Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مآسي فتيات الهوى في سوريا الانتداب والزمن الراهن

ابتسام تريسي تواصل مشروعا سرديا في رواية " بنات لحلوحة"

لوحة للرسام محمود عبيدي (صفحة الرسام على فيسبوك)

"بنات لحلوحة" هي الرواية الرابعة عشرة للروائية السورية ابتسام تريسي، الصادرة حديثاً عن دار "ثقافة للنشر". وهي حلقة جديدة في سلسلة صاحبتها السردية، التي شكلت مجموعتها القصصية "جذور ميتة" الصادرة عام 2001 حلقتها الأولى، وتشكل روايتها "بنات لحلوحة" الصادرة عام 2021 حلقتها السابعة عشرة، و"الحبل على الجرار". وبذلك، نكون إزاء سبعة عشر أثراً سردياً، ثلاث مجموعات قصصية وأربع عشرة رواية، خلال عقدين اثنين، بوتيرة أثر سردي واحد تقريباً في العام الواحد، وهي وتيرة مرتفعة تدل على غزارة إنتاج الكاتبة، وطول باعها في الكتابة السردية. وهي في جميع حلقات السلسلة تعالج الأعطاب التي يعاني منها المجتمع السوري في المئة عام الأخيرة، و"بنات لحلوحة" لا تشذ عن هذا السياق.

 بين المطرقة والسندان

 في "بنات لحلوحة"، تخوض تريسي في حياة شريحة اجتماعية، تترجح إقامتها بين مدينتي حلب والحيرانة وسواهما من المدن الشمالية، وتتموضع بين سندان مجتمع بطريركي ومطرقة سلطة مستبدة، وتدفع أثماناً باهظة لهذا التموضع. وهي شريحة عاملات الجنس التي يقع عليها النبذ والإقصاء والظلم، خلال تسعة عقود، تمتد من ثلاثينيات القرن الماضي حتى عشرينيات القرن الجاري، في عالم مرجعي ينوء بأعطابه الكثيرة، ويرزح تحت انتداب فرنسي وقهر اجتماعي واستبداد سياسي، في العقود الأربعة الأولى، وتتحكم أجهزة الاستخبارات بمفاصل الحياة فيه، في العقود الخمسة الأخيرة، على الأقل. وهو ما يكون له تداعيات خطيرة على مكونات هذا العالم، وتترتب عليه نتائج وخيمة.

 بين القمة والقاع

 تقوم الرواية على علاقة جدلية بين عاملة الجنس ورجل الاستخبارات، في الفضاءين المكاني والزماني المذكورين أعلاه. وهي علاقة تفتقر إلى التكافؤ بين طرفيها، يمتلك الطرف القوي فيها المتربع على قمة السلطة، زمام التحكم بالأمور، فيما يتحمل الطرف الضعيف القابع في قاع المجتمع تبعاتها المتمادية. ويشكل قيام العميد جاد الله المزين بهدم حي بحثيتا الحلبي الذي كانت تمارس فيه عاملات الجنس مهنتهن، تنفيذاً لأوامر عليا، البداية النصية للعلاقة، فيما تعود البداية الفعلية إلى ثلاثينيات القرن الماضي حين قام بدر رجل الاستخبارات، في ظل الانتداب الفرنسي، بزرع لحلوحة في حي بحثيتا، وتكليفها البحث عن فتيات للمنزول، وكتابة التقارير عن مرتاديه من الشخصيات المعروفة، مستغلاً حاجتها إلى المأوى، وهي الهاربة من ظلم صاحب الخان في الحيرانة إلى حلب حيث يتخلى عنها الشخص الذي شجعها على الهرب ويتركها لسبيلها المقطوع. ويشكل فضح ضابط الاستخبارات صلاح السيد، في ظل النظام الحالي، وتفكيك عقده النفسية وتعرية ممارساته السادية، النهاية النصية للعلاقة، تلك التي تتقاطع مع نهايتها الفعلية. وبين البداية والنهاية مجموعة من الأحداث، المتزامنة والمتعاقبة، التي تمثل "زواجاً غير شرعي" بين طرفي العلاقة يتمخض عن ضحايا كثيرة. وبذلك، نكون أمام تاريخ من التجارة بالبشر لتحقيق أرباح سياسية، يمتد من ثلاثينيات القرن الماضي حتى عشرينيات القرن الحالي، ويبلغ الذروة في الزلزلة السورية التي لما تضع أوزارها بعد.

 عاملة الجنس

 الطرف الضعيف في العلاقة هو عاملة الجنس بتمثلاتها العديدة التي تمثلها لحلوحة وبناتها من عاملات الجنس اللاتي تقطعت بهن السبل، ودفعتهن حظوظهن العاثرة إلى المنزول، وهربن من دلفة المجتمع البطريركي إلى مزراب السلطة المستبدة، ولكل منهن مسارها العاثر ومصيرها الفاجع. فلحلوحة يغريها محمد البيك بالهرب من ظلم صاحب الخان إلى حلب، حتى إذا ما تخلى عنها، تجد نفسها في الشارع. ويقودها حظها العاثر إلى الوقوع بين براثن رجل الاستخبارات الذي يزرعها في بحثيتا. حبيبة الآرتية فتاة يابانية رخيمة الصوت يعتدي عليها ضباط وجنود فرنسيون، تتسول لقمة عيشها، وتقودها خطاها إلى منزول لحلوحة. نادرة الشريف تشهد مقتل أبيها على يد شقيق زوجته التي تقوم بضربها ورميها في الشارع، فتعثر عليها لحلوحة، وتضمها إلى بناتها. حلوة الشخشرلي يسجن أبوها، ويذبح أخوها، ويتحرش بها زوج عمتها. حسنية الحلاقة غريبة متشردة تنام في الزريبة والمغارة. وسيلة السباك تتعرض للتنمر بسبب رموشها البيضاء، وتبيعها أمها مقابل المال. بدرية الخياطة يتيمة الأبوين، تسيء زوجة الأب معاملتها، وتزمع تزويجها من ابن الجزار المعاق، فتفر مع موسى الحميماتي الذي يدخل بها، ويغادر إلى غير رجعة. صفية الريدة تضيع جدتها في بيروت، وتصعد إلى الحافلة الخطأ، فتعثر عليها لحلوحة في الحديقة العامة مع الفجر، وتأخذها إلى المنزول.

وحيدة الريدة تضيع جدتها في الخامسة من العمر في بيروت، فتأتي بها جميلة إلى اللاذقية. وهيبة العايقة تفر مع شاب من قريتها إلى القاهرة، يموت في حادث عمل، فتتزوج من كاسر السلوم الذي يأتي بها إلى حلب، ويقامر عليها، فيربحها أحد الضباط، ويتركها لسائقه، ثم يأمره بأخذها إلى بحثيتا. وفضة العرموطية تتحدر من النور يشتريها تاجر من أخيها، ويبيعها من صاحب ملهى يهديها إلى مدير الاستخبارات الذي يدفع بها إلى المنزول. وهكذا، يجمع بين هؤلاء العاملات تحدرهن من أسر فقيرة مفككة، وقوع ظلم المجتمع عليهن، خضوعهن لاستغلال السلطة، وعورة مساراتهن، وقتامة مصائرهن...

 الطرف القوي في العلاقة هو رجل الاستخبارات بتمثلاته العديدة، بدءاً من بدر في مرحلة الانتداب الفرنسي، مروراً بالعميد جاد الله المزين والعقيد أبو فراس واللواء شيخ الجبل وغيرهم، في ظل النظام الحالي. غير أن الشخصية الأكثر تمثيلاً لرجل الاستخبارات وأعماله القذرة تتمثل في رئيس فرع المعلومات صلاح السيد، "العصبي المشاكس الذي يستخدم عبارات جارحة [...] ويعيش حياته بلا مبالاة مفرطة" (ص 220)، ويعاني من اضطرابات نفسية تدفعه إلى حرق لوحاته احتجاجاً على تردي علاقته بخطيبته فريدة التي لا تلبث أن تتخلى عنه لاحقاً، ويعيش عجزاً جنسياً يحاول التعويض عنه بالإيقاع بالفتيات الصغيرات وممارسة ساديته عليهن وإخضاعهن لنوبات تعذيب تنتهي بخروجهن من مكتبه بالتوابيت. ناهيك بانخراطه في عمليات تفجير تتناول مسؤولين موالين للنظام لدى أدنى اشتباه بهم، وتسببه في قتل من يشتبه في علاقته بالرواية التي كتبتها خطيبته السابقة فريدة عن عاملات الجنس ودوره القذر في التعاطي معهن. وتكون فريدة وشقيقتاها جليلة ويمامة والروائي/ الراوي عبد السلام أمين من بعض ضحاياه. وهذه الشخصية العصابية تقدم صورة نموذجية عن رجل الاستخبارات الذي لا يتورع عن ارتكاب شتى الموبقات تنفيذاً لأوامر أسياده أو تحقيقاً لأغراضه الدنيئة.

 نتائج متمادية

هذا "الزواج غير الشرعي" بين طرفي العلاقة غير المتكافئين تترتب عليه نتائج متمادية تترك آثارها المدمرة على بنات عاملات الجنس وأبنائهن. أما البنات فيلقى بعضهن مصيره الفاجع على يد صلاح السيد وأدواته؛ ففريدة الريدة التي تكتب رواية عن عاملات الجنس وترفض حذف ما يتعلق به منها تصاب بنوبة قلبية لدى مشاهدتها فتى صلاح وأداته يقوم بمحو الرواية عن حاسوبها، ويكمل بمحوها من الوجود بالخنق والطعن. وجليلة التي تعيش فراغها ووحدتها وضعفها يتسبب فتاه بسقوطها عن صخرة عالية وموتها، ويمامة التي تخسر ابنتها في تفجير كليتها الجامعية تقدم على الانتحار أو تقتل لعلاقتها بالرواية. وهذه الأحداث تفسر العنوان الفرعي "الرواية القاتلة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 في "بنات لحلوحة"، تعري ابتسام تريسي آليات القهر الاجتماعي والاستبداد السياسي والقمع السلطوي والترقي الكيفي والتفكك الأسري والهيمنة الذكورية والخضوع النسوي في عالم مرجعي محكوم بأعطاب كثيرة. وتطرح الأسئلة الخطيرة في نفق مظلم لا تشي أحداث الرواية بوجود قبس ضوء في آخره. وبذلك تصدر عن منظور روائي قاتم لا يبشر بإمكانية الخروج من النفق في المدى المنظور، على الأقل. وهي تفعل ذلك كله بخطاب روائي مركب، يتعدد فيه الرواة، ويحتوي أحدهم الآخر ويتداخل معه، في علاقة احتواء وتداخل فيما بينهم. والمفارق أن الرواة الثلاثة هم روائيون وإن اختلف حيز الروي المتاح لكل منهم. وهو خطاب حداثي يقوم على التشظي وتعدد العتبات الروائية الداخلية ذات الوظائف المختلفة وغير المحكومة بنظام معين، فليس ثمة خطية زمنية تنتظم العلاقة بين العتبات، واستطراداً الأحداث، وقد يتم الانتقال من عتبة إلى أخرى لوجود قرينة لفظية وقد يكون الانتقال مجانياً.

هكذا نكون إزاء خطاب روائي مفكك يعكس تشظي الأحداث زمنياً ومكانياً، وتفكك المرجع الذي يحيل إليه. وبذلك، تناسب الرواية مرجعها، ويوافق الخطاب الحكاية في التفكك، لكنه يفارقها في كونه خطاباً حداثياً لحكاية قديمة

المزيد من ثقافة