Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسوم كومبو الغرافيتية من جدران باريس وتشرنوبيل إلى لندن

الفنان الفرنسي اللبناني والمغربي الجذور يواجه قضايا االهوية الهجينة بسخرية

رسمة تمثل عائلة مغربية (الخدمة الإعلامية للمعرض)

تتسم الرسوم الغرافيتية لرسام الشارع الشهير كومبو بطبيعتها الساخرة كما هي الحال في معظم رسوم الشارع. غير أن رسوم كومبو تختص بطابع يميزها عن الأعمال الأخرى لرسامي الغرافيتي في شوارع العاصمة الفرنسية حيث ينشط، إذ تحمل أعماله مزيجاً ثقافياً لافتاً بحكم تكوين صاحبها وتنشئته. ولد كومبو ونشأ في فرنسا لأب لبناني وأم مغربية واختلط في طفولته وشبابه بالعديد من المجتمعات الهامشية في منطقة الريفيرا الفرنسية حيث بدأ في وضع رسومه هناك على الجدران. اتسمت رسوم كومبو الغرافيتية الأولى بالتهكم والإسقاطات السياسية حتى عام 2015، وهو العام الذي وقع فيه الهجوم الدموي على صحيفة "شارلي إبدو" الفرنسية. فقد أحدث هذا الهجوم تحولاً في رسومه، ويبدو أنه انتبه حينها إلى الميزة التي يحظى بها وهي استناده إلى خلفية معرفية تُراوح بين ثقافتين، فوجد أن من واجبه تسليط الضوء على نقاط التلاقي والتلاحم بين الثقافات والعقائد المختلفة.

شهد ذلك العام بداية مشروعه الأبرز والممتد "تعايش" الذي يدعو من خلاله إلى السلام والتعايش بين الأديان والعقائد من طريق دمج الرموز الدينية المختلفة في سياق بصري واحد. وهو المشروع الذي عرّضه لاعتداءات عدة كما تعرضت رسومه على الجدران إلى التشويه والهجوم أكثر من مرة على يد بعض الأطراف المنتمين إلى اليمين الفرنسي المتطرف. لم تقتصر أعمال الرسام الشهير على هذه القضية فقط، كما لم يكتف بترك أثره على جدران الشوارع الفرنسية، بل ذهب بعيداً حين اخترق المنطقة المحظورة في بلدة تشيرنوبل لوضع رسومات تندد بالطاقة النووية في الذكرى السنوية للحادث. وترك أعماله على معالم شهيرة في عواصم عدة، إذ انتشرت رسومه من الصين وهونغ كونغ شرقاً إلى المغرب ولبنان وفرنسا وعواصم أوروبية عدة.

تجربة جديدة

بعيداً من جدران الشوارع خاض كومبو أخيراً تجربة أخرى لا تقل تميزاً ، فهو عرض أعماله للمرة الأولى في قاعة عرض بريطانية. فقد استضاف غاليري سولجر بيو في العاصمة البريطانية لندن أخيراً مجموعة مختارة من رسومه تحت عنوان "دارُنا". قدم كومبو خلال هذا العرض الاستثنائي لمحة من تجاربه المختلفة في العيش والتعايش مع ثقافتيه الغربية والشرقية.

في بيانها المُصاحب للعرض تصف القيّمة الليبية نجلاء العجيلي طبيعة كومبو الثقافية بالهجينة والغنية، إذ تتشكل ملامح أعماله كما تقول، بالتأثر بجذوره المزدوجة بين لبنان والمغرب، وتمتزج في رسومه بالثقافة الغربية والوعي الأوروبي، ما يمنحه منظوراً مختلفاً ينعكس على أعماله الفنية. يأتي كومبو بصور وأيقونات مألوفة ويعيد صوغها من جديد في سياقات مختلفة، يمزج بين عناصر وصور متباينة، كما يجمع الصور النمطية للشرق المتأثرة بالنظرة الاستشراقية مع الصور والمشاهد الحقيقية التي يألفها. يشكل هذا المزيج البصري الذي يتعامل معه كومبو في النهاية قواماً بصرياً متناغماً على رغم تناقضاته. تعكس هذه الصور مشاعر الشتات، وتستحضر المزيج الثقافي، كما تستكشف على نحو واضح، قضايا إنسانية هامة لها علاقة بالهوية المعاصرة التي تسيطر عليها النزعة الاستهلاكية والمادية المفرطة.

الهوية الهجينة

في هذه الأعمال المعروضة في العاصمة البريطانية يمزج كومبو بين الفكاهة والسخرية وفن البوب، مستمتعاً بهويته الهجينة، وعازفاً على ذلك التناقض والمزيج الثقافيين اللذين يميزانه. في هذه الرسوم نشاهد نصوصاً وكتابات عربية إلى جوار نصوص وكتابات فرنسية، إضافة إلى تأثيرات واضحة لرموز الثقافة الشعبية والقصص النمطية المتداولة بين الشرق والغرب. ويأتي الفنان بصور ومشاهد مستلهمة من الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو في دمج واضح وساخر لملامح الثقافتين الغربية والعربية الشرقية، وفي سياق لا يخلو من التهكم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتناول الفنان هنا الحياة والبيت الشرقيين من منظوره الخاص، وهو موضوع طالما عولج في العديد من أعمال الفنانين الغربيين وفق صورة نمطية أقرب إلى الأسطورة. يرسم كومبو هذه المساحة الحميمة متأملاً الاختلافات بين الصورة المتخيلة والواقعية المعاصرة، ولافتاً في الوقت نفسه إلى تطور العلاقة بين كيانين ثقافيين مُعقدين ومتجاورين.

ولد كومبو عام 1987 في باريس وعمل لفترة مديراً فنياً لبعض وكالات الإعلان الفرنسية بعد تخرجه في المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة (فيلا آرسون) في مدينة نيس. هذا قبل أن يتفرغ للفن لإشباع شغفه الأول في الرسم على الجدران بداية من عام 2012.

المزيد من ثقافة