة المفرغة التي أتاحت لحبة البن فرصة الاحتفاظ بطزاجتها في رحلتها من البلد المنتج إلى البلد المستهلك. وكان على مختار أن يقطع شوطاً طويلاً من المعرفة والبحث ليتعرف على طبيعة اليمن البكر، حيث تتنوع التضاريس بما يتلاءم مع زراعة أنواع القهوة الأربعة على مستوى العالم، بفوارق دقيقة يدركها المزارعون اليمنيون الذين ورثوا تلك المهارات أباً عن جد. تسأله والدته باستنكار: ألا تعلم أن اليمنيين هم أول من صدر البن؟ ألم تكن تعرف هذا؟!  

تبدأ حكاية مختار، كقصة عن الإحباط الذي أصاب الجيل الثاني من استيعاب المهاجرين وسرعان ما تتحول إلى قصة تاريخية عن حبة القهوة وعلاقتها بمختلف الثقافات.

هل كان اليمن السعيد سعيدا حقا؟

ترجع بعض الأساطير اكتشاف البن إلى راعٍ يقطن منحدرات جبال إثيوبيا. لاحظ تيساً يتصرف على نحو فريد جداً عن بقية القطيع وكان يقصد بالتفرد في هذا الموضع، فرط الحركة والنشاط، المطلب الأثير لدى معظم البشر، مما حث الرجل على مراقبته، إلى أن ضبطه يمضغ أوراق شجرة البُن وحبوبها. وما إن تذوقها، حتى سرى مفعولها داخله منتبهاً لقدرتها على تهدئة الآلام ومقاومة النعاس وإضفاء الخفة والحضور على الذهن. وتشير بعض المخطوطات إلى أن علي بن عمر الشاذلي المتوفى في الموخا عام 1418، هو أول من نقل بذور القهوة من جنوب غربي الحبشة إلى اليمن، وأول من شربها وعمل على ترويجها وذيوعها في كل مكان.

لكن المشروب السحري لم يتسن له الانتشار كما يليق به إلا في  القرن الخامس عشر الميلادي، مصاحباً لشعور اليمنيين بخطر إمكانية نقل زراعتها خارج أراضيهم. وهو ما دفع السلطات إلى فرض قوانين صارمة تصل فيها عقوبة من يحاول تهريب البذور إلى الإعدام، ووصل بهم الخوف إلى إفساد البذرة حتى يستحيل عليها النمو في أرض غريبة!

كانت مكة المكرمة أول محطة تصلها القهوة اليمنية، وبكميات قليلة لاستخدام الحجاج. ثم وصلت مصر عن طريق جامع الأزهر على أيدي الطلاب اليمنيين، ومنها إلى إسطنبول في عهد السلطان سليم الأول، وأخيراً إلى أوروبا على أيدي الأتراك. لكن تراجعاً أصاب تلك التجارة كانت مسطوراً لها في تاريخ اكتشافها ورحلتها. لعل من أهم أسبابه، الحروب على سواحل البحر الأحمر، كالحرب العثمانية الإيطالية 1911، والحرب العالمية الأولى، وغيرها من الحروب التي تزامن معها ظهور مُنتجين جدد للبن في العالم.

جلس مختار يتدبر في أسباب تراجع استيراد البن من اليمن، وهل من الممكن استعادة مجد بلده التي طحنتها الحروب؟  كان في الـ 25 من عمره، ينتظر هدفاً، فجأة وجده، وانطلقت شرارة الشباب. بلا رأس مال يعينه في بدء مشروعه ولا خبرة تؤهله للنجاح، شرع في محاولة طائشة لإعادة تعبيد طريق القهوة المهجور، ودراسة كل ما يستلزمه لذلك، وإن سيطرت كتب التنمية البشرية في رحلة الحلم الذي أفضى إلى منتهى الواقع.

عاد مختار إلى شبه الجزيرة العربية، زار جميع مناطق البن اليمني الـ 32 وعاش مع المزارعين لأكثر من عام، هؤلاء الذين استغرق إقناعهم 3 سنوات حتى يتخلوا عن زراعة القات ( النبات المخدر) على الرغم من رواجه، والبدء في زراعة البن وهم لا يضمنون رواجها، فقد أكل عليها الدهر وشرب. وإذا به يجد نفسه في طريق العودة محاصراً بالحرب الأهلية، وعليه أن يجد مخرجاً من اليمن من دون التضحية بأحلامه أو التخلي عن شعبه.

في نوع من الإثارة يتحدى بطلنا الميليشيات ومحاولات الاختطاف والمخاطر المهلكة، ليصل في النهاية بسلام إلى الولايات المتحدة. وبعد عودته يأخذ في سرد قصته عن اليمن إلى صديق، وكيف تفادى القنابل والحوثيين لإخراج القهوة من البلاد. كيف مكن مزارعيه من محصول جيد، وكيف أنه سيشحن حاوية مليئة بأجود أنواع القهوة في العالم من اليمن. وأخيراً يبدأ في تقديم القهوة اليمنية في كوبها الأزرق ومعها تاريخ ميناء المخا ودوره الرئيس في تنشيط أهم تجارة لضبط المزاج البشري.

 المترجم الخائن

في مقدمته، يؤكد إيغرز مدى حرصه على نقل طريقة بطله في رؤية العالم التي قد لا تتفق مع رؤيته كأميركي بلا زيادة أو نقصان. وهو ما جعل عمله يقتصر على الاستماع لمدة ثلاث سنوات كاملة إلى سرد شفوي من مختار والحضور معه إلى أرض اليمن. استغرقت الحوارات من إيجرز مئات الساعات وانحصر تدخله (كما يدعي) في تنشيط ذاكرة مختار وتحديد التواريخ ونقل ما سمعه من لهجة أهل اليمن المحلية إلى نبرته الإنجليزية، على النحو نفسه الذي سمعه منهم.

نعلم أن مختار في رحلة بطولية، لكن هناك ابناً آخر للجزيرة العربية بلغ اهتمامه بالقهوة حداً أسطورياً، إنه علي بن عمر الشاذلي، رجل صوفي يعيش في المخا، قام أولاً بتخمير الحبة، واستخدمها هو ورفاقه من الصوفيين في شعائرهم لأنها تساعدهم في الوصول إلى نوع من التاعلي الديني. يقول الجزيري نقلاً عن فخر الدين أبو بكر بن أبي يزيد المكي من كتابه "إثارة النخوة بحل القهوة" إن الذي بلغه عن جمع يبلغ حد التواتر، أن أول من ابتكرها في أرض اليمن هو الشيخ العارف بالله تعالى علي بن عمر الشاذلي. ويرى الرواة المحليون أن الشيخ الشاذلي هو الذي وضع المخا على الخريطة كمركز تجارة البن، كما أنه قدم القهوة للتجار الذين أتوا إلى المخا وامتدح فوائدها الطبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يرجع الفضل في اهتداء العارف بالله إلى القهوة إلى ناقته الحلوب التي ذاقت ثمرة الشجرة المحرمة فاستطاب لبنها طعماً وجودة، وحين تبعها يوماً رآها تأكل منها. فجنى شيئاً وقلاه واستعمله، فأحدث في نفسه نشاطاً وأريحية، فواظب على استعماله، ثم طبخه فرآه أجدى من استعماله مقلياً، فلم يزل الأمر يزيد حتى بلغ هذه الشهرة.

من المؤكد أن القصة التي يريد إيغرز روايتها هنا تتضمن استبدالاً لمفهوم التصوف أو لو توخينا الدقة، ثمة نوع من التصوف لا ينقطع عن الحياة، بل يجد في ممارسة الأعمال الشاقة والمستحيلة أسمى درجات التصوف. لكن هذا الكتاب يدور حول ما هو أكثر بكثير من هذا المفهوم أو تاريخ القهوة والمهاجرين المسلمين والنزاعات في اليمن، وتداعيات الحروب على بلدان كانت في قمة مجدها.

لقد أراد الكاتب أن يسرب من خلال مختار وعبر شقوق السرد استمرارية وجود أميركا كأرض للأحلام من خلال المهاجرين الذين على حد قوله، هم أكثر من يشعرون بذلك جراء نجاحهم المبهر. هؤلاء الذين أقاموا علاقات قوية مع بلدان أسلافهم، والذين من خلال ريادة الأعمال والجهد الدؤوب، عملوا على إنشاء جسور لا غنى عنها بين العالمين المتقدم والنامي، وبين الدول المنتجة وتلك التي تحفل بالاستهلاك. يريد إيغرز لرؤيته هذه أن تكون معدية، حتى حين يجلس في برنامج مع بطله، يتدخل بين الحين والآخر لإكمال رؤية مختار الذي يريد تسليط الضوء عليها، إنه يريدنا ببساطة أن نصدق أن أميركا ترحب بالجميع وتوفر لهم فرصاً مذهلة للنجاح، والدليل مختار!

المزيد من كتب