Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شكل العلاقة الأوروبية - الإيرانية قبل استئناف المباحثات النووية

تعلمت بروكسل أن لا تصل بعلاقتها مع طهران إلى مرحلة القطيعة التامة

نائب وزير الخارجية الإيراني علي باقري مستقبلاً منسق الاتحاد الأوروبي بشأن المحادثات النووية مع إيران، إنريكي مورا في طهران في 14 أكتوبر الحالي (أ ف ب)

تستمر أوروبا في أدوار الوساطة ما بين إيران والولايات المتحدة الأميركية بغية إحياء الاتفاق النووي، وتسعى إلى إرساء أواصر العلاقة السياسية مع الإدارة الجديدة، جنباً إلى جنب تكثيف ضغوطها في ملفات حقوق الإنسان والبرنامج النووي، فالإبقاء على قنوات الاتصال السياسي هو ديدن التوجه الخارجي الأوروبي إزاء طهران.

تعلمت أوروبا أن لا تصل بعلاقتها مع الجانب الإيراني إلى مرحلة القطيعة التامة، بيد أن إدارة رئيسي محسوبة على الدائرة الضيقة المقربة من المرشد الأعلى خامنئي، والتي ما فتئت تصعد من انتهاكها للالتزامات النووية، ولم تكف عن نبذها للدول الغربية وتلمح إلى إقصاء أوروبا وحليفها الأطلسي الأميركي من أية مشاريع أو فرص استثمارية في إيران في قادم الأيام. 

تدرك إيران بدورها حاجتها الماسة للأطراف الأوروبية كي يتسنى لها الانعتاق من قيود العقوبات الأميركية، وتعلم أن الطريق إلى ذلك المبتغى يتأتى من خلال المباحثات النووية، لذا وإن ظهرت علامات الحدة في الخطاب السياسي الإيراني إلا أن البلاد محتم عليها المضي في مسار التفاوض إن أرادت الخروج من العزلة المفروضة عليها وانتشال اقتصادها من الهاوية.  

أبرز القضايا العالقة في مجال الحقوق الإنسانية

باتت إيران أكثر حذاقة في تعاطيها مع الجانب الأوروبي، علّها تجابه الضغوط الأوروبية بذات النهج والأسلوب، من حيث استغلالها لأوراق متفرقة أهمها استخدام ورقة اللاجئين كأداة تفاوضية في حيز الشد والجذب السياسي الدائر بين الطرفين سواء على مستوى البرنامج النووي أو مستويات الحقوق الإنسانية واللاجئين والإرهاب وغيرها. وظهرت تحركات إيران عبر خطاب ألقاه سفيرها لدى بلجيكا، غلام حسين دهقاني، في ندوة افتراضية أقامها المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD)، حاول فيه إلقاء اللوم على الدول الغربية، لا سيما الأوروبية لإغلاقها الأبواب أمام اللاجئين بحسب رأيه.  

في مجال حقوق الإنسان تبرز قضايا المعتقلين من مزدوجي الجنسية (الأوروبية الإيرانية) كأحد أهم الملفات العالقة، وتستمر الحكومات الفرنسية والبريطانية بالضغط على الحكومة الإيرانية كي تطلق سراح المعتقلين السياسيين من مزدوجي الجنسية، لا سيما أخيراً قضية المعتقلة البريطانية نازانين زاغاري راتكليف، وتقابل إيران تلك الضغوط باستخدام ورقة اللاجئين لإظهار قصور الجوانب الإنسانية لدى الحكومات الغربية.

أما في سياق التعاطي مع رئيس إيران، إبراهيم رئيسي، وعلى رغم شبهات اضطلاعه بعمليات إبادة الآلاف من السجناء السياسيين في عام 1988، وما يدور حياله من إشكالية إنسانية وحقوقية على المستوى الدولي، شارك وفد من مسؤولي الاتحاد الاوروبي بقيادة مساعد الأمين العام للاتحاد أنريكي مورا في مراسم تنصيب رئيسي.

في خضم الإشكالية الإنسانية تلك، قد تظهر انهزامية الجانب الأوروبي وتخليه عن قيمه بسهولة، كون تشييد العلاقة مع رئيس الحكومة رئيسي يقوض مبادئ أوروبا وقيمها التي تدعيها لنفسها. لكن الصورة الكاملة مغايرة، فقد انطلقت في السويد في العاشر من أغسطس محاكمة حميد نوري، القاضي السابق في السلطة القضائية الإيرانية والمتهم بالمشاركة في عمليات الإعدام في حادثة الإبادة للسجناء عام 1988، وعقدت جلسة أخرى في الخامس عشر من شهر أكتوبر، كما ستحتضن دول أخرى مثل البوسنة جلسات قادمة من هذه المحاكمة ذات الدلالات المهمة، فهي أول محاكمة لمسؤول إيراني متهم بارتكاب "جرائم ضد الإنسانية"، مثلما أنها الأولى التي تعقد لأشخاص متورطين في إبادة عام 1988، مما ينبئ بسلسلة لاحقة من توجيه الاتهامات ومزيد من الكشف عن أدلة ملموسة قد تثبت تورط مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى.  

حيثيات المساعدات الأوروبية الصحية لإيران 

عمدت أطراف أوروبية عدة إلى توفير كميات كبيرة من لقاحات كورونا المصنعة في أوروبا أو على أقل تقدير إبداء الاستعداد للحكومة الإيرانية لتوفير تلك اللقاحات بصفقات مرضية للطرفين. وبالتأكيد تُرى التحركات الأوروبية كما هو ديدنها منذ زمن إزاء النظير الإيراني، في حيز الازدواجية في التعاطي السياسي ما بين سياسة العصا والجزرة، فمن جهة ترتكز على الدبلوماسية وتقديم المحفزات لإيران بغية دفعها للتعاون مع دول القارة، ومن جهة أخرى، يتم تفعيل الضغوط في مجالات الحقوق الإنسانية والإرهاب. 

بعد أن أبدت أكثر من دولة أوروبية دعمها لخطى الحكومة الإيرانية في اتجاه استيراد لقاحات جائحة كورونا عبر آلية كوفاكس، كانت النمسا من أول المتبرعين بمليون جرعة من اللقاح إلى إيران، ولحقتها هولندا وإيطاليا. فالمساعدات الصحية هي إحدى أدوات القوى الناعمة الأوروبية لاستمالة إيران نحو التواؤم مع سياسات القارة ورغباتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تأخذ أوروبا في الاعتبار تنديد إيران بالغرب وتلويحها "بالتوجه شرقاً" وسياسة "التعاون مع دول الجوار"، وتعي تقارب إيران مع روسيا والصين، فلا يمكن التغافل عن الحيثيات الإقليمية والتجاذبات الجارية على الساحة الدولية. والوعي الأوروبي ينم عن مخافة القارة من خسارة الفرص الاستثمارية والعلاقات الاقتصادية مع إيران، لذا ترتبط قراءة مشهد العلاقة بين الطرفين بسياق استمالة الجانب الإيراني وضمانة موطئ قدم في الساحة الإيرانية على المستويات الاستثمارية والاقتصادية والسياسية متى ما خمدت نار الشقاق والقطيعة بين الطرفين الإيراني والغربي، بالاقتران مع سياق الدفع نحو العودة إلى المباحثات النووية بغية رفع العقوبات المفروضة على إيران مع التزامها بتقييد برنامجها النووي.

بوادر العودة إلى مباحثات فيينا

مساعي الاتحاد الأوروبي لتفعيل المسارات الدبلوماسية مع الإدارة الإيرانية الجديدة، والعودة بها إلى طاولة المفاوضات قائمة على قدم وساق، وتبدت ثمرة الجهود أخيراً بعد لقاء إنريكي مورا، بصفته منسقاً للمباحثات النووية، بنظيره نائب وزير الخارجية الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين، علي باقري، في طهران ثم في بروكسل. وبعد شد وجذب إعلامي بين الطرفين في ما يتعلق بحقيقة اللقاء الثاني وجدواه، إلا أن نائب وزير الخارجية الإيراني خرج بعد اللقاء في السابع والعشرين من أكتوبر ليعلن أن استئناف المفاوضات النووية سيتم قبل نهاية شهر نوفمبر.

السياسية الأوروبية في الملف النووي مثار للتساؤل والاستغراب كونها لم تؤتِ أكلها، فإيران لم تظهر اعتباراً للبيانات الأوروبية المشتركة والتنديدات بالتجاوز النووي المتلاحق من قبل إيران، لكن الأوروبيين لديهم وعي بماهية التحركات الإيرانية الرامية لكسب أوراق تفاوضية عبر مضاعفة تجاوزاتها النووية، فمن شق ينددون بالتجاوز الإيراني ومن شق آخر يكثفون من محاولاتهم الدبلوماسية لتسريع إعادة إيران والولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات. 

بيد أن التجاذب بين الطرفين في النطاق النووي لم يخلُ من إشكاليات معتبرة، كان أوضحها اعتقال الشرطة الألمانية لرجل ألماني إيراني مشتبه في تصديره لمعدات من المزمع أن تُستخدم في برامج إيران النووية والصاروخية، وبحسب "إيران إنترناشونال" أعلن المدعي العام الألماني بأن المدعو "ألكسندر جي" قد باع معدات بقيمة 1.1 مليون يورو إلى إيراني تخضع شركته في إيران لعقوبات الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يعتبر انتهاكاً لعقوبات الاتحاد. 

على أية حال، علاقة الطرفين تسير في طريق العودة إلى المباحثات النووية ومحاولة إيجاد المشتركات السياسية التي تخولهم بناء العلاقة الاقتصادية من جديد. الإيرانيون حاولوا خلال الفترة الماضية إبداء عدم اكتراثهم بالرغبات الأوروبية في جوانبها الاقتصادية والاستثمارية وإنما يهتمون بالدرجة الأساس برفع العقوبات المفروضة عليهم ليتمكنوا من الحيلولة دون تهاوي الاقتصاد ثم النظام الإيراني بالكامل. بذا يستخدمون أوراق ضغطهم على أوروبا بالتلويح "بالاتجاه شرقاً" والتشكك في جدوى العلاقة مع القارة الأوروبية المنضوية دوماً تحت لواء السياسية الأميركية، بحسب الرأي الحكومي في إيران. على الجهة المقابلة، ما زالت الأطراف الأوروبية كافة تحاول جذب إيران نحو محورها الغربي، وفي هذا الصدد كانت المساعدات الصحية وتبعها ضغوط دبلوماسية مكثفة لاستئناف مباحثات فيينا. 

المزيد من تقارير