علي عبدالله صالح (10) معاهدة جدة.. حادثة USS COLE

خفف توقيع اتفاقية الحدود اليمنية-السعودية حدة التوترات بين الرياض وصنعاء

كان علي عبدالله صالح يكره المراسيم والاجتماعات الطويلة (رويترز)

زيارة كندا

في منتصف شهر يونيو (حزيران) 1999 تلقيت مكالمة من وزير الخارجية آنذاك عبدالقادر باجمال يبلغني فيها بما وصفه "قرار القيادة" ان انتقل للعمل سفيرا في كندا.. كان الأمر مفاجئا لأني لم اسع للانتقال الى بلد آخر ولم أتوقعه. أبلغت الوزير أني أفضل انهاء فترة عملي في البحرين والتي من المفترض ان تنتهي في منتصف 2000، فطلب مني الانتظار لدقائق كي يتصل بالرئيس، وعاد بعدها ليبلغني بأن ابدأ إجراءات التوديع والعودة الى الداخل.. شكرته وانتهت المكالمة. مرت ساعتان قبل ان يتصل الدكتور الإرياني، وكان حينها رئيسا للحكومة ليبلغني غضب "الرئيس" لرفض امره، ولما شرحت له مبرراتي، رد ضاحكا "نفذ أفضل".. وهكذا عدت الى صنعاء بعد ان انهيت إجراءات التوديع المعتادة، وبقيت هناك حتى جاءت الموافقة من كندا علـى ترشيحي، وبدأت الاستعداد للسفر.

كان تفسير قرار النقل كما سمعته من الدكتور الارياني هو ان "صالح" فضل ابتعادي عن مسار العلاقات بينه وبين الرياض بعد ان صار سالكا، ولأن وجودي فيه اصلا كان خارجا عن المألوف في اختيار مبعوثي صالح الى الرياض، اذ اقتحمت ساحة كانت محتكرة من قبل عدد قليل من شيوخ القبائل الشمالية، وشرح لي الدكتور "الارياني" الضيق الذي ابداه احد كبار شيوخ القبائل رحمه الله للرئيس بحضوره لدخولي ميدانا كان يتصوره حكرا عليه... وما من شك ان العلاقات بين "الرئيس" و"الأمير" توثقت قبل انتخابات الرئاسة وصارت مباشرة، ولعله اقتنع بأنه لم يعد بحاجة لوجودي قريبا منه.

هكذا انقطعت علاقتي بملف الحدود من حين وصولي الى كندا، وكنت اتابع تفاصيل ما يدور عبر الدكتور الارياني واصدقاـء لي في البلدين.

وصلت كندا نهاية شهر أكتوبر (تشرين أول) 1999 وفي شهر مارس (آذار) 2000 قام "الرئيس" بزيارة "دولة"، وهي في العرف الدبلوماسي الأعلى بين زيارات رؤساء الدول، وتجري خلالها مراسم استقبال مهيبة ومسلية في آن، وجرت العادة ان يسبق الزيارة وصول وفد (وفد المقدمة) ليتابع ويتأكد من الإجراءات الفنية والأمنية والشؤون المتعلقة بإقامة وتحركات الوفد المرافق. كانت السفارة في اوتاوا قد انتهت من اغلب الإجراءات المتعلقة بالزيارة قبل وصولهم، ولم يعد باقيا الا بعض المترتبات المالية.. فؤجئت باتصال من رئيس إدارة المراسم الكندية يبلغني بأن رئيس وفد المقدمة يريد احداث تعديلات لم يتحدث معي حولها. قلت للمسؤول الكندي ان كل ما سبق الاتفاق عليه سيبقي قائما دون تغيير.

عاد رئيس الوفد الى السفارة غاضبا لأنهم اعتادوا ان يتبع السفير تعليماتهم ولا يتدخل في عملهم. قلت له ان التفاهم بيننا ان يركز مع مرافقيه على الجانب الأمني والتنقلات، ولكنه انفجر صارخا (حن عرق اللبن) ملمحا الى أني ورئيس المراسم الرئاسية في صنعاء متفاهمان لإحراجه كوننا ننحدر من منطقة واحدة (تعز).. طلبت منه ان يغادر المكتب فورا، وكان حاضرا رئيس الوفد الأمني. كتبت مذكرة وجهتها للرئيس شرحت فيها تفاصيل ما جري، وبعد اقل من ساعة تم إبلاغه بالعودة الى صنعاء وبقاء الوفد الأمني وموظف واحد من المراسم.

بقي الرئيس في كندا أسبوعا كاملا، توطدت بيننا العلاقة الشخصية وتعرفت على طبيعته الإنسانية، واكتشفت ضيقه من الطقوس الرسمية وأنه لا يحبذ المآدب الرسمية ولا الاجتماعات الطويلة، فكان يأتي في المساء الى سكن السفير بعد انتهاء البرنامج الرسمي، ويرافقه الراحل عبدالعزيز عبدالغني واللواء عبدالله البشيري والفريق الأمني اليمني والكندي، بعيدا عن ضجيج الزيارات الرسمية.

في اليوم التالي للزيارة حدث احتكاك غير متوقع بين باجمال وبيني اذ ظن مخطئا أني تعمدت اقصاءه من حضور لقاءات الرئيس مع رئيس وزراء كندا ورئيس مجلس العموم في اوتاوا. حاولت ان اشرح له ان البرتوكول البريطاني المعمول به في كندا يضع السفير في المرتبة الثانية بعد رئيس الدولة اثناء الزيارات الرسمية كي يكون على اطلاع مباشر بالمحادثات ويتمكن من متابعة القضايا التي يتم التطرق اليها، لكن ذلك لم يكن مقنعا له.

في اليوم المحدد لانتهاء الزيارة كان" الرئيس" مدعوا الى غداء دعت اليه حاكم مقاطعة البرتا، يغادر بعده الـي الولايات المتحدة للقاء الرئيس بيل كلينتون، لكنه أبلغني اثناء الافطار انه مضطر للسفر مبكرا لارتباط عاجل في نيويورك. فلما حاولت الاستعانة به ليقنع صالح حضور الغداء ثم المغادرة، رفض مساعدتي وزاد ان قال (الرئيس هو الذي يحدد ما يريد وعلى السفير التنفيذ)، كأنما أراد احراجي ردا على حنقه من إجراءات ليس لي علاقة بها. لحقت بالرئىس الى غرفة نومه وقلت له ان الغاء الغداء ممكن لكنه سيكون غير لائق في حق اليمن وفي حقه وفي حق الداعين. وافق "صالح" على الحضور مشترطا ان يغادر بعد اقل من ساعة. كان الجو في قاعة الغداء مريحا، ولم يغادر "صالح" الا بعد أكثر من ساعتين.

معاهدة جدة

بعد عودته من كندا والولايات المتحدة كثف "صالح" جهوده للانتهاء من الملف الحدودي ولم يمر وقت طويل حتى توصل مع "الأمير" في 12 يونيو 2000 الى اتفاق نهائي وقع عليه وزيرا خارجية البلدين عبدالقادر باجمال والأمير سعود فيصل وعرف ب "معاهدة جدة"، التي جعلت الحدود نهائية كما كان منصوصاً عليها في اتفاقية الطائف الموقعة بين الامام يحي والملك عبدالعزيز، واتفق البلدان على تكليف شركة المانية لوضع العلامات الحدودية. شعر "صالح" بعدها أنه ازاح أكبر عقبة كانت تقلقه في سنوات حكمه السابقة، ورأى فيها ضمانة لاستمرار حكمه وتحقيق مسار مستقر في علاقاته مع الرياض، كما جعلته أكثر اطمئنانا الى وضعه الداخلي، وانه صار في منأى عن المخاطر.

كان تقليص دور اللجنة الخاصة في اليمن من اهم النتائج التي حصل عليها "صالح" بعد التوقيع على "معاهدة جدة"، وهو ما أدى الـى تخفيض ثم توقف المخصصات المالية التي كان كبار رجال القبائل وعدد من الشخصيات يحصلون عليها منذ بدايات الحرب بين الجمهوريين والملكيين، وهي مسألة كانت تشغل باله اذ كان يرى "تجفيف" منابع دخلهم ما سيضطرهم للجوء اليه لتعويض ما فقدوه، وتاليا يحكم سيطرته على المناطق التي كانت تخضع لهم بعيدا عن سلطة الدولة، وهو ما حدث بالفعل.

حادثة USS COLE

لم تسر  الأمور دون مصاعب في الداخل كما كان صالح يتمني، وان خفف من آثارها انتهاء النزاع الحدودي مع السعودية، ففي شهر أكتوبر 2000 وقعت حادثة تفجير المدمرة الامريكية USS COLE   مقابل سواحل عدن، واضعة اليمن في المشهد الدولي وعلى خارطة الدول المتهمة بإيـواء عناصر تنتمي الى تنظيم "القاعدة" وصار هدفا لحملة إعلامية في الولايات المتحدة تنادي بمعاقبته.

جعلت حادثة المدمرة الامريكية اليمن في صدارة اهتمامات الولايات المتحدة والغرب لأسباب سلبية، وبـدأت الضغوط تتعاظم للحصول على معلومات عن كل العناصر المشتبه بانتمائها للجماعات الإرهابية، وقد قاوم صالح المغريات التي عرضت عليه، ولم يسمح ابدا بتسليم أي يمني، وان تم الإعلان عن ان عددا منهم اودع في السجون لتخفيف الضغوط الشديدة على اليمن، لكن التقارير الدولية ظلت تتحدث عن معلومات تتهم عسكريين مقربين من صالح في قمة السلطة ومن بعض المنتمين لحزب الإصلاح، بالتواطؤ وانهم كانوا علـي علم بالتخطيط للعملية وسهلوا انتقال الانتحاريين وتسليحهم، وايواء الكثير من المتهمين بالانتماء للقاعدة.

تمكن الدكتور الارياني بعلاقاته القوية في واشنطن والاحترام الذي يحظى به داخل الدوائر الرسمية في العواصم الغربية من بذل جهود مضنية لمعالجة السلبيات التي ترتبت على العملية الانتحارية، ولكن شكوك واشنطن القوية تجاه "صالح" لم تتبدد، وكانت تتهمه باستغلال ملفات الإرهاب لابتزازها، والتستر على المتهمين.. لكن "صالح" تمكن بمهارة مستعينا بمصداقية الارياني في الغرب والاحترام الذي يتمتع به هناك، وكذلك علاقات وتجربة السفير في واشنطن عبدالوهاب الحجري، فتجاوز الازمة وتعامل معها بما جنب اليمن عقوبات كانت الإدارة الامريكية تلوح بها كي يسمح للمحققين الامريكان بالتدخل في التحقيقات.  ظل صالح متمسكا برفضه التحقيق المباشر مع المحتجزين خشية تسرب معلومات ممكن ان تصبح أساسا للمزيد من الضغوطات عليه وعلـي البلاد، وفي نفس الوقت كان يسعى وراء مقابل قد يتمكن من الحصول عليه من الأمريكيين اما تسليحا او تدريبا او مبالغ مالية للإنفاق علي الأجهزة الأمنية.

نجح "صالح" في تفادي الازمة الخانقة الا ان شكوك واشنطن بقت عالقة، وقلقها يزداد تجاه تعامل الأجهزة الأمنية مع القضايا المتعلقة بالإرهاب، اذ كانت تشكك في قدرات وتواطؤ بعض قيادات الأجهزة الأمنية، وتشكو من عدم تعاونهم وانهم يقومون برعاية الجماعات الإرهابية والمشاركة في عمليات تهريب السلاح.

(وللحديث بقية).

المزيد من آراء