إيران وتغير مفهوم الصفقة الكبرى

طهران تخشى الدخول في مفاوضات مع إدارة ترمب تدفعها إلى خسارة بعض أوراقها

وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف يبحثان مستقبل الاتفاق النووي وإطلاق سراح بريطانيين معتقلين في إيران. نوفمبر 2018 (أ.ف.ب)

أفادت تقارير أن البنتاغون وضع خطة لإرسال ما يصل إلى 120 ألف جندي إلى الشرق الأوسط، إذا قرر الرئيس ترمب القيام بعمل عسكري ضد إيران.

وذكرت أن البنتاغون قدَّم الاقتراح بعد أن طلب مستشار الأمن القومي جون بولتون مراجعة خطة سابقة، وفقاً للبنتاغون، ستكون هناك حاجة إلى أكثر من 120.000 جندي إذا حدث دخول بري.

يأتي هذا في الوقت، الذي يتصاعد فيه التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ونشرت الولايات المتحدة مجموعة حاملة الطائرات أبراهام لنكولن وفريقاً عسكرياً في الخليج على صدى وجود تهديد من قبل قوات النظام الإيراني.

من جانبها أعلنت إيران تخصيب اليورانيوم على مستوى عالٍ في غضون 60 يوماً إذا لم تقم الأطراف الأخرى في الاتفاق النووي بالعمل على حماية قطاعي النفط والمصارف الإيرانيين من العقوبات الأميركية، فقد حاولت الولايات المتحدة عزل إيران عن الاقتصاد العالمي.

كل تلك التطورات من أجل إجبار إيران على الدخول في مفاوضات من أجل اتفاق بديل للاتفاق النووي، الذي أبرم عام 2015، لكن تستهدف الولايات المتحدة أن يكون اتفاقاً شاملاً، يضم الملف النووي ومنظومة الصواريخ الباليستية وسلوك إيران في الملفات الإقليمية.

ترفض إيران تضمين تلك المحاور، وأن يقتصر التفاوض على الملف النووي فقط. أي أنها ترفض الاتفاق الشامل أو الصفقة الكبرى، لكن بتتبع تطورات العلاقات الإيرانية الأميركية، نجد أن مفهوم الصفقة الشاملة لم ترفضه إيران من قبل، بل هي من طرحته خلال إدارة جورج بوش الابن في مايو (أيار) 2003. وذلك حينما أرسلت إلى الإدارة الأميركية من خلال السفارة السويسرية مبادرة من أجل اتفاق شامل، ما يسمى الصفقة الكبرى Grand Bargain  على جميع القضايا الكبرى العالقة، بما فيها الملف النووي والقضايا الإقليمية، لكن إدارة بوش رفضت.

عملت الولايات المتحدة على عزل إيران، واستمرار قطع التواصل منذ مايو (أيار) 2003 حتى مايو (أيار) 2006، حينما عرضت الولايات المتحدة الانضمام إلى المفاوضات المباشرة بشأن الملف النووي، التي كانت بين إيران وكل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا.

وأكدت الولايات المتحدة أن المفاوضات لن تتسع لتشمل ملفات أخرى، بل الملف النووي فقط، ورفضت إجراء أي حوار حول العراق، لكن مع إصرار إيران على إجراء حوار مباشر تمت المناقشات بعد 14 شهراً من طلب إيران.

غلب على تلك الفترة الجدل حول البرنامج النووي والعقوبات، مع عدم التطرق إلى الملفات الإقليمية، فقد عُقدت مفاوضات بين الطرفين عام 2007 بشأن العراق، وامتدت إلى الوضع في أفغانستان والدور الإقليمي لإيران، وتضمنت المناقشات كيفية تحقيق الاستقرار في العراق،  فالولايات المتحدة تدرك أن استقرار العراق، واستراتيجية خروجها من العراق لا بد أن تتم بمساندة إيران، التي في المقابل نجحت في توسيع نفوذها بالعراق.

ومع مجيء أوباما إلى الحكم، بدأ التخفيف من انخراط الولايات المتحدة والمشاركة العسكرية في الشرق الأوسط، ووضع حد للحرب العالمية على الإرهاب، والتحوّل نحو آسيا، والتركيز أكثر على العلاقات الجغرافية الاقتصادية. عمل أوباما على التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران. ويقال إن في أثناء المفاوضات طلب الأميركيون التفاوض حول سلوك إيران في الملفات الإقليمية، لكن فريق المفاوضات الإيرانية، ومنهم وزير الخارجية جواد ظريف، أعلن أن الأمر ليس بأيديهم، وأنهم مخولون فقط للتفاوض حول الملف النووي من دون التطرق إلى ملفات أخرى. وبالطبع هذا مفهوم في ظل أن السياسة الخارجية الإيرانية هي امتياز حصري للمرشد الإيراني، وليس لرئيس الجمهورية. إذاً في ظل عهد أوباما رفضت إيران فكرة الصفقة الكبرى.

مع مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي انسحب من الاتفاق النووي، رغبة في صفقة كبرى، ترفض إيران مجدداً، حقيقة أنها تريد التفاوض مع الولايات المتحدة، لكن بعيداً عن القضايا الإقليمية، طرحت التفاوض حول السجناء في إيران من مزدوجي الجنسية.

إن استعراض موقف إيران من التفاوض في إطار صفقة كبرى وطرحها على الإدارة الأميركية ورفضها أحياناً من جانب إيران، يوضح أن الأمر مرتبط بالسياق الإقليمي، وموقع إيران فيه. ففي ظل إدارة المحافظين الجدد، وبعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) وقيام إدارة بوش بتغيير بعض الأنظمة السياسية في المنطقة باستخدام القوة العسكرية، مثلما حدث في أفغانستان والعراق، وكون إيران إحدى الدول المصنّفة ضمن محور الشر، وكانت مرشحة لتغيير النظام باستخدام القوة العسكرية الأميركية، كل ذلك دفع إيران إلى التقارب مع الولايات المتحدة، وعرض التفاوض حول الملفات الإقليمية والملف النووي والتعاون في أفغانستان والعراق، بل والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب.

لكن مع استغلال إيران فرصة إسقاط العراق وتعميق نفوذها به، وأصبح أهم ساحة لممارسة الهيمنة الإيرانية، ومع انهيار كثير من الدول العربية في أعقاب الاحتجاجات الشعبية منذ 2011، وتفكك الجيوش الوطنية، وزيادة تدخل دول الجوار العربي كإيران وتركيا في الشؤون الداخلية للدول العربية، نجد أن إيران رفضت عرض أوباما لتوسيع التفاوض، ليشمل ملفات الإقليم، فلم يكن يتهددها خطر المواجهة العسكرية الأميركية، ولا هي مستعدة للتنازل عما اكتسبته في ظل التغيرات الإقليمية، التي لحقت بدول المنطقة، لذا تخشى الآن الدخول في مفاوضات مع إدارة ترمب تدفعها إلى تقييد سلوكها المتدخل أو خسارة بعض أوراقها في كثير من الدول، مثل سوريا ولبنان واليمن والعراق والبحرين أحياناً. هي تريد التفاوض مع ترمب على أساس المصالح.

لذا ربما يتعين على الولايات المتحدة البحث عن أهم وسائل الضغط على إيران لدفعها إلى التفاوض وتقييد خياراتها في الإقليم، لكن من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية حتى لو غير متعمدة بناءً على سوء التقدير والحسابات، لأن هذا هو الخطر الحقيقي على المنطقة وشعوبها.

ربما يتعين البحث عن وسائل أخرى بجانب الضغط الاقتصادي تدفع النظام الإيراني المعروف ببراغماتيته إلى أن يبحث عن خيارات تمنع تعرض بقاء نظامه للخطر مثلما قبل وقف الحرب مع العراق، وكأنَّها تَجرَهُ إلى السُّم حسبما صرح خامنئي، فربما يهادن خامنئي من أجل التفاوض لتجنب مزيد من التصعيد، لكن السؤال ما المصلحة المشتركة التي تقارب بين الطرفين للتفاوض قريباً، خصوصاً أن كلاً منهما يعلن عدم تنازله عن شروطه المعلنة للتفاوض؟

المزيد من آراء