Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الياباني شوجي تيراياما يرمي الكتب وينزل إلى الشارع غاضبا

السينما إذ واكبت انتفاضات شبيبة سنوات الستين آتية من البعيد

مشهد من "لنرم الكتب..." (موقع الفيلم)

لو سألت حتى البعض من أشد هواة السينما عما يبقى في ذاكرتهم اليوم من أسماء لسينمائيين يابانيين كبار عرفوهم وعرفوا أفلاماً لهم ذات حقبة من حياتهم، سيذكرون بسرعة اسم "إمبراطور" السينما اليابانية أكيرا كوروساوا، وربما اسم فيلم أو بضعة أفلام من روائعه، لكنهم سوف يكونون أكثر بطئاً حين يحاولون تذكر غيره من كبار سينمائيي بلاد الشمس المشرقة. ففي نهاية الأمر نعرف أن المخرج الياباني الكبير أكيرا كوروساوا، صاحب "الساموراي السبعة" وغيره من الروائع، قد غطى بقامته الفنية المديدة على كل ما له علاقة بالسينما اليابانية طوال حياته وبفضل أعماله الكثيرة والشهيرة، قد غاب عن الأذهان أنه لم يكن الكبير الوحيد الذي أطلقته السينما اليابانية إلى العالم. وكذلك لئن كان هذا العالم قد تعرف معه وعبره على عدة أسماء سينمائية يابانية كبيرة من طينته أبرزها ميزوغوشي كنجي ويوسيجيرو أوزو، فإن تلك السينما أطلقت أيضاً بضعة أسماء لأبناء أجيال تالية منها ناغيزا أوشيما وشوجي تيراياما، اللذان أتيا حينها ليمثلا جيل الرفض الشبابي. طبعاً كل هذا يبدو اليوم بعيداً وقد غاب حتى أبناء الأجيال الجديدة بعدما غاب المعلمون الكبار. ولكن تماماً كما تبقى أغاني الشعراء تجول في فضاء حياتنا أزمنة طويلة بعد رحيلهم، تبقى "قصائد" أولئك السينمائيين ماثلة تتجول في فضاء التاريخ السينمائي حتى وإن لم تعرف الأزمنة الجديدة كيف تساير ذلك الحراك.

من رماد الذاكرة

والحقيقة أنه حتى في أزمنة الجدب التي نعيشها اليوم، يطلع عرض ما بين الحين والآخر مما يشبه العدم أو وسط رماد الذاكرة، ليذكرنا بما كانت عليه العولمة السينمائية الحقيقية ذات يوم، وبما كان عليه الإبداع الفني عند نهاية سنوات البراءة وقبل حلول أزمنة البلاهة التي نعيشها. تطلع علينا شرائط تبدو اليوم موغلة في القدم لتدهشنا بكيفية تعاملها مع تاريخها الخاص ومواكبتها أحداثه. وعلى هذا النحو مثلاً يشاهد اليوم بين الحين والآخر، فيلم من هنا أو آخر من هناك، يذكرنا بكم كانت السينما ذات حساسية فائقة وعرفت كيف تساير زمنها وأحياناً مستبقة أحداثه بلغة تبدو نابعة من العصر. وفيما يخص السينما اليابانية هنا، يدهشنا اليوم مثلاً فيلم آت من هناك كما من زمن يبدو موغلاً في القدم، يعبر عن واحد من شعارات حركات شبيبة 1968 الكبرى، جاعلاً من عنوانه عنواناً لمرحلة بأسرها: "لنرم الكتب وننزل إلى الشارع". ويقيناً أن السينما لم تبتكر في تاريخها الحديث عنواناً لواحد من أفلامها يدنو بأكثر مما يفعل عنوان هذا الفيلم من روح عصره ويكاد يؤرخ لمرحلة بأسرها.

في عز التحركات

"لنرم الكتب وننزل إلى الشارع" فيلم عرضه الياباني شوجي تيراياما في العام 1971 أي في زمن كان يشهد عز تلك التحركات التي نشير إليها. وكان قد شرع في تصويره قبل ذلك بعامين ليسهم عبره في تصوير الذهنية الجديدة التي كانت قد بدأت تنتشر في أوساط شبيبة راحت تعلن انشقاقها التام عن كل ما بنته الأجيال السابقة. في نهاية الأمر، لم يبتعد فيلم تيراياما ذي السادسة والثلاثين من عمره حينها عن مجمل تلك الشرائط التي حققت حضوراً كبيراً للسينما، ولا سيما التجريبية منها، في العالم الفكري الجديد. وذلك من خلال موضوع يتناول شاباً معاصراً يعيش تأزماً وجودياً وفكرياً كبيرين وسط عالم لم يعد قادراً على التعايش معه. وبالتالي فإن الفيلم، في خصوصيته اليابانية هنا، أراد أن يرمز إلى التصدي لهبوط اليابان في نزعة مادية مبتذلة كنتيجة ولو متأخرة لهزيمتها أمام "الغرب المادي" خلال الحرب العالمية الثانية. ومن هنا يصور الفيلم عبر ذلك الشاب اختفاء أوهام عاش طويلاً في خضمها، وذلك على الضد من مجتمعه وبخاصة من أهله الذين كان يغضبه رضاهم عن مصائرهم.

السينما بين فنون أخرى

شوجي تيراياما، الذي كان هذا الفيلم عمله السينمائي الطويل الأول، كان شاعراً وروائياً ومؤلفاً مسرحياً قبل أن ينصرف ولو فقط خلال السنوات القليلة التي عاشها بعد "لنرم الكتب..." إلى العمل السينمائي، ولد في العام 1935 ليرحل العام 1983. وكان طوال السنوات الأخيرة من حياته يلقب بـ"الطفل الشقي في السينما اليابانية". وكان يعرف، في اليابان وفي الغرب أيضاً، بأنه واحد من أكثر أبناء جيله موهبة ومشاكسة. وهو، على أية حال، كان يتصرف ويشتغل وكأنه يعرف أنه لن يعيش طويلاً وأن عليه أن "يقول كلمته ويمشي، وعليه، بالتحديد أن يقولها قوية قبل أن يمشي".

السينما في صالة شعبية

تروي سيرة شوجي تيراياما أنه اكتشف الفن السابع في صالة سينما شعبية كان يديرها قريب له، حضنه منذ كان طفلاً. غير أن اكتشاف تيراياما السينما لم يدفعه إلى خوض غمارها على الفور، بل إنه وهو بعد في صباه الباكر اتجه إلى كتابة الشعر، وكان في التاسعة عشرة من عمره في العام 1954 حين نال جائزة قومية للشعر عن مجموعة نشرها ولقيت استقبالاً حافلاً لدى القراء الشبان، لما فيها من تمرد على الجيل الذي صنع الحرب العالمية الثانية، ولما فيها من مشاكسة على "تخلف المجتمع" و"معاداته الشبيبة". ولسوف يقال إن تيراياما، بتلك القصائد الأولى، كان واحداً من الذين مهدوا لثورة الشبيبة اليابانية أواسط سنوات الستين. وهي الثورة التي أوصل تيراياما تعبيره عنها وعن ضرورتها إلى الذروة في "لنرم الكتب ولنخرج إلى الشارع" الذي كان أشبه بصدمة في عالم السينما حين عرض. لكن هذا الفيلم لم يكن أولى محاولات تيراياما السينمائية بل كان أول محاولة جدية حققت انطلاقة محلية وعالمية، فهو خاض الفن السابع منذ بداية سنوات الستين، وبعد أن واصل نشر قصائده كما اشتغل في المسرح التحريضي وكتب واحدة من المسرحيات الأكثر تحريضاً في ذلك الحين، "الدم يموت واقفاً" التي ندد فيها بالمعاهدة الموقعة بين اليابان والولايات المتحدة، آخذاً على طوكيو تسامحها مع الأميركيين على الرغم تدميرهم مدينتين يابانيتين بواسطة القنابل النووية. وفي تلك الفترة بالذات، وإمعانًا في التحريض ضد "الإمبريالية الأميركية" أسس تيراياما مختبراً مسرحياً، ونشر روايته الشهيرة "أمام عيني الصحراء" التي ترجمت إلى العديد من اللغات ومن بينها الفرنسية. وهو زار مع فرقته المسرحية دولاً غربية عدة، وقدم خصوصاً مسرحية "تعليمات إلى الخدم" المقتبسة عن جوناثان سويفت التي كان لها صدى واسع جعل كثيرين يعتبرون تيراياما "جان جينيه اليابان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفيلم منشور ثوري حقيقي

في ذلك الحين، إذاً، كان تيراياما قد بدأ يتجه إلى السينما، أولاً ككاتب للسيناريو، حيث كتب أربعة سيناريوهات للمخرج شينودا، كما كتب سيناريوهات لآخرين، كان أبرزها "الحب الأول، نسخة الجحيم" الذي أخرجه س. هاني في العام 1968. أما مسار تيراياما الحقيقي كمخرج فبدأ عبر العديد من الأفلام الوثائقية، قبل أن يقتبس روايته "لنرم الكتب ونخرج إلى الشارع" في فيلم طاف العالم كله وعرض في المهرجانات، واعتبر "منشوراً ثورياً حقيقياً" لا يمكن اليوم أن تذكر ثورات شبيبة العالم في الستينيات وبداية السبعينيات من دون أن يذكر. وبعده حقق فيلماً لم يقل شهرة عن الأول بعنوان "غميضة ريفية" (1974) اقتبسه عن مجموعة شعرية كان أصدرها قبل سنوات. وفي ذلك الوقت كان المرض قد بدأ يستفحل في جسده الواهن، لذلك راح يشتغل بكثافة وسرعة فحقق فيلمين لم ينالا إطراءً كبيراً بل قال كثير من النقاد إنه إنما حققهما على هامش عمله الأساسي وجاءا أشبه بأفلام التوصية، وهما "الملاكم" (1978) و"متاهة الأعشاب" وهو عبارة عن فيلم قصير كجزء من ثلاثية كان هو على أية حال أفضلها (1979). بعد ذلك حقق تيراياما فيلمه الأخير، وكان إنتاجاً مشتركاً مع فرنسا وألمانيا وقام ببطولته الفنان الألماني الكبير كلاوس كينسكي وعنوانه "ثمار الهوى". لكنه لم يكن من أفضل أعماله، ولم يعدم من النقاد من شن عليه هجوماً كبيراً، حين عرض في العام 1981 طالباً من تيراياما أن يعود إلى أصالته اليابانية. وفي ذلك الوقت بالذات كان تيراياما يشتغل على اقتباس لرواية غابريال غارسيا ماركيز "مئة عام من العزلة"، غير أنه رحل عن عالمنا يوم الخامس من مايو (أيار) 1983، من دون أن يتمها، بعد أن كان المرض قد تمكن من شل حركته وفكره ومن ثم القضاء عليه وهو لا يزال بعدُ واعداً.

المزيد من ثقافة