Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطائفة اللبنانية الـ19 يصنعها مواطنون ومهاجرون مهمشون

كاتبات وكتاب يروون مشاهد أليمة من الضواحي والسجون والعالم السفلي

بيروت بريشة سيتا مانوكيان (صفحة الرسامة - فيسبوك)

في الكتاب الجديد الصادر بالفرنسية عن دار نوفل (2021) بعنوان: "لبنان، ثماني عشرة طائفة وأكثر" نصوص سردية، هي أقرب ما تكون شهادات حياة أو وثائق وتواريخ وقصصاً قصيرة، أشخاصها واقعيون جداً، وإن رمزت الإشارة إليهم، وحكاياتهم الأليمة حمالة الكثير من العبر عن لبناننا "الجحيمي"، وعن ذاك اللبنان الذي تطمح النخبة المثقفة إلى إعادة إعماره "من بين رماده بلداً عصرياً، وموئلاً للمساواة، والإنسانية"، على حد ما ورد في توطئة الكتاب بقلم رندة عرقتنجي.

أما الروائي الياس الخوري فأشار في تمهيد الكتاب إلى أن المسارد الواردة في الكتاب، وقد بلغت 23 كاتبة وكاتباً فرونكوفونيين، في الغالب الأعم، كان القصد منها التركيز على الضواحي المنسية والمهملة، بمثل تركيزها على شخوص الضواحي، وعذابات النساء في عالم الرجال، وعلى الكثير من المآسي التي اصطنعها النظام الطائفي ونوازع العنصرية لدى أبنائه حيال من قدم إليه طلباً للعمل والعيش، ذلك أن الكتابة في هذا الشأن، كما يقول الخوري، إن هي إلا "رحلة نحو الذات ونحو الآخر، بل إن رحلة السندباد اللبناني إلى اللبنان المتواري تمهيد لنيل حريته الناجزة".

المتخلفون عقلياً

في المسرد الأول من الكتاب للكاتبة الأكاديمية ندى مغيزل نصر، وبعنوان "أغنياء وخالدون" تطرح صورة مصغرة عن جلجلة الآلام التي يحياها أهل من ولدوا متخلفين عقلياً، إذ يفرض عليهم أن يظلوا أغنياء وعصيين على الموت لرعاية هؤلاء.

وفي المسرد الثاني، وهو بمثابة قصة محكمة البنيان، للكاتبة حياة شاكر، تروي فيها الكوابيس والرؤى التي تنتاب امرأة تدعى "مريم"، القاطنة وحدها منزلاً في إحدى القرى الجبلية، وقد تهيأ لها أن عصفور "أبو الحن" الذي راح يطرق بجناحيه شباكها المطل على الشارع، إنما كان ينبهها إلى كارثة قد تحل بها، وأن الشاب القتيل، الذي سبق أن وُوري الثرى، ينهض من مدفنه، ويدق بابها في تواتر مريب. ولا تنسى الكاتبة شاكر أن ترسم لقصتها ذات المرجعية الواقعية جداً، والمستمدة وقائعها من حرب الجبل أواسط الثمانينيات من القرن العشرين، مناخات الثأر والقتل والخوف التي كانت تلتهم نفوس سكان جبل لبنان التهاماً قبل الإتيان على جسومهم.

جورجيا مخلوف، في قصتها الثالثة بعنوان "ساعة القيلولة" التي شاءتها تكريماً لجمعية "كاتارسيس" للناشطة زينة دكاش، تروي فيها طائفة من الأحداث والمشاهدات والانطباعات، في خلال الزيارات التي كانت تقوم بها سيدة تدعى "لميا"، من أجل إعداد السجينات، في رومية، لأداء أدوارهن في مسرحية تكون تنفيساً عن كربة كل منهن، ونوعاً من المعالجة عبر الدراما. وعندئذٍ، يتكشف للراوي حجم المظالم التي وقعت السجينات ضحية لها، فمنهن السارقات اضطراراً، والكاذبات، والمتاجرات بالممنوعات، والمتآمرات، والقاتلات، ومنهن العاجزات عن دفع الكفالة (وقدرها 200.000الف ليرة لبنانية) للخروج من السجن، بعد ثماني سنوات حبساً لقاء سرقتها آلة سكوتر قديمة.

البشرة السمراء

أما قصة "ليست زنجية" التي كتبتها سلمى كجك، وهي السرد الرابع على التوالي، فتروي مأساة متمادية لكثيرات من ذوات البشرة السمراء، من اللاتي استقدمن من أفريقيا وآسيا، واللاتي كن مولودات من زواج لبنانيين بأفريقيات، على صورة "زنوبة" التي أتى بها والدها إلى لبنان، وأودعها لدى جدتها لكي تربيها، فواجهت سيلاً من العنصرية، سواء من قبل زملائها وزميلاتها في المدرسة يرمونها بالحصى من دون سبب، أو في شارع الحمرا لدى خروجها للتبضع. وحتى لما صارت صبية ملء قامتها المائلة إلى الشوكولاتة، بحيث لم يتوانَ البعض عن تسميتها "بالعبدة"! وعلى هذا لم تكن نهاية زنوبة سعيدة، إذ وجدت ملقاة على شاطئ الروشة، في غيبوبة تامة، بعد إنقاذها طفلين من الغرق.

في "سرد أبو سعيد" يستعيد الروائي الفرنكوفوني شريف مجدلاني، مأساة بعض الفلسطينيين، ممن كانت عائلاتهم مستوطنةً لبنان وفلسطين، من غابر الأزمنة، وقد حال الاحتلال والتقسيم والتهجير دون عودة هؤلاء إلى أرضهم؟ إذاً، يختزل السرد الذكي لعائلة "أبو سعيد" معاناة هذه الفئة التي يحرم أبناؤها المتعلمون من مزاولة أعمال تقيهم العوز، إلا أشغال الصيد البحري التي مارسها الجد، منذ أن كان في يافا. وتابعها مع الصيادين في "الدورة". وعلى الرغم من أن والد سعيد (الراوي) لم يكن يحب الميليشيات، ولا يهوى المنازعات مع السلطة، فإن سوء الحظ والتمييز ظلا يلاحقان الأبناء، فلا ضمان طبياً يرفع عن كاهله عناء إعاقة ابنته، ولا شعور بالامتنان من قبل السلطات اللبنانية حيال سلمية هؤلاء، تحملهم على منحهم الجنسية التي يستحقون، ثم ألا يمكن الإطلالة من حكاية "أبو سعيد" على شريحة كاملة من المقيمين في لبنان، وممن يطالبون بالجنسية اللبنانية، وباتوا على قاب قوسين من حيازتها، ولا سيما قانون منح المرأة اللبنانية الجنسية لأبنائها؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي قصة "حياة جانبية" للكاتبة الفرنكوفونية ميشيل تيان تروي الكاتبة بعضاً من سيرة "قادير"، الشاب الآسيوي الذي عزم على تدبر أمره بنفسه، هارباً من محيط عائلي مفكك، إلى لبنان حيث باشر عملاً يدر عليه القليل، بيد أن دماثة أخلاقه وميله الجارف إلى مساعدة زملائه وزميلاته وتحسين شروط عيشهم لدى السلطات، جعلا منه سيداً ناطقاً بلسانهم ومصالحهم. وذات يوم قرر أن يجمع، مع عشيقته شيترا، وهي من السنغال (في حين أنه من التاميل، وهما جماعتان متخاصمتان حتى العداء في الهند) عدداً من العاملين والعاملات، من السيريلانكيين والهنود، والإثيوبيين، والبوذيين، وغيرهم للقيام برحلة حج إلى قرية "قانا" في الجنوب اللبناني. وهنالك تستخلص الكاتبة نقاط التشابه بين مجزرة قانا التي ذهب ضحيتها العشرات من النساء والأطفال في حرب "عناقيد الغضب" التي شنها العدو على الجنوب اللبناني وأهله، وبين مجزرة شنشولاي التي ذهب ضحيتها العشرات من الأطفال في دار للأيتام، ولكن العبرة الماثلة في المسرد أن هؤلاء المختلفين عرقاً وديناً ولغةً وموطناً، والمهمشين اقتصادياً والمجروحين من عنصرية بعض اللبنانيين، أمكنهم ان يتجاوزوا خلافاتهم ويبرزوا إنسانيتهم المتسامية على ما عداهم.

الآسيويون المنتحرون

وقد يحار المرء في اختيار المسارد، واختزال ما فيها من معالم دالة على البستان الأنثروبولوجي الذي اسمه لبنان، فهل يختار أقصوصة انتحار الخادمة الإثيوبية في الشياح، كما رواها الكاتب أنطوان بولاد، أم يختار قصة "غير المرئيين" للكاتب غابريال الديك، وفيها يروي حكاية الكشاشين المأساوية، أم تراه يختار مسرد "الفتيان البلا وجوه" للكاتب رامي زين عن النباشين في القمامات، وحياتهم الهامشية والمضحى بها على "مذبح الوهم الجماعي"؟ أم تراه يختار قصة "أم الجاز" للكاتبة رندة عرقتنجي، عن مناضل يساري شاب يدعى ديمتري، خريج الجامعة الأميركية ومؤيد للقضية الفلسطينية ومكرس مستقبله لتحرير بلده من المحتل حتى الأسر، والتضحية بزواجه؟ أم يلتفت إلى قصة الكاتبة جويل عياش فحل، بعنوان "وهبت جسدي للعلم"، وفيها تفضح الكاتبة مجالاً آخر للاحتيال على من يتعطشن للإنجاب، ويضحين بالكثير من أجله؟ أم ينتقي قصة للكاتبة تانيا حاجي توما مهنا بعنوان "كوكلامو" وهي تحكي عن مغامرة ذوي الأصول اليونانية النازحين من سميرنا، بعيد احتلالها من الأتراك، وتجذرهم في لبنان، إلى جانب إخوانهم الأرمن؟

أحسب أن الروائي إلياس الخوري، وسائر الكتاب والكاتبات المساهمين في مساردهم وقصصهم الواردة فيه، إنما شاؤوا أن يصنعوا منه لوحة جدارية كبرى عن لبنان الهامش، أو ضواحي لبنان بتعبير ألطف وأقل صدماً لذوي الصورة المثالية لهذا اللبنان. وهم، إذ أفلحوا في ذلك، تجاوزت نصوصهم دلالات الهامش لتصيب جوهر التكوين الكوزموبوليتاني للبنان، والمركب من موجات من المهاجرين والمهجرين ومنتظري الهجرة والمواطنين المُعتاشين من أنصبة متفاوتة من موارد البلد، ومن خدمتهم المياومين والموسميين والدائمين ومسرى حياتهم وموتهم فيه.

وأحسب أخيراً أن المسارد الخمسة والعشرين، بل الجراح المروية هنا، اللبنانية، وتلك الأجنبية فيه، وإن بالفرنسية، يفتتح كل منها باباً للدرس الأنثروبولوجي والاجتماعي والفكري والتأريخي، لعل "السندباد اللبناني"، على قول إلياس الخوري، يعرف ذاته ولبنانه حق المعرفة.

المزيد من ثقافة