مشكلة بريطانيا في معارضتها أكثر من أزمة حكومتها

"كوربين" ورّط حزب العمال بتأييده حماس وحزب الله... و"شبهة اليسارية" جعلته يتبنى أفكار المحافظين

فَشَلَ حزب العمال البريطاني المعارض في مسعاه للسيطرة على قرار البرلمان بنهاية الشهر، كي يستطيع تمرير تشريع يحظر الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) دون اتفاق، ويعطي ذلك دفعة إلى مرشحي زعامة حزب المحافظين الحاكم ورئاسة الحكومة البريطانية، الذين يؤيدون البريكست دون اتفاق.

الاقتراح، الذي تقدَّم به الحزب للتصويت، يقضي بتعديل قواعد مجلس العموم بوقف سيطرة الحزب الحاكم على جدول الأعمال البرلماني، بما يمكّن المعارضة من تمرير تشريع منع بريكست دون اتفاق، وجاء التصويت ضد الاقتراح بفارق أحد عشر صوتاً (309 لا، مقابل 298 نعم).

ومع أن 11 نائباً من حزب المحافظين صوَّتوا لصالح اقتراح العمال، فإن ذلك أقل من عدد نواب المحافظين، الذين صوَّتوا لصالح منع البريكست دون اتفاق في أبريل (14 نائباً وقتها)، لكن ما أفشل محاولة حزب العمال ليس عدم القدرة على إقناع عدد أكبر من نواب الحكومة للتصويت مع المعارضة، بل نواب حزب العمال نفسه.

فقد صوَّت 8 من نواب المعارضة العمالية ضد اقتراح حزبهم. ليس هذا فحسب، بل إن عدداً آخر من نواب الحزب تغيَّب عن جلسة التصويت، ولو أن هؤلاء الذين امتنعوا عن التصويت حضروا الجلسة لفاز الاقتراح.

المشكلة في كوربين
ومما يزيد من مشكلة بريطانيا مع البريكست وسط الأزمات السياسية المتلاحقة، التي تعاني منها منذ تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة للاتحاد الأوروبي في 29 مارس (آذار) 2017 ليست خلافات الحزب الحاكم فقط، إنما أزمة المعارضة أيضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فإذا كانت زعيمة حزب المحافظين ورئيسة الوزراء المستقيلة تيريزا ماي عانت انشقاقات حزبها عليها، فإن جيرمي كوربين زعيم حزب العمال يعاني أكثر مع كثير من أعضاء حزبه، ويكاد يكون أفقد الحزب فرصة الفوز في انتخابات عامة لو أجريت الآن.

وباستثناء عدد قليل من نواب حزب العمال وأعضائه، يُطلق عليهم "جماعة كوربين"، لا يثق كثيرون بحزب المعارضة في قدرة زعيمهم على قيادة الحزب نحو الفوز برئاسة الحكومة.

وجاءت نتائج الحزب في انتخابات البرلمان الأوروبي الشهر الماضي مخيبة للآمال مع تراجع نسبة التصويت للحزب بأكثر من 11%.

صحيحٌ أن نسبة التصويت لحزب المحافظين الحاكم في الانتخابات الأوروبية تراجعت أيضاً بأكثر من 14%، لكن ذلك كان متوقعاً مع صعود اليمين المتشدد المتحمس للبريكست، وحصوله على قدر كبير من أصوات القاعدة الانتخابية للمحافظين.

لكن العمال المعارض كان يفترض أن يستفيد من غضب القواعد الانتخابية على الحزب الحاكم، ويعزز نصيبه في أول اقتراع عام بعد أزمات الحكومة.

لم يكن غريباً أن تجد حتى نواباً من حزب العمال يصوّتون في الانتخابات الأوروبية لصالح مرشحي حزب الديموقراطيين الأحرار، الذي أخذ النصيب الأكبر مما خسره العمال.

شخصية خلافية
قبل أيام من محاولة حزب العمال استغلال البرلمان لمنع رئيس الحكومة الجديد من تعليق عمل البرلمان، كي لا يعرقل البريكست دون اتفاق، شهد اجتماع للهيئة البرلمانية للحزب مواجهة حادة بين نواب المعارضة وزعيمهم، الذي لم يكن اجتمع معهم منذ فترة.

وانتقد عدد غير قليل من النواب كوربين لمواقفه غير الحاسمة في مشكلات من قبيل تفشي معاداة السامية والتغطية على انتهاكات بعض الأعضاء، وأيضاً بسبب الموقف غير الواضح من البريكست، الذي يكلف الحزب خسائر مستمرة في قواعده الانتخابية.

ربما تكون حملة تستهدف حزب العمال، وكوربين تحديداً، تربط بين أي انتقاد لإسرائيل وجريمة الكراهية المعروفة، بوصف "معاداة السامية"، وقد تكون بعض اتهامات التحرش وغيرها بحق بعض الأعضاء فيها مبالغة، إلا أن موقف كوربين لم يكن حاسماً إطلاقاً منذ بدأت تلك الحملة. واختار طريقته التي تشبه "إمساك العصا من المنتصف"، التي أدت إلى انشقاق عدد من نواب البرلمان من حزب العمال، ومحاولة تشكيل كيان سياسي جديد.

ويقوم جيرمي كوربين بإبعاد كل من يختلف مع رأيه وطريقته في إدارة الحزب، إمّا بإبعادهم عن المواقع القيادية، أو الطرد من الحزب، كما حدث مع أليستر كامبل، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الحكومة العمالي توني بلير، لأنه صوَّت لمرشح حزب الديموقراطيين الأحرار في الانتخابات الأوروبية.

ناشط أم سياسي؟!
منذ انتخابه زعيماً لحزب العمال في 2015 لم تستفد المعارضة من مشكلات الحزب الحاكم بسبب عدم وضوح الرؤية لدى زعيم الحزب جيرمي كوربين، ورغم أنه في البداية وجد البعض عذراً لاستلامه حزباً لم يحقق إنجازات مهمة برئاسة خلفه ديفيد ميلباند، فإن الأخير كان سياسياً أكثر من كوربين.

قبل فوزه برئاسة الحزب كان كوربين رئيساً لحركة "أوقفوا الحرب"، التي امتد نشاطها من معارضة حرب العراق إلى معارضة كل السياسة الخارجية لبريطانيا وحلفائها، خصوصاً الولايات المتحدة.

وتَغلُب على كوربين طبيعة الناشط أكثر من السياسي، وذلك ما أوقع الحزب في مشكلات هو في غنى عنها، بسبب موقف كوربين مثلا المؤيد حركة حماس وحزب الله وغيرها من المواقف، وكان آخر موقف حرج هو مقاطعة زعيم المعارضة العشاء الملكي للرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارته الرسمية لبريطانيا، والمشاركة في مظاهرة احتجاج على الزيارة، وفي الوقت نفسه طلب كوربين لقاءً مع ترمب، رفضه الأخير، وسبّب الإعلان عن ذلك صفعةً للمعارضة.

يذكر هنا أن المعارضة في بريطانيا مثلها مثل الحكومة، حين يتعلق الأمر بالبروتوكول الملكي، بل إن الصفة الرسمية لحزب العمال الآن هي "معارضة جلالة الملكة"، مثل حزب المحافظين "حكومة جلالتها". وكان تصرف كوربين بالنسبة إلى العشاء الرسمي حركة ناشطين فجة، وليس موقفاً سياسياً.

كوربين والبريكست
اُنتخب جيرمي كوربين زعيماً لحزب العمال قبل عام واحد من استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، وكانت تلك هي القضية الرئيسية المهيمنة على الرأي العام في البلاد. إلا أن كوربين الناشط لم يكن مؤهلاً لتشكيل سياسة محددة تجاه القضية الرئيسية، ما أفقده القدرة على التأثير في اتجاه الاستفتاء، رغم أن أغلبية المؤيدين بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي هم من أعضاء حزب العمال.

وظل هذا الموقف غير الحاسم مستمراً لدرجة هددت بانقسام الحزب مع مطالبة عدد كبير من أعضائه بالتزام القيادة بالدعوة إلى استفتاء ثانٍ على البريكست، وهو ما يرفضه كوربين. وفي الوقت نفسه لا يقدم خطة واضحة تواجه مواقف قيادات المحافظين، دعاة الخروج أو البقاء منهم على السواء.

ولا يقتصر "الاهتزاز" وعدم الوضوح وميوعة المواقف على البريكست فحسب، بل يمتد إلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية، التي يصوّت على أساسها الناخبون في بريطانيا أكثر من القضايا الخارجية، المتحمس لها كوربين بكثير من الشطط غير السياسي.

فمثلا يعارض كوربين التزام حزب المعارضة بما يسمى توجه "الحراك الاجتماعي"، ويرفض خيار "إتاحة الفرص"، وهو هنا يحاول إبعاد شبهة اليسارية عن نفسه، فيتبنى أحد مبادئ المحافظين مع تعديل طفيف، فيصبح مثل "الغراب الحاجل"، لا هو ظل غراباً، ولا هو أصبح طاووساً.

تعميق الأزمة
إذا كانت بريطانيا تواجه أزمة سياسية متصاعدة منذ فشل تيريزا ماي في تنفيذ البريكست في 29 مارس (آذار) من العام الحالي، وتأجيله إلى 31 أكتوبر (تشرين الأول)، فإن رئيس الحكومة المحافظ الجديد لن يجد الأمر سهلاً أيضاً.

لكن الأزمة لا تقتصر على ضعف حزب المحافظين الحاكم وحده، وفقدانه ثقة الناخب البريطاني، إنما ربما بشكل أكبر لعدم توفر بديل مقنع، كان يفترض أن يمثله حزب العمال المعارض لولا قيادته المهزوزة وغير الحاسمة.

ومنذ خروج حزب العمال من الحكم في 2010 بقيادة غوردون براون، الذي أكمل فترة العمال الثالثة في السلطة مكان توني بلير عام 2007، لم يستطع الحزب في المعارضة مواجهة المحافظين.

صحيحٌ أنه حقق تقدماً في انتخابات 2017، لكنه لم يكن كافياً للتغلب على المحافظين بقيادة تيريزا ماي، ناهيك بالحصول على أغلبية لتشكيل حكومة. ولو أجريت انتخابات الآن فلن يكون هناك تغيرٌ كبيرٌ، والسبب الأهم هو وجود جيرمي كوربين في زعامة الحزب.

المزيد من تحلیل