Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوظيفة الثانية قدر اللبناني

دخل قليل على حساب الإنتاجية في العمل

لطالما شكلت الوظيفة الثانية أو العمل المؤقت متنفساً لعدد كبير من الشباب اللبناني (اندبندنت عربية)

"وظيفة واحدة لا تكفي"، هكذا أصبح واقع الحال في لبنان، فقد أفرزت الأزمة الاقتصادية وضعاً غير مسبوق في البلاد، ولم تعد تقتصر هذه الظاهرة على القطاع الخاص، وإنما انتقلت إلى موظفي القطاع العام الرسمي الذي كان يتمتع باستقرار نسبي وتقديمات اجتماعية وفيرة، فها هو ذا الشاب اللبناني، يندفع للبحث عن أكثر من عمل أو وظيفة مؤقتة لتأمين دخل إضافي، فالعبرة ليست بحجم ومقدار الأجر وإنما جني بعض المال من أجل شراء بعض الحاجات الأساسية، إلا أن هذا الأمر ليس مأموناً بالمطلق، ويصطدم من جهة بمحدودية فرص العمل، ومن جهة أخرى بميل لدى بعض أصحاب العمل لاستغلال حاجة الأجير إلى الوظيفة، كما تأتي المحاذير القانونية التي تضع العمال في موقع المهددين بالصرف أو الملاحقة.

العمل المؤقت

لطالما شكلت الوظيفة الثانية أو العمل المؤقت متنفساً لعدد كبير من الشباب اللبناني، وجاءت الثورة التقنية لتفتح أبواباً جديدة لأصحاب الأفكار الإبداعية والمشاريع الصغيرة، ولكن بعيداً عن هذا الواقع المرتجى، أرخت الأزمة بظلالها على شريحة كبيرة، وجدت نفسها مضطرة إلى العمل في أكثر من مجال لقاء تأمين دخل إضافي.

وتعتبر قصة محمد حالة نموذجية تمثل واقع كثيرين من الشباب اللبناني، إذ يستغرق العمل المتواصل وقته وطاقته، فهو عمل في مجال المحاسبة في إحدى المؤسسات التجارية بواقع 12 ساعة، تآكلت القدرة الشرائية لمعاشه الشهري، فالمليون ليرة لم تعد ذات قيمة، وبلغ الدولار، الأربعاء، 24 نوفمبر (تشرين الثاني)، عتبة قياسية جديدة تخطت عتبة الـ24000 ليرة لبنانية للدولار الواحد.

في السابق، اعتاد الشاب أن يستخدم أجره في تحقيق استقلاليته الاقتصادية، والإنفاق على ذاته، وكذلك الادخار من أجل شراء سيارة من هنا أو من هناك لإعادة بيعها في السوق وتحقيق بعض الربح، أدى الانهيار الاقتصادي المريع بالشاب إلى البحث عن كيفية تنظيم وقته للعمل في أكثر من مجال، وهو يعتبر أن أي عمل إضافي من شأنه أن يساعده في تأمين دخل إضافي يعين به عائلته على مصروفها.

ويروي أنه يخرج من الصباح الباكر من منزله، ولا يعود إلا في منتصف الليل، ليعمل في أكثر من مجال من العمل في المحاسبة، إلى أعمال الدهان وإصلاح المنازل، والاتجار بالحديد، وكذلك السيارات. وتتعرض مداخيل هذه الأعمال مجتمعة إلى عملية قضم، فهو يحتاج إلى تناول الطعام مرتين في المنزل، وكذلك شراء الماء والقهوة وأجرة النقل، لذلك أصبح أقصى طموحه الهجرة من لبنان، وإلى ذلك الحين يحاول الصمود من خلال القيام بالأعمال المختلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حال محمد ليست حالة استثنائية، وليس من قبيل المبالغة القول إن قدر اللبناني البحث عن وظيفة ثانية، ويفضل أن يكون أجره بالدولار الحرّ، ولا يقتصر الأمر على الأجراء في القطاع الخاص، وإنما يتجاوزه إلى القطاع العام الرسمي، ولم تنجُ المؤسسة العسكرية من هذا الأمر، فيضطر الموظف العمومي إلى العمل في وظيفة أخرى بعد دوامه بعد أن تسبب الانهيار المالي في خسارة كبيرة لهم.

ويؤكد شادي أنه يعمل في وظيفة رسمية يتقاضى منها أجراً يقارب مليوني ليرة (أقل من 100 دولار)، بعد 17 عاماً من الخدمة، كان أجره يساوي 1350 دولاراً تقريباً، أما اليوم فأصبح من دون 100 دولار، هو أب لطفلين، وعليه تأمين إيجار المنزل، والحاجيات الأساسية من طعام وشراب وخلافها، وتواجه العائلة تهديداً وجودياً ونفسياً، لذلك وجد نفسه مضطراً إلى العمل سائق أجرة.

القطاع العام ليس بخير

تؤكد نوال نصر، رئيسة رابطة موظفي القطاع العام، أن ظاهرة الوظيفة الثانية الإضافية أصبحت منتشرة في لبنان، إلا أنه لا توجد إحصائية واضحة بأعداد هؤلاء بسبب طبيعة هذه الوظائف. وتلفت إلى أن الموظف العمومي يشعر بضغط كبير بعد أن خسر معاشه قوّته الشرائية بفعل التضخم، مشيرة إلى أن قانون الموظفين يضع عقبات وموانع أمام الموظف الرسمي في حال رغبته بالقيام بوظيفة أخرى، فهو لا يمكنه القيام بعمل مأجور آخر إلا في حالات محدودة.

ولكن في المقابل، لا يمكن لوم الموظف الذي يبحث عن دخل إضافي في مهنة لا تحط من كرامته المهنية والوظيفية، ويعيش الموظف والأجير في لبنان حالاً من العجز، وعدم التكافؤ بين المدخول بالعملة الوطنية المنهارة والحاجات الأساسية التي ازدادت تكلفتها مع تراجع الدعم، واتباع المتاجر والمؤسسات سياسة سلم التسعير المتحرك والمقترن بسعر صرف الدولار، كما لا يمكن تجاهل أثر تراجع قيمة حصة الدولة في قطاع الخدمات الاستشفائية والدوائية.

أما في القطاع الخاص، فهناك صعوبة في تشخيص مسألة عمل الأجير في وظيفة أخرى، وأمام عدم وجود اتجاه واضح في الاجتهاد القضائي، فإن هناك بعض النقاط الأساسية التي يمكن أخذها في الاعتبار، من جهة أولى، يفضل أن يتضمن عقد العمل الموقع بين أجير وصاحب عمله بنداً يسمح له بممارسة عمل آخر، وفي حال عدم وجود بند كهذا، لا بد من دراسة كل حالة بمفردها، إذ يقع على الأجير، العامل، موجب والتزام الإخلاص للمؤسسة التي يعمل بها، ومن ثم من غير المقبول منافسة صاحب العمل أو العمل لدى مؤسسة منافسة في السوق. في المقابل، يمكن التعامل بمرونة أكبر مع العامل في حال كانت الوظيفة الثانية ذات طبيعة مختلفة عن الوظيفة الأولى، فهو في هذه الحالة يحاول استثمار أوقات فراغه ومواهبه الشخصية.

الوظيفة الثانية والاستقرار الاقتصادي للمؤسسة

أما من وجهة النظر الاقتصادية، فإن الوظيفة الثانية أمر مقبول شرط اقترانه بعوامل عدة من قبيل الاستقرار النفسي للعامل والديمومة للمؤسسة. ففي لبنان، ينظر إلى الوظيفة وفق وجهة نظر بنيوية جامدة، وتعتمد على أسلوب الدوام الثابت، ويعتبر حسن علي حمادة، أستاذ الاقتصاد الجامعي، أنه لا يمكن فصل الموقف من الوظيفة الثانية عن الحالة الاقتصادية العامة، ففي الظروف الطبيعية تعتبر الوظيفة الثانية أمراً مقبولاً بحيث يؤدي الفرد عملاً آخر مؤقتاً بعد دوامه الثابت، ولكن في ظروف لبنان غير الطبيعية، يصبح الولاء الوظيفي ضعيفاً، إذ يمكن أن يتخلى العامل عن وظيفته الأساسية إلى وظيفة أخرى لمجرد عرض حصة من المعاش بالدولار.

ويتحدث حمادة عن واقع مرعب على حد وصفه، تعيشه "ما تبقى من شركات عاملة في لبنان"، إذ تراجع الأداء الوظيفي للعمال في مجالات الإنتاج، والتسويق والبيع بسبب عدم الاستقرار النفسي، كما انعكس الأمر على ديمومة واستمرارية المؤسسات، ذلك فإن "الخطورة فعلية لأن شرائح من الموظفين الذين يقع على عاتقهم وضع الاستراتيجيات والخطط البعيدة الأجل للمؤسسات، يستقيلون وينتقلون إلى مؤسسات منافسة تعرض عليهم الأجر جزئياً بالدولار"، من هنا، "انتقلت المؤسسات للعمل وفق استراتيجية كل يوم بيومه".

وينوه حمادة بمسألة الاستقرار النفسي الوظيفي، إذ "لم يعد العامل بمنأى عما يمكن أن تواجهه مؤسسته، فهو يخاف من الوصول إلى الإغلاق. فيبدأ بالبحث باكراً عن وظيفة أخرى في الداخل أو الخارج، ويحول ذلك من دون بناء مؤسسات اقتصادية قوية يمكنها المساهمة في بناء اقتصاد قوي". ويتخوف حمادة على مستقبل العمالة اللبنانية في حال عدم تصحيح العلاقات مع بلدان الخليج العربي، ذلك أن الخليج إلى جانب أفريقيا الوجهة الفضلى للعمالة اللبنانية، ومع بلوغ أفريقيا مرحلة الإشباع، لا يمكننا إلا التطلع إلى الخليج، ويسلط حمادة الضوء على ظاهرة "استعداد اللبناني حالياً للهجرة والعمل في الخارج لقاء أجور متدنية لا تتجاوز 300 دولار أميركي، وهذا تعبير عن اليأس"، جازماً بأن "لبنان يشهد موجة هجرة للأدمغة غير مسبوقة حتى إبان الحرب الأهلية، التي تطال مجالات واسعة وتحديداً القطاعات التعليمية والاستشفائية، وهذا ما سينعكس سلباً على مستوى الخدمات".

يخلص حمادة إلى أن "الوظيفة الثانية معطوفة على حال الإنهاك المالي والنفسي التي يعيشها اللبناني، تؤدي إلى تراجع الإنتاجية. ذلك أن الأزمات تشغل انتباهه وتصرفه عن الإبداع وتطوير العمل لصالح البحث عن البنزين والحليب، في ظل مؤشرات مستقبلية قائمة"، ويوصف حمادة الوضع المستقبلي بالكارثي، وقال إن "الاستثمار قائم على الثقة، ويحتاج إلى وضع خطة واضحة المعالم لوقف استمرار الانهيار".