Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يعني أن يكسر "فلاح" أسود جدار العنصرية في هوليوود؟

سيدني بواتييه الممثل الأسطورة كان في طليعة تحرير السود الأميركيين سينمائياً بموهبته الكبيرة

سيدني بواتييه الذي سحر هوليوود (غيتي)

مَن لا يتذكر الطبيب الأسمر الوسيم الطويل القامة الذي يزور عائلة الفتاة التي يحبها لطلب يدها من أهلها، في الفيلم الطليعي "هل تعلم مَن سيأتي إلى العشاء؟" لستانلي كرايمر؟ حمل هذا الطبيب الثلاثيني المحترم ملامح الممثل سيدني بواتييه، ولكونه رجلاً أسود البشرة يطلب يد فتاة بيضاء من عائلة ميسورة، فكان يواجه واحدة من أقسى التجارب في حياته. الفيلم خرج في العام 1967، في الفترة التي كانت بدأت تتغير فيها أحوال الأفارقة الأميركيين في أميركا، وأصبح من كلاسيكيات هوليوود في ما بعد. هذا فيلم شاهده آباؤنا وقد ورثناه نحن الأجيال التالية منهم، مع كل ما حمله بالنسبة للفئات المسحوقة من معنى وأبعاد، جاءت في اطار من الكوميديا الهادفة. وقد بثّته شاشات التلفزة مراراً وتكراراً كوجبة سينمائية خفيفة تناسب الجميع، ثم دخل معاجم السينما. سيدني بواتييه كان الرابح الأكبر، فقد "نجَّم" من بعده، وبات من الصعب تخيّل الفيلم من دون حضوره الآثر. وفي لحظة رحيله عن 94 عاماً، تبقى صورته في السيارة إلى جانب كاثرين هاوتون، من أول المشاهد التي تجتاح المخيلة، بالرغم من ان الرجل لعب في عشرات الأفلام منذ بداياته في مطلع الخمسينات. 

قبل دنزل واشنطن ومورغان فريمان وويل سميث وغيرهم من الأفارقة الأميركيين الذين غزوا السينما الأميركية والهوليوودية، كان هناك ما يسمى سيدني بواتييه. معلومة يجب تذكيرها للجيل الجديد الذي يجهل الرجل الاسطورة الذي كان من رواد حركة تحرير السود سينمائياً، وأول ممثّل استطاع محاربة التنميط والعنصرية في هوليوود، ولو بسيناريوهات مكتوبة بأياد بيضاء. وهو تاريخياً أول ممثل أسمر نال جائزة "أوسكار" أفضل ممثل عن دوره في "زنابق الحقل" لرالف نيلسون في العام 1964، بالاضافة إلى فوزه بـ"الكرة الذهبية" وجائزة التمثيل في مهرجان برلين. هذا كله قبل أربع سنوات فقط من اغتيال مارتن لوثر كينغ. 

العشاء خطوة المستقبل

صحيح ان "هل تعلم مَن سيأتي إلى العشاء؟" بات الأكثر تعبيراً عن كيان بواتييه، وذلك لرمزيته ولأهميته في إطلاق مسيرته عالمياً، ولمثوله أطول فترة ممكنة في وجدان المشاهدين، إلا أن للرجل مساهمات فنية أخرى كثيرة، وأدواراً مهمة لا يمكن تجاهلها، وهي أدوار لعبها بإتقان شديد في عدد من الأفلام، أبرزها: "المستفزون" (1958) لستانلي كرايمر؛ فيلم مغامرة عن سجينين فارين، أحدهما أسود والآخر أبيض. مشكلتهما انهما مقيدان بعضهما ببعض، الأمر الذي يعني انه يجب عليهما التعاون للنجاة معاً. إلى جانب بواتييه، نجد النجم الكبير توني كرتيس، والفيلم رُشح وقتها لتسع جوائز أوسكار نال منها جائزة التصوير والسيناريو الأصلي. فيلم آخر، هو "بورغي وبيس" (1959)، هذه المرة تحت إدارة المخرج الكبير أوتو بريمينغر، كان مهماً في سيرته. الفيلم من نوع الميوزيكال وهو مقتبس من عمل أوبرالي يعود إلى العام ١٩٣٥، خلق جدلاً كبيراً عند عرضه، واتُهم بتنميط السود والاستحواذ الثقافي على خلفية حب وصداقة، عنف ومخدرات. 

دائماً في لائحة الأفلام المهمة التي مثّل فيها بواتييه، نجد "كروم في الشمس" (1961) لدانيال بتري. تدور الحكاية في الخمسينيات: أبطالها أفراد عائلة أميركية فقيرة من أصول أفريقية تعيش في شقة صغيرة في أحد أحياء جنوب شيكاغو. الأم الأرملة تتلقى ذات يوم شيكاً بقيمة عشرة آلاف دولار، وهو مبلغ التأمين على الحياة الذي كان حصل عليه زوجها، فيبدأ الجميع في رسم خطط لمستقبله: هذا يريد شراء منزل في حي محترم، وذاك يطمح إلى انشاء مشروع لبيع الخمور. أما روث، زوجة ابن الأرملة الذي يلعب دوره بواتييه، فلا تريد سوى أن تتوفر لها فرصة لكسب عيش لائق يتيح لها أن تربي ابنهما بشكل سليم. كيف يمكن أن ننسى أيضاً "إلى الاستاذ، مع حبي" (1967)  وهو واحد من أشهر أفلام بواتييه، الذي يتحدّث عن مشكلة العنصرية في مدرسة داخلية بريطانية. مخرج الفيلم هو جيمس كلافيل الذي اقتبس هنا سيرة ذاتية. مارك ثاكيراي (بواتييه) شاب أسمر البشرة يوافق على التدريس في ثانوية لندنية، تضم مجموعة من المراهقين من البيض المتحدرين من الطبقة الفقيرة، والمنغلقين على كل أشكال الحوار. الكثير من الصدامات تحدث في هذا المكان، بالتزامن مع صعود التعصب ضد السود في فترة الستينيات، لكن في النهاية يلجأ الاستاذ إلى أساليبه الخاصة بعيداً من النظريات الدراسية. يذكر أن بواتييه أعاد تمثيل هذا الدور بعد ثلاثين عاماً في مسلسل تلفزيوني. 

الشرطي الأسود

يبقى "في حرارة الليل" (1967) للمخرج القدير نورمان جيويسون، الذي يُعد من أهم أفلامه، ورفعه إلى مصاف كبار الممثلين من خلال واحد من أهم أدواره. الفيلم نال خمس أوسكارات من بينها أفضل فيلم، وهو يحكي قصّة فيرجيل تيبز، شرطي أسود من شمال الولايات المتحدة يتورط في تحقيق تجري فصوله في منطقة كلّ سكانها من العنصريين. مع هذا العمل الجميل، تكرس بواتييه نهائياً وبات له جمهوره لا في أميركا فحسب، بل في العالم وأصبح الأعلى أجراً في هوليوود لفترة معينة. حقبة الستينيات ابتسمت في وجهه، ومجلة "فرايتي" كتبت عنه في العام 1968 بأنه أفضل ممثّل في ذلك العام من بين السود والبيض مجتمعين. ويقول الناقد السينمائي خليل حنون، بأنه شاهد هذا الفيلم أكثر من ٤ مرات ولا يتردد في مشاهدته كلما سنحت له الفرصة ، فهناك في الفيلم "مبارزة أدائية رائعة بين بواتييه ورود ستايغر الذي فاز يومها بالأوسكارعن دوره فيه". ويتابع قائلاً: "هذا الفيلم شهد لأول مرة على الشاشة رجلاً أسود يصفع رجلاً أبيض، وهذا الأمر كان ممنوعاً في عرف هوليوود. كما كان أول فيلم ملون من بطولة شخصية سوداء، فمديرو التصوير كانوا يجدون صعوبة في إضاءة وجوه الممثّلين السود بالألوان، لكن مع هذا الفيلم اكتشفوا الخلطة الإضائية المناسبة". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يكن بواتييه ممثلاً كسائر الممثلين الباحثين عن الشهرة والاعتراف، بل كان ملتزماً وناشطاً في مجال حقوق الإنسان، لا سيما السود. جسّد "الكرامة والفضيلة" كما يقول عنه باراك أوباما. أصله من الباهاماس، ولكنه خير من جسّد القيم الأميركية التي سادت في مرحلة من المراحل على الشاشة دفاعاً عن العيش بين الأعراق. كثيرون يدينون له ولنضاله ولموهبته ولشعبيته، فهو شرّع الطريق لجيل كامل من الممثلين الأميركيين الأفارقة الذين ذكرنا بعضهم آنفاً. بالنسبة للجيل الذي اكتشفه في الستينات، ظل بواتييه رمزاً لا يخبو. انه الشخص الفخور الذي لا يبلغ الغرور، الطيب الذي لا يغدو ساذجاً، المرهف الذي لا يسقط في فخ البكائيات. وهو أيضاً، قبل أي شيء آخر، قاس بلا قطرة شر في دمه. شخصية نموذجية عرفت السينما كيف توظفها، وعرف السينمائيون الذين عملوا معه كيف يتعاملون مع سحره وحضوره الكاريزماتي، مستغلين الحاجة القصوى إلى ممثّل يعبر عن هموم السود لتحويله نجماً. لم يلعب في تحف سينمائية خالدة، ولكن دخل التاريخ من بابه الواسع. ابن فلاحين، أمي، هاجر إلى بلد الفرص أميركا حيث عمل في بداية حياته في مهن بلا قيمة منها غسل الصحون، فأصبح "رمزاً جنسياً" في فترة لم يكن ممثّل أسود يحلم بتبادل قُبلاً مع ممثّلة بيضاء على الشاشة. أغلب الظن انه لم يكن ليتخيل يومها أن أميركا ستنتخب بعد بضعة عقود، رئيساً أسود (أوباما) سيقلّده وسام الحرية الرئاسي. 

المزيد من سينما