Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أي المسارات ستسلكها العلاقات المصرية الأميركية في 2022؟

لا تزال ورقة المساعدات العسكرية قائمة وقوية والقاهرة يمكنها إعادة ترتيب الأولويات

وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن (إلى اليمين) ونظيره المصري سامح شكري في وزارة الخارجية في واشنطن (رويترز)

مع رفض القاهرة الانتقادات التي وجهتها إليها الولايات المتحدة بسبب حكم قضائي بسجن ثلاثة من النشطاء البارزين، وتشديد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية على عدم جواز تناول مثل تلك المسائل القضائية في أي أطر سياسية، أو ربطها بمسار العلاقات بين البلدين، تثار تساؤلات عدة حول ما سيلي ذلك من خطوات تتعلق بمسارات واتجاهات العلاقات المصرية الأميركية في الفترة المقبلة، بخاصة مع توقعات بأن العام الجديد قد يكون مفصلياً في تحسين أو توتر العلاقات بين القاهرة وواشنطن.

تطورات مهمة

ويمكن القول إن نظرة الإدارة الأميركية لمصر نظرة "محدودة وليست شاملة"، ومن منظور ضيق، وليس من منظور متسع يمكن أن يضع العلاقات بين البلدين في دائرة واسعة من الخيارات، وعلى الرغم من استمرار الشراكة المصرية الأميركية في إطارها العام، فإن "مناكفات" العلاقات لا تزال مستمرة، وقد تستمر في المرحلة المقبلة.

وتركز الإدارة الأميركية على ملف حقوق الإنسان والحريات ومفاهيم الديمقراطية  والليبرالية من المنظور الأميركي،  وهو ما دفع الإدارة إلى استمرار تعليق مبلغ 130 مليون دولار من المعونة العسكرية، وربطها بتحقيق تقدم في ملف حقوق الإنسان، ومطالبة الإدارة الأميركية بواشنطن بإسقاط مصر المحاكمات والتهم الموجهة ضد بعض النشطاء، ومنظمات حقوق الإنسان، الأمر الذي يشير إلى أن الإدارة مستمرة في نهجها ولن تتراجع عنه، في ظل التصميم على حسم هذا الملف، وبعد صدور الأحكام القضائية في حق بعض النشطاء أخيراً، فإن الأمر مرشح لمزيد من التوتر المكبوت بين الجانبين.

ومن اللافت أن هناك بعض المنظمات الحقوقية التي تلعب دوراً بارزاً في توتير العلاقات بين القاهرة وواشنطن، بخاصة ما يتعلق بتعاونها مع فروع التنظيم الدولي لـ"الإخوان المسلمين" في أنحاء الدول الأوروبية كافة لتوسيع نشاط الجماعة دولياً، أو دعم حكم "الإخوان" في العالم العربي، أو تمويل عدد من الأنشطة التابعة لجماعة "الإخوان" داخل أميركا أو أوروبا وبعض الدول العربية.

مواقف سابقة

وتتذكر الإدارة الراهنة أن الإدارة الأميركية السابقة نجحت في "الضغط على مصر"، وتم الإفراج عن بعض الأسماء، بل، واستقبل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إحدى الناشطات السياسيات، والمعنى المقصود هو، أن إدارة جو بايدن قد تريد تكرار الأمر من منظورها، على الرغم من حرص القاهرة على عدم إظهار هذا الأمر في سياقه السياسي بخاصة أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن عادية.

لكن يظل المرتكز الرئيس للإدارة الأميركية تجاه مصر في البعد الحقوقي والحريات، وهو أمر تتحفظ على تبعاته القاهرة، وتتعامل معه برؤية أكثر شمولاً وانتقاداً، وهو ما يعني أن نقاط الخلاف بين واشنطن والقاهرة قد تتزايد في ظل تأكيدات الإدارة الأميركية أن العلاقات مع القاهرة ستتحسن وتتعزز من خلال تحسين ملف حقوق الإنسان، ومواصلة الحديث مع الحكومة المصرية حول قضايا حقوق الإنسان العالمية، وحرية التعبير، الأمر الذي سيضع مسار العلاقات في نطاق محدد.

تيارات معادية

لا شك أن هناك تياراً موجوداً ومهماً في الكونغرس يرى ضرورة إعادة بناء العلاقات المصرية الأميركية على أسس جديدة، وأن على القاهرة استيفاء شروط الشراكة، مع التحفظ على ما تقوم به مصر في تطوير علاقاتها العسكرية مع روسيا ومسعاها لتحديث قدرات الجيش المصري،  واستمرار إجرائها التدريبات والمناورات بصورة واضحة، وهو ما لا يلقى قبولاً من تيار نافذ في الكونغرس بل وأيضاً من "أيباك"، كبرى المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، التي تتخوف من تبعات ما يجري، وهو ما تضعه القاهرة في تقديراتها، بخاصة أن هناك مخاوف من إعادة النظر في بقاء القوات المتعددة الجنسيات في مواقعها بعد تطوير وتعديل بنود معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، وعودة الحديث عن ضرورة رحيل القوات المتعددة الجنسيات ما دام السلام مستقراً بين القاهرة وتل أبيب، وبالتالي، فإن الإشكالية الأميركية الراهنة تجاه مصر قد تتمحور في إطار واحد هدفه استمرار "التحفظات" على علاقات القاهرة بروسيا وفرنسا وألمانيا والصين، إذ تنوع الاعتماد على السلاح غير الأميركي يزعج الإدارة الأميركية ويدفعها إلى طرح قضايا أخرى مؤثرة في نمط العلاقات مع القاهرة، ومن المتوقع، وفي حال تصعيد القاهرة خطابها الإعلامي والسياسي أن تقدم الإدارة الأميركية على إجراءات أخرى متعلقة بالمعونات العسكرية، وهي ورقة مهمة بالنسبة إلى الجانب المصري، وستكون لها تداعياتها.

تيار داعم

في المقابل لدى مصر تأييد كبير وحقيقي في بعض الدوائر السياسية وتحديداً في بعض لجان مجلس الشيوخ وفي دوائر وزارة الدفاع والاستخبارات المركزية وغيرها، والتي ترى أن مصر دولة مهمة لأمن الإقليم، وأنها تحتل مساحة كبيرة في الاستراتيجية الأميركية باعتبارها دولة مستقرة، ولعل هذا التيار الكبير هو من فرض بنود الشراكة الأميركية المصرية طوال السنوات الأخيرة، وهو من يسعى لاستمرار العلاقات في منظومتها السياسية والاستراتيجية، وهو ما برز في الحرص على إجراء التدريبات السنوية في مناورات "النجم الساطع"، وإجراء المناورات البحرية بين البلدين، كما تزايدت الاتصالات المصرية الأميركية في هذا السياق، وزارت القاهرة وفود أمنية واستراتيجية واستخباراتية، في إشارة إلى أن العلاقات بين القاهرة وواشنطن لا تتوقف عن اتصالات عليا، بل تمضي في مسارات أخرى متعددة، وهذه الجهات الاستراتيجية ستحد من أية خلافات حقيقية مع القاهرة، والتي من الواضح أنها لم تسعَ فعلياً لاختراق مواقف القوى الرافضة لمصر في دوائر الكونغرس أو العمل على إحداث اختراقات في العلاقات مع الإدارة الأميركية، وهو ما يحتاج إلى جهد كبير وإعادة ترتيب الخيارات والسياسات المصرية في الكونغرس، وتحديداً مع التسليم بأن المعطيات الراهنة للحالة المصرية في بعض الدوائر يمكن أن تتغير، ويمكن التفاعل مع ما يجري بالفعل بل وتطويعه، بخاصة أن الحوار الاستراتيجي الذي تم بين مصر والولايات المتحدة في واشنطن أثبت أن مساحة التوافق أكبر بكثير من مساحة الاختلاف، وأن ما يجري في إطار، يمكن القول عليه إنه "مناكفة" السياسات المصرية، مرتبط بمسار دولي عام لا يقتصر على مصر، على الرغم من شراكتها مع الولايات المتحدة التي تعمقت منذ سنوات طويلة، وبالتالي، فإن الخلاف الراهن بين البلدين يجب أن يوضع في سياقه العام، فالشخصيات التي صدرت في حقها أحكام هي من المواطنين المصريين، وليست شخصيات حائزة الجنسية الأميركية مثلما كان الأمر في حالات سابقة تدخلت فيها الإدارة الأميركية، وتمت الاستجابة لبعض مطالبها السياسية والقضائية، ومن ثم، فإن الرهانات الأميركية هي العمل مع مصر على الرغم من كل ما يثار.

توافق ظاهر

في المقابل، فقد وقعت مصر أخيراً اتفاقية مع شركة "أباتشي" الأميركية تلتزم بموجبها إنفاق 3.5 مليار دولار كحد أدنى على أعمال البحث والاستكشاف والتنمية والإنتاج في مناطق الامتياز بالصحراء الغربية في مصر، وجاءت الاتفاقية الموقعة في إطار جهود التطوير والتحديث المشتركة بين الجانبين من خلال دمج مناطق امتياز شركتي "خالدة" و"قارون" للبترول القائمتين بالعمليات نيابة عن هيئة البترول المصرية،  وشركة "أباتشي" بما يسهم في رفع الكفاءة، والاستثمار الأمثل للقدرات وتحقيق التميز في ظل المتغيرات الحالية، كما أن السفير المصري لدى الولايات المتحدة معتز زهران كتب مقالاً بصحيفة "ذا هل"، بمناسبة مرور 100 عام على تدشين العلاقات الدبلوماسية المصرية الأميركية، احتفى فيه بنقاط القوة في العلاقات بين البلدين، ودعا إلى تطوير الشراكة القوية بينهما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهو ما نوّه به أيضاً جوناثان كوهين السفير الأميركي بالقاهرة من أن بلاده تقدم كل أشكال الدعم لمصر لتحفيز التجارة والاستثمار، والالتزام بتوسيع نطاق العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة ومصر، وأن الولايات المتحدة تهدف من خلال مشروع تطوير التجارة والتنمية في مصر إلى مساعدة الشركات المصرية الصغيرة والمتوسطة على زيادة الصادرات بمقدار 225 مليون دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة من خلال دعم الكيانات التجارية وتبسيط الإجراءات الجمركية، وجاء ذلك على هامش توقيع مذكرة تفاهم بين مشروع تطوير التجارة والتنمية في مصر والممول من وكالة التنمية الأميركية، وغرفة التجارة الأميركية بالقاهرة. والرسالة واضحة في استمرار التواصل الثنائي.

تعزيز الدور

لهذا يمكن القول إنه في إطار هذا الأمر، تستطيع القاهرة تعزيز حضورها السياسي والاستراتيجي لدى الإدارة الأميركية ليس في البعد الثنائي فقط،  وإنما أيضاً في الملف الإقليمي، وتحديداً في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، وهناك تصور مهم يجب الإشارة إليه، أنه كلما تحسنت العلاقات المصرية الإسرائيلية، وشهدت زخماً كبيراً في مستوى اللقاءات والاتصالات، انعكس ذلك على طبيعة العلاقات المصرية الأميركية، وانتقالها إلى مستوى آخر من العلاقات بين الجانبين، وهو ما يؤكد أن للقاهرة دوراً كبيراً في الإقليم، وفي أكثر صراعات المنطقة تعقيداً، وأن تجاوز دورها لا يمكن أن يحدث، بخاصة أن تجدد الصراع في غزة وارد، ومن الممكن أن يحدث في أي فترة، وبالتالي، فإن الصدام بين حركة "حماس" وإسرائيل قد يؤدي إلى دور للقاهرة لا يمكن للإدارة الأميركية تجاوزه، أو إقصاؤه بل سيؤدي إلى مزيد من التفاعل المصري مع ما يجري من تطورات حقيقية.

وفي الوقت ذاته، لا تريد القاهرة أن تبقى أسيرة ملف الصراع العربي الإسرائيلي، بل تسعى لتوسيع نطاق تحالفاتها مع الإدارة الأميركية، وهي تظهر كذلك إمكانية أن يكون لها دور في قضايا أخرى منها الملف الليبي وأمن شرق المتوسط وفي سوريا، وهو ما قد يدفعها إلى بذل مزيد من الخطوات في هذا السياق خصوصاً أن القاهرة تتحرك بدافع عربي وإقليمي، ويمكنها الرهان على دعم روسي فرنسي كبير يمكن أن يساند القاهرة في مسارات تحركها السياسي والاستراتيجي في الفترة المقبلة.

الخلاصات الأخيرة

قد يبدو أن مسار التباينات قائم وممتد، وربما يتطور، بخاصة في ظل إدارة أميركية لا تزال ترى أن قضايا حقوق الإنسان والحريات منطلق رئيس يجب أن يتم ويتوافق بشأنه بما في ذلك الحلفاء، وفي إشارة مهمة بأن الضغط الأميركي قد يتواصل ويستمر في الفترة المقبلة، كما لا تزال ترى في ورقة المساعدات العسكرية وسيلة ضغط فاعلة ومهمة، وذلك على الرغم من أنه من واقع تجارب سابقة لا يمكن تجميد بنود الشراكة العسكرية بالمعنى العام خصوصاً مع وجود تيار داعم لمصر في دوائر البنتاغون والاستخبارات المركزية.

المزيد من تحلیل