Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

علي عبد الله صالح (11)... استقالة الأرياني وإلغاء المعاهد العلمية

"أنا لا أتبرع بأي رأي إن لم يُطلب مني حتى لا يجري تأويل الأمر على غير مبتغاه"

استمرار "المعاهد العلمية" كان مرهوناً بحاجة "صالح" للدعم السياسي الذي يقدمه "الإصلاح" (رويترز)

ظل الدكتور عبدالكريم الأرياني مصراً على ترك المنصب الذي قبله سابقا ليجنب "صالح" الحرج الذي تسببت به استقالة "فرج بن غانم". في تلك المرحلة كان الجيل الشاب من أسرة صالح المباشرة واقاربه، قد بدأ بلعب دوراً أكثر أهمية في الحياة العامة، وأصبح تـأثيره متصاعداً في صناعة القرار، ويمارس نفوذاً متزايداً بحكم المواقع التي تولوها في الجهازين العسكري والأمني والجهاز الاداري. لم تكن هذه المجموعة بحكم الفارق الطبيعي في التكوين الثقافي والعمري، مرتاحة للتأثير الذي يمارسه الأرياني وما يمكن أن نطلق عليه (الحرس القديم)، وكذلك ظهور رغبتهم في بدء عملية إحلال للمجموعة المحيطة بصالح بأفراد قريبين منهم، وهو ما صار الأرياني يشعر به فحاول الابتعاد بنفسه عن ذلك المناخ الجديد اذ كان يرى نفسه غريباً على الأوضاع التي طرأت علـي محيط الرئيس.

 في نهاية 2000 بدأت حملة إعلامية منظمة في صحيفة يموّلها أحد أقارب "الرئيس" ضد الأرياني الذي أدرك أنها تستهدف إجباره علـى الاستقالة او ان تهيأ لإقالته، لكنه بحكم تكوينه السياسي والثقافي لم يرغب في الدخول في صراع مفتوح مع صالح، ورداً عليها قال ساخراً انها (مكافأة نهاية الخدمة)، ولإيجاد مخرج آمن اطلق عبارته الشهيرة (رحم الله امرأ عرف قدر عمره) في تلميح الى انه قرر ان وقت الانصراف عن الوظيفة العامة صار واجب النفاذ، بعد ان بلغه من اصدقاء أن صالح اما انه يقف وراء الحملة عليه، أو علـى الأقل غير معترض عليها.

 كان الأرياني يقول صادقاً، انه يرغب في قضاء بقية عمره بعيداً عن العمل اليومي والصراعات السياسية المستدامة، لكنه ظل قريباً من صالح سياسياً لسنوات تالية كمستشار سياسي له، رافضاً القيام بـأي عمل تنفيذي. كان الأرياني يعبر في مجلسه الخاص عن انتقادات لاذعة لأسلوب إدارة الدولة وكيف ان الوافدين الجدد من "مجموعة الشباب" القريبة من "احمد علي" صارت أكثر تأثيراً في كل القرارات. كنت واحداً من مجموعة صغيرة نلتقي "الأرياني" غالباً كل مساء نتناقش في قضايا يمنية واحداث المنطقة والعالم، وكان يثق بنا حد التعبير عن أرائه وافكاره دون قيود. قال يوماً حين سألته لماذا لا يحاول اقناع صالح في اتخاذ إجراءات معينة لتصحيح الأوضاع، فرد بحزن (انا لا اتبرع بأي رأي ان لم يُطلب مني حتى لا يتم تأويل الأمر على غير مبتغاه. وإذا ابديته مضطراً مرة فلا أكرره حتـى لا يُفسر بـأنه رغبة شخصية). بقي الأرياني أميناً عاماً للمؤتمر الشعبي العام لفترة قصيرة بعد ذلك، وجاء عبدالقادر باجمال خلفا له في الحكومة شهر إبريل (نيسان) 2001، وبعدها أميناً عاماً للمؤتمر.

الغاء المعاهد العلمية

كان التوقيع على معاهدة جدة في 12 يونيو (حزيران) 2000، إيذاناً ببدء مرحلة مختلفة في مسار حكم "صالح"، فقد ازالت أخطر عقبة ظلت تهدد مسار العلاقات بين اليمن والسعودية، وكان يرى فيها مصدر قلق لحكمه الطويل. كانت قضية الحدود ساحة لم يجرؤ أي رئيس يمني قبله على الاقتراب منها مباشرة أو التعاطي معها بجدية، ومنحه التوقيع علـى "المعاهدة" شعوراً بالحرية في التعامل مع القوى السياسية في الداخل، وخصوصاً تلك التي كانت تظن لفترة طويلة انها وحدها بوابة العلاقات مع الرياض، كما انه أحس بقدرة على التعامل من موقع اقوى مع كبار رجالات القبائل وحزب الإصلاح، خصوصا ان المملكة صارت تريد دعم حكمه وتحسين مستوى التعاون معه في المجال الأمني، فخف كثيرا أسلوب الرياض السابق في التعامل مع الافراد، وصارت العلاقات مباشرة بين "الرئيس" والأمير" لحل العديد من الخلافات التي كانت تنشأ على الحدود وتحديداً ما يخص تهريب السلاح والمخدرات.

مثلت "المعاهد" لعقود طويلة حجر الزاوية في انتشار حزب الإصلاح خصوصا في الارياف منذ تأسيسها بدايات السبعينيات، وكانت موازنتها التشغيلية مستقلة عن وزارة التربية والتعليم وبإشراف مباشر من عناصر مرتبطة بقيادات "الإصلاح"، ولم تكن مناهجها وادارتها خاضعة لأي إشراف حكومي. في الوقت نفسه بدأت العواصم الغربية تتحدث عن شكوكها حول مخرجات "المعاهد"، وتعالت الاصوات في الداخل مطالبة بإنهاء الازدواجية في مناهج التعليم واهمية ضمان عدم خروجها عن سيطرة الحكومة.

على هذه الخلفية كان اختيار "باجمال" المعروف بجرأته إيذاناً بقرب فتح ملف "المعاهد"، إضافة الى انه لم يكن يمثل ثقلاً سياسياً حقيقياً جنوباً وشمالاً، ومثل ذلك مرحلة جديدة في انتقاء قيادات جديدة ليس لها ثقل شعبي ولا سياسي ولا ارث تاريخي كي يصبح ولاءهم المطلق لصالح ولمجموعة الشباب.

جرت المحاولة الأولى لدمج "المعاهد" بوزارة التربية والتعليم في العام  1992 داخل مجلس النواب، لكنها واجهت معارضة شديدة من حزب الإصلاح الذي حرّك أنصاره في الشارع، وفضّل صالح عدم الدخول في مواجهة صريحة معهم لبدء ملامح الخلاف بينه وبين الحزب الاشتراكي التي اتضحت في انتخابات ابريل 1993 ثم حرب صيف 1994. رغم الفشل الذي واجهته هذه المحاولة، وكذا تراجعها في قائمة الملفات، الا ان الامر ظل قضية يتم الاعداد لها لإعادة رسم علاقة "صالح" مع "الإصلاح" الذي ظلت قيادته أسيرة لابتزازه ومساوماته.

كانت "المعاهد" والمدارس الحكومية تسير تعليمياً في مسارين أسسا لمجتمعين متوازيين ينظر كل واحد منهما للآخر بريبة وقلق، وظل "صالح" ينتظر التوقيت المناسب لاتخاذ القرار رغم كل المحاولات التي بذلها "الإصلاح" جماعياً، وعبر عدد من قياداته عن قرب القطيعة مع الحكم وبذلوا جهودا مضنية في معارضة ومحاولة عرقلة اتخاذ القرار ثم تنفيذه. في رسالة لصالح وصف أحد كبار قادة حزب الإصلاح المرحوم القاضي يحي الفسيل ان قرار الدمج هو (فتنة مخربين، ومداهمة شيوعيين، ومؤامرة علمانيين، ومسعى لإدخال الشقاق والخلاف والفتنة بينه وبينهم)، وحاول استمالته فقال له (إنا نحبك ومعك وفي ولائك، فنرجوك ألا تسمع لمن يريد أن يوحشك علينا أو يوحشنا منك.. إن لزومنا لطاعتك لا يمنعنا من الجد في مطالبتنا، والغضب لمن يريد أن يخون الأمة في معاهدها، أو يخدع الشعب عن تثقيف أبنائه بالثقافة السليمة).

استمرار "المعاهد العلمية" كان مرهوناً بحاجة "صالح" للدعم السياسي الذي يقدمه "الإصلاح" من بدايات وخلال سنوات حكمه، فوقفوا الى جانبه في معاركه ضد خصومه بالداخل، وخاضوا معه الحرب ضد "الجبهة الوطنية" التي أعلنت التمرد في "المناطق الوسطى"، وكان ممولها النظام في اليمن الجنوبي، ثم ساندوه في حروبه ضد الجنوب في 1979 وضد الحزب الاشتراكي في 1994 لكن الامر اختلف حين انتفت حاجة صالح لدعمهم، واقتناعه بخطورة بقاء "المعاهد" بعيدة عن السيطرة والرقابة والاشراف الحكومي، فقرر حين اقتنع بقدرته علـى الحكم منفرداً ان يتخذ الخطوة التي قدّر الكثيرون انها تأخرت كثيرا لتوحيد التعليم، لأن "المعاهد" كانت في نظرهم موردا مستداما لتخريج كوادر ترتبط بحزب الإصلاح وكتلة انتخابية متماسكة احادية التوجه، وأنها كانت تدرس ثقافة متشددة إلى حد استخدام السلاح ضد مخالفيها.

كانت "المعاهد" دوما مدخلاً اتخذ منه "صالح" ورقة لابتزاز "الإصلاح"، فبدأت وسائل اعلام "المؤتمر" بالحديث عن ان المعاهد تعمل على نشر (أيديولوجية متطرفة)، وان (الفوائد المالية التي يجنونها من احتكار هذا القطاع تصب لمصلحة حزب الإصلاح)، وكان المعارضون للمعاهد العلمية يركزون على خطورة وجود تعليم مواز تموله الدولة ولا يخضع لرقابة وزارة التربية والتعليم، ويتم توجيه خريجيها الى كليات التربية التي فتحت أبوابها لهم بمعدلات متدنية، لضمان السيطرة على مخرجات التعليم في كافة مراحله.

في بيانه الحكومي الى مجلس النواب المقدم لنيل الثقة صرح عبدالقادر باجمال أن الحكومة تنوي السير في قرار (توحيد التعليم منهجاً وإدارة وتطبيقاً وإنهاء حالة الازدواجية والثنائية)، وكان إعلانا صريحاً بأن صالح سيدخل في مواجهة مع حزب الإصلاح، وهو ما دفع رئيس مجلس النواب رئيس حزب الاصلاح الشيخ عبدالله الأحمر الى التغيّب عن حضور الجلسة وبرّر ذلك في رسالة خطية بأن البيان الحكومي سيناقش قضية (إلغاء المعاهد العلمية، المؤسسة التعليمية) التي وصفها بـ(الناجحة)، والتي كان قال انها (من منجزات الثورة والجمهورية التي لا يجوز المساس بها). هكذا حسم صالح قضية ظلت تشغل الكثيرين في الداخل والخارج، وتثير قلقهم واتخذ واحداً من اهم قراراته السياسية، لكنه في الوقت نفسه فتح باباً واسعاً لصراع قادم مع حزب الإصلاح، وزاد من شكوك "الشيخ الأحمر" حول نوايا صالح.

لقد اثبتت معركة "المعاهد" قدرة صالح على المناورة وابقاء قيادات الإصلاح معلقة بين اليأس والرجاء، كما تمكن من اظهارها متأرجحة بين الانتهازية السياسية والعمل الدعوي، وهو ما سهّل له استغلاله في التعامل الفردي مع عدد منهم في كل المراحل التاريخية التي مرت بها تحالفاتهم، وكان يغدق على بعضهم وابنائهم بالهبات المالية والنفطية والعقود المباشرة للمشاريع الحكومية ومنحهم الكثير من الأراضي الحكومية، بل والرتب العسكرية.

قال صالح يوماً في مقابلة مذاعة ان "الإصلاح" كان مجرد (كرت) يستخدمه حين يريد، وهي لعبة اتقنها وحذقها لفترة طويلة في التحالفات السياسية التي كان ينسجها ويؤسسها على المصالح الذاتية الصرفة وان تم تغليفها بالشعارات الكبرى.

(وللحديث بقية).

المزيد من آراء