Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المفاوضات النووية مهددة ما لم تتراجع طهران

عقبات كثيرة تنتظر حلولاً لكن الكرة في ملعب الإيرانيين والعواقب مؤلمة

أصرّت طهران علناً في مناسبات عديدة على أنها تريد من واشنطن تقديم ضمان قانوني بأنها لن تنسحب من الاتفاق النووي مرة أخرى (أ ب)

دخلت مفاوضات فيينا حول اتفاق إيران النووي مرحلة حاسمة من شأنها أن تحدد مصير المفاوضات، فبينما ادّعى المسؤولون الإيرانيون أنهم رصدوا واقعية جديدة من نظرائهم الغربيين خلال الجلسة الأخيرة، تدرس واشنطن ما إذا كانت ستواصل دعمها هذه المفاوضات، بخاصة أن إدارة جو بايدن تتعرض لضغوط مضاعفة تدعو إلى تغيير الاستراتيجية الأميركية إذا لم يتغير نهج إيران بإبطاء برنامجها النووي حتى يمكن فتح طريق للمضي قدماً، فما الحدود التي يمكن أن تقبلها إدارة بايدن في هذه المرحلة وما الذي ترفضه؟

تغيير الاستراتيجية

مع استئناف القوى العالمية وإيران المحادثات النووية في فيينا بعد توقف قصير مع بدء العام الجديد، لا يزال المسؤولون الأميركيون، يعبرون في السر والعلن، عن إحباطهم من تكتيكات التفاوض الإيرانية في ظل إدارة الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي، وحذروا مراراً من أن الوقت ينفد للتوصل إلى اتفاق طال انتظاره، ولهذا لم يجدوا بديلاً عن التلميح بإمكانية اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لوقف تقدم إيران النووي عبر تخصيب اليورانيوم.

وعلى الرغم من استياء كبير المفاوضين الروس ميخائيل أوليانوف إزاء ما وصفه بالإلحاح الأميركي، ومحاولته التقليل من خطر إنتاج الإيرانيين كمية كبيرة من المواد النووية، على اعتبار أنهم لا يمتلكون رؤوساً حربية، فإن الواقع الذي لا تستطيع إدارة بايدن أن تغفله، أنها قد تضطر في ظل الضغوط الداخلية المتصاعدة، أن تغير استراتيجيتها، وتظهر مواقف أكثر حزماً مع إيران إذا لم تغير موقفها التفاوضي، وإذا لم يبطئ الإيرانيون من تقدمهم النووي، وسرعوا من الجهود الدبلوماسية الجادة، وهو ما يؤكده هنري روما، نائب رئيس قسم الأبحاث في مجموعة "أوراسيا"، الذي يشير إلى أن المحرك الحقيقي الآن هو ما يفعله الإيرانيون وما لا يفعلونه، وإذا لم يتغير موقفهم، فلن يكون هناك طريق للمضي قدماً.

توقعات منخفضة

وفي حين يتحدث مسؤولون مقربون من المحادثات أن نافذة التفاوض لإحياء اتفاق 2015 الذي انسحبت منه إدارة دونالد ترمب عام 2018، قد تغلق بنهاية شهر يناير (كانون الثاني) أو بداية فبراير (شباط)، تظل التوقعات بحدوث انفراج قريب منخفضة إلى حد بعيد، لأن الهوة بين السيناريو المفضل لكل طرف، والسيناريو الأكثر ترجيحاً ضخمة وواسعة.

وما يعزز هذا التوقع ما يقوله دبلوماسيون غربيون من أنهم ما زالوا غير متأكدين تماماً عما إذا كانت إيران مهتمة حقاً بالتفاوض للعودة إلى الاتفاق أم أنها تشتري الوقت من أجل تطوير برنامجها النووي، بخاصة أنها عبرت عن عدم وثوقها في التزامات الولايات المتحدة بعد انسحاب الرئيس الأميركي السابق من الاتفاق، وفي ظل ضبابية إعادة انتخاب بايدن لدورة ثانية كرئيس للولايات المتحدة وتزايد فرص ترشح دونالد ترمب للانتخابات الرئاسية لعام 2024.

خطر الحسابات الخاطئة

ولا يخفى أن إدارة بايدن ناقشت في أوائل الشهر الماضي البدائل المتاحة إذا كان الطريق إلى الدبلوماسية للعودة المتبادلة إلى الامتثال للاتفاق النووي غير قابل للتطبيق على المدى القريب، وجرت هذه النقاشات بينما كان وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس يزور واشنطن لاقتراح إجراء مناورات عسكرية مشتركة للتحضير لهجمات محتملة على المنشآت النووية الإيرانية، ما فسره البعض بأن مناقشات من هذا النوع تعني أن الصفقة باتت بعيدة المنال.

ويحذر متخصصون في مجموعة الأزمات الدولية من خطر حدوث حسابات خاطئة خطيرة من كلا الجانبين، لا سيما مع صعوبة إبداء الغرب المرونة التي تطالب بها إيران، وفي ظل وصول البرنامج النووي الإيراني إلى نقطة اللاعودة، ولهذا فإن تراجع إيران عن الاتفاق وشروعها في تسريع برنامجها النووي، من المؤكد أنه سينهي في غضون أيام على أية فرصة دبلوماسية، وستتحول الولايات المتحدة إلى الدبلوماسية القسرية، مع إعادة فرض الدول الغربية عقوبات الأمم المتحدة، وقد يطُل بعد فترة وجيزة، شبح الحرب.

وفي الأسابيع الأخيرة، تلقى الدبلوماسيون الأوروبيون تعليمات من عواصمهم للاستعداد، في حال انهيار المحادثات، لاحتمال إعادة فرض عقوبات على إيران بموجب ما يسمى بند "سناب باك" المنصوص عليه في الاتفاق النووي لعام 2015 بين الأطراف الموقعة، والذي يسمح بإعادة فرض مجموعة واسعة من عقوبات الأمم المتحدة إذا رأت الأطراف الأخرى أن إيران تنتهك الاتفاقية.

ضغوط متصاعدة

وفي الوقت الذي قدمت فيه إدارة بايدن إشارات مشجعة بتخفيف الضغط على طهران لجذبها نحو وقف تخصيب اليورانيوم والعودة للامتثال للاتفاق النووي، المعروف أيضاً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، فإنها الآن تتعرض لانتقادات واسعة من اليمينيين والمحافظين، بل، ومن بعض الديمقراطيين المعتدلين مع اقتراب المحادثات من الفشل، بخاصة أن التحركات الإيرانية الأكثر عدوانية جاءت بعد انتخاب جو بايدن، وليس خلال حملة الضغط الأقصى التي شنّها ترمب.

ويقول أنتوني روجيرو، المدير السابق لمكافحة الانتشار النووي في مجلس الأمن القومي الأميركي خلال إدارة ترمب، إن بايدن شجع مسيرة طهران نحو إنتاج قنبلة نووية من خلال رفضه فرض أي عقوبات على النظام الإيراني بسبب استفزازاته، وأن هناك خمس حالات رئيسة تمسك فيها بايدن باستراتيجية المشاركة فقط، على الرغم من التقدم النووي الإيراني وفقاً لما نشره موقع "فورين بوليسي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتتمثل أولى هذه الحالات في بدء إيران إنتاج اليورانيوم وتخصيبه إلى درجة نقاء 60 في المئة في أبريل (نيسان) الماضي في أعلى مستوى له على الإطلاق وبمسافة قصيرة تصل إلى 90 في المئة من النقاء اللازم لصنع الأسلحة النووية، بينما ظهرت الحالة الثانية في عرقلة طهران تحقيق الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أنشطة إيران النووية غير المعلنة في مواقع نووية مشبوهة عدة، وفي الحالة الثالثة، خفضت إيران تعاونها مع الوكالة في المواقع النووية المعلنة اعتباراً من فبراير، الأمر الذي منع الوكالة من مراجعة بيانات معدات المراقبة.

أما الحالة الرابعة فقد زادت فيها طهران أجهزة الطرد المركزي المتقدمة منذ أغسطس (آب)، ولم تسمح للوكالة بالتحقق من موقع هذه المعدات، في حين أنه في الحالة الخامسة، سمحت إدارة بايدن لمجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن يختتم اجتماعاته من دون صدور قرار يحمل إيران مسؤولية انتهاكاتها.

عقبات وحلول

ولهذا ستحد هذه الضغوط من إمكانية تساهل إدارة بايدن مع المطالب الإيرانية، سواء أكان ذلك يتعلق بحصولها على تعويضات عن الضرر الذي لحق بها جراء العقوبات الأميركية عليها، أو تقديم ضمانات بعدم انسحاب أي رئيس قادم في البيت الأبيض من الاتفاق، ومع ذلك، فإن ما يصعب التوصل لاتفاق ليس فقط الضغوط الداخلية على إدارة بايدن، وإنما أيضاً استمرار وجود عديد من النقاط الشائكة الرئيسة حول عمليات تخصيب اليورانيوم التي تحتاج إلى حلول قد يمكن التوصل إليها، وقد تستعصي على الحل.

وعلى سبيل المثال، تتمثل إحدى طرق التخلص من فائض المواد النووية الإيرانية، في شحنها إلى روسيا، وهو أمر قد يستغرق وقتاً، ولكنه ممكن عملياً، غير أن الأمر الأكثر صعوبة، والذي لم يتم الاتفاق عليه بعد، هو كيفية التعامل مع عديد من أجهزة الطرد المركزي الإيرانية المتقدمة، والتي تدور بسرعة كبيرة لتخصيب اليورانيوم، إذ وصلت إيران إلى 60 في المئة، وهي نسبة قريبة من مستوى صنع الأسلحة البالغ 90 في المئة.

وبموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، سمح لإيران في اتفاق 2015 بتخصيب اليورانيوم إلى 3.67 في المئة فقط بعدد محدود من أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول في محطة "نطنز"، ومع ذلك، قامت إيران بتركيب المئات من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة الأكثر كفاءة وقوة في كل من مواقعها الرئيسة في "فوردو" و"نطنز".

وبينما يشير دبلوماسيون غربيون إلى أن البعض يرغب في أن تدمر إيران أجهزتها الطاردة المركزية المتطورة، فإن إيران تفضل تخزينها بعيداً، بينما يطرح آخرون حلولاً وسطاً كالتخلص من البنية التحتية، مثل الكابلات والمنشآت الإلكترونية الأخرى اللازمة لتشغيل أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، ما يجعل إعادة تثبيت هذه البنية التحتية مرة أخرى، يستغرق أشهراً عدة، الأمر الذي يساعد في إطالة الوقت الذي يتيح لإيران تخصيب اليورانيوم بمعدلات مرتفعة.

دور وكالة الطاقة

ويتمثل أحد الجوانب الرئيسة في المفاوضات بدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، والتي ستكلف التحقق عما إذا كانت إيران تمتثل بالتزاماتها النووية، إذ يقوم مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارات منتظمة لمنشآت إيران النووية على الرغم من تقييد دخولهم بشدة من قبل طهران في الأشهر الأخيرة، ولهذا سيتعين على إيران السماح بإعادة الوصول الكامل للمفتشين للموافقة على أي اتفاق، كما يستوجب الاتفاق تزويد إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بطاقات ذاكرة الكاميرات المثبتة داخل المنشآت النووية، والتي تحجبها طهران حالياً.

التحقق من إزالة العقوبات

وبينما تضطلع وكالة الطاقة الذرية بعمليات التحقق من الجانب النووي للاتفاق، فإنه لا يوجد كيان مناظر للتحقق من إزالة العقوبات، وهو ما يتعين على المفاوضين الاتفاق عليه نظراً لأنه يمثل حجر عثرة يقتضي حلها بسرعة.

ويتمثل أحد الخيارات المطروحة من الدول الغربية، في أن يصدر مكتب الولايات المتحدة لمراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، إرشادات حول كيفية التعامل مع إيران، ونشر إلغاء الأوامر التنفيذية المتعلقة بالعقوبات، بينما يمكن توفير أداة أخرى تتمثل في السماح بإبرام إيران العقود على صادرات النفط أو فتح حسابات مصرفية أجنبية، وفي حال الاتفاق قد تتخذ واشنطن خطوة أولى ذات مغزى، برفع بعض العقوبات قبل أن تتخذ طهران إجراءات لخفض برنامجها النووي، وفقاً لتصريحات أحد كبار الدبلوماسيين الغربيين نقلها موقع "بوليتيكو" الأميركي.

الضمانات

وأصرّت طهران علناً في مناسبات عديدة على أنها تريد من واشنطن تقديم ضمان قانوني بأن الولايات المتحدة لن تنسحب من الاتفاق مرة أخرى، لكن الرئيس الأميركي جو بايدن لن يكون قادراً على تقديم مثل هذا الضمان القانوني، بخاصة أن بايدن يكافح مع كونغرس منقسم بشدة، حتى إن بعض الديمقراطيين يشككون في إمكانية نجاح الدبلوماسية مع إيران.

ومع ذلك، قد تكون هناك طرق أخرى، مثل السماح باستمرار العقود التجارية والنفطية لبعض الوقت حتى في حال إعادة فرض العقوبات نظرياً من قبل أي إدارة أميركية مستقبلية، كما يمكن لإدارة بايدن أن تقدم تعهداً سياسياً، بأنها ستلتزم بالاتفاق خلال سنوات الإدارة الثلاث المتبقية في الحكم، وهو ما يعد مهماً للشركات التي ترغب في التعامل مع إيران لأنها بحاجة إلى ثقة كافية بشأن نيات واشنطن.

ولكن في النهاية، تظل الكرة في ملعب الإيرانيين الذين سيتضررون وحدهم من عواقب اقتصادية أكثر إيلاماً، فضلاً عن عواقب أخرى محتملة، إذا لم يتراجعوا عن تخصيب اليورانيوم ويعودوا إلى الاتفاق.

المزيد من تحلیل