Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العيش في كذبة

إعادة كتابة التاريخ ومراجعة تراث يختلط فيه الدين بالسياسة مسألة مهمة لتثوير العقل العربي

خريطة اتفاقية سايكس- بيكو (غيتي)

يعيش الإنسان عمراً قصيراً، فمتوسط الأعمار سبعة عقود، تزيد أو تنقص عقداً، اعتماداً على سلوك حياته ومتوسط الأعمار في بلده وبيئته، ومن المحزن أن يعيش الإنسان حياته وفق أكاذيب اختلقت وصدقها وعُبئ وفقاً لها.

لا شك في أن المتابع للإعلام الاجتماعي يدرك سهولة وقوع الإنسان في شراك الأكاذيب الإعلامية؛ فهذه صورة مفبركة، وتلك معنونة بغير عنوانها الحقيقي، وهذا مقطع فيديو تم نسبه لبلد غير بلده الذي صور فيه، وهذا متحدث يختلق الأوهام ويفسر الأحلام ويخدع الأنام ويدغدغ مشاعرهم باختلاق كذب يدعي أنه حقائق علمية، ويؤيد كذبته ببحث علمي قام به عالم غربي لا يذكر اسمه ولا اسم الدورية العلمية التي نشر بها البحث.

فإذا كان هذا حالنا اليوم بتزوير الأحداث التي نعايشها وتلفيقها، فما بالك بالتاريخ وما نسب إليه زوراً وكذباً وتلفيقاً! من أكاذيب التاريخ التي نشأنا عليها أن الخلافة الإسلامية كانت دولة واحدة، وهي لم تكن كذلك أبداً في أي من الفترات، فمنذ أن اندلع الصراع بين بني هاشم وبني أمية على الحكم وحتى يومنا هذا لم توجد دولة إسلامية واحدة مُوَحِّدة لكل الأمة الإسلامية، فقد قامت لبني هاشم دولة في العراق سحقها بني أمية الذين حكموا من الشام، واضطر من بقي من بني هاشم للهروب إلى جبال اليمن وأصقاع فارس خوفاً من بطش بني أمية حتى أزالوا حكمهم بالشام وسحقوا أحياء بني أمية ونبشوا قبور أمواتهم، فهرب منهم عبد الرحمن الداخل الذي أقام دولة بالأندلس تحولت في ما بعد إلى دويلات متحاربة حتى طرد الفرنجة العرب والمسلمين من شبه جزيرة إيبيريا في القرن الخامس عشر.

قامت خلافة بني العباس -الذين اقتتلوا بدورهم مع أبناء أعمامهم من آل البيت للتفرد بالخلافة- وتزامنت بِعَهدها قيام دول أخرى مثل الفاطمية والحمدانية والأخشيدية والطولونية والأيوبية ودولة المرابطون، وغيرها من الدول التي كان بعضها يدين بالولاء اسمياً للخليفة في بغداد.

أما في عهد الدولة العثمانية التي يتوق الإسلام السياسي بيننا لعودتها، لم تكن مصر ولا إيران وآسيا الوسطى تحت إمرتها، ولا الجزيرة العربية سوى الحجاز؛ للتحكم بالأماكن المقدسة لدى المسلمين والسيطرة على تنظيم شعائر الحج. أي أننا كنا ولا نزال نُعبّأ تعبئة وهمية للعودة لشيء لم يكن له وجود أبداً في التاريخ.

كنت أستعرض اتفاقية سايكس- بيكو الشهيرة (1916) التي علقنا عليها كل أسباب مشكلاتنا وتشرذمنا، فكانت اتفاقية لتقسيم بلاد الشام والعراق بشكل شبه حصري، فشمال المغرب كان محتلاً أصلاً قبل الاتفاقية وكذلك ليبيا التي غزاها الإيطاليون عام 1911، ومصر والسودان كانتا تحت الاحتلال الإنجليزي، والجزيرة العربية كانت مشايخ متناثرة بكيانات قائمة على رغم هشاشتها، ومع هذا اختزلت أدبياتنا السياسية في القرن الماضي المنطقة كلها في بلاد الشام والعراق وكأنه لا يوجد غيرها من أراض عربية!

إن إعادة كتابة التاريخ، ومراجعة الكثير مما ورثناه من تراث يختلط فيه الدين بالسياسة وبالتاريخ مسألة مهمة لتثوير العقل العربي ضد كذب التاريخ الذي تم تلقيننا إياه من دون تمحيص أو مراجعة أو مناقشة، إن العيش في الوهم الماضي معوق أساسي لمعايشة الحاضر ولبناء المستقبل.

المزيد من آراء